mlogo

د. حسن التجاني

د. حسن التجاني

من حلفا الجديدة سلام!!

** مدينة عجيبة، ساحرة، ذات جمال تخطيطي عجيب تكاد تكون من أولى مدن السودان المخططة تخطيطاً ممتازاً.. لكن للأسف إنسانها يهملها جداً إذا كان مواطناً أو مسؤولاً إذا تولى أمر سياستها العامة ترتيباً وتنفيذاً.
** مدينة بديلة لأعظم مدن السودان التاريخية مدينة وادي حلفا في أقاصي شمال البلاد بلد النخيل التي هجَّر عبد الله خليل رئيس وزراء السودان أهلها الحلفاويين لبناء سد استفادت منه مصر أعظم فائدة، حيث خزنت فيه مياهاً لمدة مائة عام تجدد سنوياً، ولم يستفد السودان شيئاً سوى أنه فقد مدينة عظيمة هي وادي حلفا وفقد نخيلاً وأرضاً وزرعاً وإنساناً.. إنسان حلفا الذي لم يطب له العيش في حلفا الجديدة فهجرها هي الأخرى لغير رجعة مشتتاً بين مدن الخرطوم ومدني والقضارف وكسلا وأخرى.
** الآن حلفا الجديدة ليست هي ذاتها تلك التي كانت شامة على (وجنة) الشرق، قبل أن تصبح ولاية تلاطمها الأمواج وعبث بها الدخلاء الذين لم يخافوا فيها الله.
** السياحة هناك في الشرق وفي حلفا ومدن كسلا، لكن بعض من جلس على مقعد الحكم لم يفطن لذلك، بل كانوا يفكرون فقط في مصلحتهم الخاصة، فحدث الذي حدث بالولاية وانعكس سلباً على مدينة حلفا الجديدة درة الشرق.
** لكن لم تتغير ملامح الطبيعة في حلفا، فذات الأمطار وذات الأجواء الخريفية مازالت هي هي وطينها اللزج الذي كان يمسك بإطارات السيارات ولا يدعها تتحرك، ومنع ذلك أهل القرى من التمتع بالتسوق في أسواق حلفا خوفاً من وحل سياراتهم، ولا يأتونها إلا (بالتراكتورات) ذات التروس المتعددة التي تقاوم لزوجة طين حلفا.
** صندوق الشرق للتنمية هناك لكنه لم يسارع الخطى حتى في الإسراع لقطع خطوات التنمية بعد، فالذي بدأه ونحن صغار نعود له اليوم ونحن كبار جداً، ومازالت الطرق ردمية فقط والذي (تسفلت) لا يتعدى بضعة كيلومترات لا تكتمل عندها فرحة أن المدينة مسفلتة، وكان ذلك ممكناً وسهلاً متى توفر لأهل حلفا من هو صاحب ضمير حي يخاف الله إلا من رحم ربي بالطبع طبعاً.. يخاف الله فيها وفي إنسانها الطيب.
** معظم أبناء حلفا من الأيادي والسواعد القوية التي يمكن أن يبني بها أي مسئول المدينة كاملة، لكن للأسف لم ينتبه أي منهم لهذه السواعد ولم يفتح اللـه لهم وعليهم بالتفكير في ذلك.
** حتى الحواشات الزراعية الخاصة بالأهالي التي كانت تنتج قمحاً وزرعاً يكفي حلفا لعام كامل دون أن تلجأ لشراء حبة قمح من القضارف، ظل أهلها طيلة سنوات عمرهم لا يشترون خبزاً من فرن خارج منازلهم، والآن هدمت هذه الأفران البلدية التي كان يعد فيها العيش البلدي الخالص من القمح الصافي.. (هلا هلا حلفا) أهلها الآن يشترون عيشهم من الأفران ويصطفون الصفوف لذلك.. إنها المأساة التي توجع الضمير وتزيد من ألمه.
** زرت حلفا خلال عطلة الأضحى المبارك بعد ضغوط عمل كانت فوق الطاقة، وكان الغرض الاستجمام حيث حلفا الأهل والأحباب والجيران، لكن للأسف لم يعجبني حال حلفا، فقد تبدل الحال لصورة لا يمكن تكييفها غير أنه تدهور ملحوظ في كل شيء وأي شيء.. صحيح لم يقطع التيار الكهربائي خلال وجودي فيها هناك غير عشر دقائق فقط ثم حالاً عاد.. صحيح مياه الشرب بكل سوئها لكنها موجودة ومتوفرة.. صحيح سفلتت بعض طرقها، ولكن لم تعد حلفا تلك المدينة الجميلة بإنسانها الجميل وطيبة خاطره وحلاوة (نضمه).. الكل مشغول في شأن حياته، وحتى عندما كنا صغاراً فيها كنا حين يأتي العيد لا نعرف منازلنا بعد أن نغادرها (متزيين) بزي العيد إلا لحظة يصرعنا النعاس, نعود لها للنوم وسرعان ما نغادرها فرحاً وسعادة، فالآن لم نغادر منازلنا ولا حتى الجيران ذهبنا لمعايدتهم، فالكل مشغول في ذاته وخروفه.. لكن يحمد لأهل حلفا أنهم مازالوا يتمسكون بتبادل لحوم العيد والأضاحي، ولكن انتهت هناك (العيدية)، ولم أشاهد أطفالاً في جلبابهم الجديد، ولم ألحظ على عيونهم فرحاً، فقد اختفوا من الشارع واختصروا مشاويرهم أمام منازلهم دون أن ينتشروا كثيراً وبعيداً.
** ليس صعباً أن تعود حلفا لجمالها ورونقها.. ليس قاسياً أن تتحلى حلفا بزينتها الطبيعية وخضرتها النضرة، لكنها تحتاج لمن يدرك ذلك ويعمل له جاهداً قوياً عازماً مُصراً.
** التحية لأهلنا في حلفا الجديدة الذين مازالوا يصارعون رغبات البقاء فيها رغم ظروفها الصعبة القاسية لكنها هي الأفضل بإذن الله.
** نجاح وفلاح مدينة حلفا الجديدة يجب أن يكون بأيادي أبنائها وشبابها وشيبها ونسائها، فهي مدينة جاهزة تحتاج لمن يمد لها الأيادي.. وحتماً ستعود وستزداد تطوراً وتقدماً وتجلياً.
** سلام لأهل حلفا جميعاً، وحتماً إن مد الله في الآجال نعود ونمد السواعد.
(إن قَدَّرَ اللـه لنا نعود).

Who's Online

307 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

Search