mlogo

د. حسن التجاني

د. حسن التجاني

مجتمع يُحتذى به.. (والله جد)!!

> قد لا يدرك (بعضنا) أهمية أن يزدحم صيوان العزاء بالناس عند مصيبة الموت.. وربما يذهب البعض إلى أنهم قد لا يدركون أن هذا الجمع كيف يخفف على أهل الميت.. ويقلل من وقع المأساة في الفقد، فالقلب يحزن والعين تدمع لفراق كل حبيب خاصة فراق الوالدين، وما أمرها من لحظات وما أقساها من سويعات تظل في نفوس أهل الميت زمناً، وربما يكون هذا الحزن سبباً في موت أشخاص من شدة الحب للمفقود.
> الفراق صعب وأليم.. ولكن العزاء أن الشعب السوداني شعب يعرف معنى تخفيف الألم والحزن عن المكلومين، بوجودهم وتزاحمهم، ووالله في مجتمعاتنا في بعض ولاياتنا لا يعرف أهل الميت من أين يأتي الطعام والشراب ولا الشاي ولا مستلزمات الصدقة على المتوفي، بل تعود لهم في خواتيم العزاء بعض الأموال كسند وعضد وكمان (قلد) كما يقول أخونا الفريق بروف بدر الدين ميرغني صاحب برنامج (سند وقلد) بإذاعة ساهرون، والذي أظن أنه أتى أكله، وأظن أنه تحول لمؤسسة أو جمعية خيرية، المهم أن الشعب السوداني هذا شعب فريد وشعب (ياخ بس) والله مكلوم.
> ثلاثة أيام هي كافية بأن يزول ألم الفراق أو كما يقولون (ألم الفراق أشكي ولي مين أنا أحكي) وبالطبع عندما تكون لوحدك، ولكن بتجمع الناس معك لا تحتاج لتسأل لمين تشكي ولمين تحكي، فالناس جميعاً حولك.. لكن هذا يقود لسؤال هل أنت مجامل؟ فالشعب السوداني بالرغم عن كل كرمه وسخاه لكنه شعب (لوام) وكثير اللوم، خاصة في وسط النساء السودانيات و(القلة) منهن (براءة).
> حضور الناس يتوقف على درجة مجاملتك ووقوفك مع الناس عند (الإحن) و(المحن) والعزاء والفرح.. وحجم المشاركة مؤشر واضح بلغة البحث العلمي الإحصائي على مستوى مشاركتك، فكلما كبر الكوم في المشاركة من البشر كنت أنت مجاملاً أو (يدك في جيبك) دعماً ومؤازرة يعني جيبك كبير، ولو كانت المشاركة قليلة من عدد البشر كنت أنت قليل المجاملة و(ناشف) يعني يدك أصلو ما بتدخلها في جيبك.. لكن والله هذا أيضاً لا يمنع أهل السودان من مؤازرتهم لبعضهم البعض.
> كل هذا جميل.. لكن دعوني بالله أحكي عليكم عن مجتمع فريد ومميز وعريق في هذا التآزر والتلاحم والسند والقلد والتعاضد والتماسك والمساندة، إنه مجتمع الشرطة، والله هذا مجتمع مازال يحتفظ برونقه الجميل شبيهاً للمجتمع السوداني الأصيل.. مجتمع تجده في كل الظروف حولك ملتفاً، وحتى لو غادرت الشرطة فتلحق بك بقايا الدفعة التي مازالت في الخدمة، وذكريات وصداقات الدفعات ومشوار المهنة، فأنت المدير والزميل والمرؤوس والأجيال تتعاقب.. والأخبار لا تنقطع حتى لو خرجت من الشرطة سنين.. والغريبة مجتمع الشرطة ليس لديه حاجة اسمها خلاص خليت الشرطة، فأنت شرطي حتى تموت، ولو (خليتهم ما بخلوك).. مجتمع عجيب وغريب وأصيل وحريف ولطيف.
> آخر أحزان الشرطة كانت في مقابر الصحافة لمواراة الثرى والدة الفريق شرطة البروف عبد اللطيف عشميق الخليفة رئيس جامعة الرباط الوطني، ولا أبالغ إن قلت إن كل الشرطة كانت هناك تغطي مساحات كل المقبرة التي امتلأت تماماً، وما عاد فيها شبر لمواراة آخرين إن لم تسع الولاية لحل هذه المشكلة.. قلت لأخي العميد الدكتور طيفور الأمين الذي كان لجواري لحظتها: بالله عليك يا دكتور ماذا تقول عن هذا المجتمع العجيب الرهيب (المهيب) والمهيب هذه أنا طبعاً قاصدها، فنجد شخصيات مهيبة بحكم السلطة وصاحبة القرار (بعد الله سبباً) في تحديد اتجاهك وحركاتك وسكناتك.. لكن في المقابر يغمرك إحساس بالإلفة لهذه القبيلة، فهم الأكثر حضوراً من الأهل والأقارب، وهم الذين يخففون عليك كل الحزن، فدعهم وشأنهم يتحدثون في كل شيء وأي شيء في السياسة والرياضة والجنايات وأخبار الدُفعات, لكن يهمنا وجودهم وحضورهم ومؤازرتهم، فهم الذين (يحفرون ود الأحد) وهم الذين يحملون المرحوم فقيدك ويدفنونه ويرفعون الفاتحة ويقرأون (الإخلاص إحدى عشرة مرة)، وهم الذين يذهبون معك لموقع المأتم، فتجد الشؤون الاجتماعية والخدمات أحضرت الصيوان والكراسي وحافظات المياه وفرشات الصلاة، وما عليك إلا أن تتقبل العزاء, على فكرة إنت لو مافي الفاتحة ذاتها يشيلوها ليك مع الآخرين.. إنه مجتمع الشرطة.
> ليت كل المجتمعات كمجتمع الشرطة، بغض النظر عن قسوة عملها ومهامها و (استعدادها) الذي في كثير من الأحيان يجعلك (تتأقلم) على حياة لم تألفها كثيراً.. وإنت على يقين بأن (الأمن مستتب).
> بالطبع هذا الحكي لا يقلل من شأن ودور المجتمعات الأخرى العسكرية منها والمدنية, لكن هذا مجتمع الشرطة مجتمع (غير).. الجميل أن هذا المجتمع قوي ومتين, وبالمناسبة لن يتفكك أو يتبدد لأنه الذي بين الناس وعد وعهد وإرث يتناقله الشباب في مجتمعات الشرطة جيلاً بعد جيل ودفعة بعد دفعة.. (الله يكفيه شر الحاسدين) وعينكم باردة.
> بخصوص المقابر.. رحم الله والدة أخينا الفريق عشميق، والتعازي لأشقائه وشقيقاته ولأسرته الصغيرة والكبيرة ولقبيلته في الشرطة.. ونسأله تعالى أن يتقبلها قبولاً حسناً.
> الموت حق على الإنسان وإن طالت سلامته.
(إن قَدَّرَ الله لنا نَعُود).

Who's Online

469 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

Search