mlogo

د. حسن التجاني

د. حسن التجاني

هوي قبل أن تندموا!!

> مقال جميل متداول عبر الأسافير هذه الأيام للكاتب أحمد الزعبي يتحدث فيه عن وصلة اجتماعية أسرية مهمة جداً، ويحرك جرساً معلقاً على أُذن الكثيرين من الناس حتى ينتبهوا من غفلتهم التي ستقودهم للهلاك الدنيوي والأخروي في أهم أبواب التقرب إلى الله ورحمته، وهي العدل بقدر الإمكان في طاعة وبر الوالدين ما كان ذلك ممكناً.
> الرسول صلى الله عليه وسلم كان يخشى الميل القلبي.. وقال فيه ما قال طالباً من الله سبحانه وتعالى ألا يلومه، وما أقسى لوم الله سبحانه وتعالى.. ولذا عموم خلق الله يصعب عليهم ذلك أن يكون ممكناً، ولكن هذا لا يمنع الاجتهاد في أن يكون ذلك متوفراً.
> وفي الوالدين سر عجيب ودفين.. وأقرب الأشياء كما تدين تُدان ما تفعله فيهما تجده مفعولاً فيك.. خيراً فعلت لك وشراً فعلت عليك.
> هناك حالة ظاهرة جداً ومشاهدة على المسرح الأسري يومياً يسردها الكاتب الزعبي، أن الأولاد حين يعودون من المدرسة ينحنون نحو اليسار إلى المطبخ بحثاً عن أمهم ولا ينحنون نحو مكتب الأب الذي يجاور المطبخ تماماً هكذا يقول.. ولكنه يواصل قائلاً: لا أتوقف حول هذا التنطيش، وأحياناً أسمع أمهم تقول لهم سلمتوا على أبوكم؟ لكنهم يتباطأون ربع أو نصف الساعة، وأيضاً لا أكثر في سلامهم بعد توجيه أمهم بذلك للسلام عليّ، فالدنيا زحمة والطرق المؤدية من المطبخ إلى غرفتي تشهد ازدحاماً مرورياً كبيراً، وقد يستغرق منهم الوصول إلي وقتاً أطول، ولكنهم يصلون نحوي وسلامهم فرادى وسلام بارد.
> الأسبوع الماضي وفور وصول أكبر الأبناء خرجت بالصدفة من مكتبي فوجدته يقف في المطبخ يهم بمناولة الست الوالدة شيئاً ما، وعندما رآني تراجع وأخفاه خلفه فأكملت طريقي دون انتباه.
وعند العودة ضبطته وهو يضع في فمها أصبع شكولاته فاخراً قد اشتراه لها من مصروفه، وعندما رآني خجل مني ولم يعرف كيف يتدارك الموقف.. وبعد ثوانٍ حاول أن يخرج من جيب بنطاله حلاوة (كرملة) وعليها بعض قطع مناديل الورق محاولاً إهدائي إياها فشكرته، وأنا لا أتوقف عند هذا التمييز (العنصري) رغم أن الشكولاته التي أهداها لأمه لذيذة وكنت أحبها ونفسي فيها، ولا أنزعج كثيراً من ميلهم لأمهم لأننا كنا نفعلها عندما كنا في أعمارهم، وهو ميول فطري وطبيعي, رغم كدَّ الأب وتعبهُ وحنانه، إلا أن الجنوح يكون نحو الأم، وهي طبيعة فطرية لا نتحكم فيها.
> الغريب أن الأبناء لا يكتشفون حبهم الجارف لآبائهم إلا متأخراً، إما بعد الرحيل وإما بعد المرض وفقدان الشهية للحياة.. وهذا حب متأخر جداً حسب توقيت الأبوة.. والآن كلما ترددت في حسم مسألة أو تنهدت في أمر شاق عليَّ قلت أين أنت (يا بابا).. ولو كنت أعرف أن العمر قصير إلى هذا الحد لكنت أكثر قرباً من أبي.
> نحن نعرف قيمة الملح عندما نفقده عند الطعام, وقيمة الأب عندما يموت ويصبح مكانه في البيت شاغراً.
> فالأسرة كلها مع الأب في رحلة الحياة كراكبي قطار في سفر طويل لا يعرفون قيمة قائد القطار إلا عندما يتعطل بهم فيبدأ الأب في تفانٍ لإصلاحه.
> الأب هو وحده الذي يخفي أخطاء ابنه ويغفرها وينساها، وهو الذي وحده يتمنى أن يكون اإبنه أحسن منه وأفضل، وهو الذي يتباهى بتفوق ابنه ويفرح ويفاخر.
> تأنيب الأب لابنه مؤلم في حينه، لكنه دواء ناجع حلو المذاق بعد التعلم منه والتماثل للشفاء والاستقامة.. يصدر من جوار قلبه لا من جدار قلبه، حيث يتألم وهو يؤنبه.
> الأم تحب من كل قلبها والأب يحب بكل قوته.
> قبل فوات الأوان أيها الأبناء قبل أن تندموا بروا بوالديكم.. بروهما قبل أن يموتا فتندموا.. فالحياة قصيرة (والله جد).
(إن قَدَّرَ الله لنا نَعُود).

Who's Online

523 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

Search