mlogo

حوادث و قضايا

حوادث-و-قضايا

تسرب التلاميذ..من الفاعل..

تحقيق: نجلاء عباس ـ ام بلة النور
(يُحكى أن إحدى المعلمات بإحدى المدارس في جمهورية خيالية –هذه القصة لاتمت للواقع بصلة- طلبت من تلاميذها خلال جمعية أدبية أن يقوموا بتقديم مساهمات مادية بمناسبة أن أختها قد- (وضعت)- رزقت بمولود كمساهمة من التلاميذ، الشيء الذي تسبب في حالة من الغليان والغضب والسخط وسط أولياء الأمور.. هذا نموذج خيالي سيدي القارئ فلا تسقطه على واقعك)!
ويعتبر تسرب التلاميذ من التعليم من أخطر الآفات التي تواجه العملية التعليمية ومستقبل الأجيال في المجتمعات المختلفة، لكونه إهدار تربوي لا يقتصر أثره على الطالب فحسب، بل يتعدى إلى جميع نواحي المجتمع. فهو يزيد معدلات الأمية والجهل والبطالة، ويضعف البنية الاقتصادية والإنتاجية للمجتمع والفرد، ويزيد الاتكالية والاعتماد على الغير.
 ويعتبر تسرب الطلاب من المدارس من أخطر الظواهر التي ظهرت على السطح في الآونة الأخيرة, وأرجع ذلك الى جانب انعدام الرقابة من قبل الأسر وإدارات المدارس، والتي تتنصل عن دورها نتيجة اكتظاظ الفصول والبيئة الطاردة، ومسببات أخرى وقفت عليها (الإنتباهة) في سياق هذا التحقيق :
مشاهدات
وقفت (الإنتباهة) على معاناة هؤلاء الأطفال المتسربين من التعليم، لتصطدم بواقع مرير، لنلاحظ أن بعض أهل القرى والمدن يرى أن التعليم عبئاً بالنسبة لهم فحرموا أطفالهم من الذهاب للمدارس، بينما وجدنا أن هناك أطفالاً وجدوا أنفسهم خارج أسوار المدارس والبعض الآخر تفلت وخرج عن سيطرة إدارة المدرسة وأسرته.
 ومن المشاهدات التي اعتاد عليها الشارع العام، هي وجود عدد كبير من طلاب المرحلة الثانوية والفصول الأخيرة من مرحلة الأساس, والذين يتواجدون بصورة كبيرة في غابة السنط بالخرطوم منذ الصباح الباكر وحتى نهاية اليوم الدراسي, منهم من يعمل في غسيل السيارات ومنهم من جاء متنزهاً, مما يدل على وجود عملية تسريب او (غياب) للمدرسة . لنتوقف عن الحوادث الناتجة من التسريب المدرسي وسبق أن فجع أهالي أمبدة الحارة 14 بغرق ابنهم في منتصف العام الماضي الطالب في المرحلة الثانوية الذي خرج من أبويه ذاهباً الى المدرسة في الصباح، إلا أنه التقى بزملائه وقبل أن يصل الى المدرسة خرج معهم الى النيل لتأتي جثته الى ذوية غريقاً.
أسباب متعددة
يرى فرح موسى (مدير إحدى المدارس بأمبدة دار السلام)، أن للتسرب أشكالاً متعددة، ومن أكثر الأسباب التي تؤدي الى تسرب الأطفال من المدارس، هي مشكلة نزوح الأطفال من ولاية الى أخرى بسبب الصراعات المسلحة, مضيفاً أن الطالب قد يأتي في منتصف العام ولم يتم قبولة, بالإضافة الى أنه يرى أن تلك الأسر غالباً ما يكون لديها أولويات في مقدمتها المأوى والمأكل والمشرب, الى جانب الظروف الاقتصادية التي فرضت ظاهرة عمالة الأطفال, مما يجعلهم يعملون من أجل مساعدة أسرهم في تحسين مستوى المعيشة, ووصف البيئة المدرسية بالضعيفة, الى جانب عدم مقدرة المعلم على متابعة الطلاب وضبط الحضور والانصراف نتيجة اكتظاظ الفصول, كما يرى أن ضعف الرقابة من قبل الأسر من أكبر المسببات, مما يجعل الطلاب يتغيبون عن الدراسة ويذهبون الى مراكز الألعاب الإلكترونية المنتشرة داخل الأحياء. ويرى أن الوضع في التعليم لا يستقيم ما لم يكن هناك استقرار بالدولة في كافة أركانها.
تقاعس الدولة
أثبتت جهات الاختصاص أنه تم حصر إحصائيات ومؤشرات وأرقام مخيفة تعكس الأوضاع المأساوية البائسة لواقع الطفولة في السودان، خاصة في ولايات غرب السودان ما قاد للوقوف على أمر معالجة قضايا الطفولة بالمركز والولايات وتسليط الضوء على هذه القضايا التي تدق ناقوس الخطر وإيجاد الحلول العاجلة ليقول قادم داؤود (مدير مدرسة بولاية شرق دارفور) خلال حديثه لـ(الإنتباهة) إن تقاعس الدولة عن توفير مسلتزمات التعليم من أهم المسببات, كاشفاً عن تدني البيئة المدرسة , ونقص الكتاب المدرسي من أكثر الإشكالات. وأوضح قادم أن نقص الأيدي العاملة بالولاية مما يؤدي الى استخدم الأطفال في العمل الزراعي من قبل أسرهم نسبة لارتفاع أسعار العمالة بالولاية، لذلك الأسر تشجع الأبناء على العمل وترك مقاعد الدراسة, لتتنصل عن التزاماتها تجاه الأبناء في توفير المصروف اليومي والمستلزمات .
توحيد الموسم
وأرجع قادم أيضاً التسرب الى توحيد الموسم الدراسي بالولاية, والذي كان في السابق ينقسم الى موسم صيفي للطلاب في القرى, وفي موسم الخريف للطلاب في المدنية, إلا أن توحيد توقيت الدراسة أدى الى انتقال الطلاب للعمل مع أسرهم في الزراعة, وشدد على ضرورة إرجاع النظام كما كان في السابق .
ذات أبعاد
وقال الخبير وعضو المنتدى التربوي مبارك يحيى لـ(الإنتباهة)، إن التسرب أصبح ظاهرة ولديها أبعاد كثيرة أهمها عدم الاستغلال الأمثل للإمكانيات المتوفرة للتعليم, الى جانب البيئة المدرسية التي وصفها مبارك بأنها طاردة وغير محفزة على البقاء والاستمرار في مقاعد الدراسة, والمتمثلة في الإجلاس والمعامل, الى جانب الفصول المتهالكة والتي اعتبرها فقيرة في مبانيها وغير صحية وتفتقر الى المراحيض في بعض المدارس.
سوء إدارة
كما يرى الخبير التربوي أن إدارات المدارس هي جزء من الظاهرة. وأرجع ذلك الى عدم تدريب وتطوير تلك الإدارات التي تحتاج الى إعادة تأهيل مستمر في كيفية التعامل مع الطلاب والاستغلال الأمثل للزمن والإمكانات.
وأضاف مبارك أن ترتيب الحقيبة المدرسية أيضاً من أكثر المسببات للتسرب، وأرجع ذلك الى عدم جدولة الحصص اليومية والذي بدوره ينعكس بصورة سالبة على الطالب مما يجعله غير قادر على التخطيط في الحاضر والمستقبل, نسبة لعدم التزام المعلم بجدول محدد.
معيار دولي
وكشف الخبير التربوي أنه وبحسب المعيار الدولي الذي وضعته منظمة اليونسكو للتعليم يحدد أن السودان خارج الإطار وأرجع ذلك الى المناهج التي وضعت للطالب السوداني، واصفاً إياها بالـ(الحشو) ومعلوماتها متاحة للطالب.
وأضاف أن المناهج لابد أن تحتوي على القيم والمبادئ والتي لا تتوفر فيه, رغم أنه هو العامل الأساسي في عملية التعليم. بجانب أن الدراسة أثبتت أيضاً أن للمدرسة دور ثانٍ وهو اكتساب مهارات أخرى مثل التكنولوجيا بجانب تعلم الطالب المسؤولية والاستقلال بذاته وتصرفاته. وأضاف أن هذه القضايا غير مُعلن عنها بصورة علمية في نظام التعليم السوداني . وشدد على ضرورة إعادة النشاط الطالبي للمدارس بصورته الأولى على أن يكون أكثر تفصيلاً .
لا تسرب
وبما أن وزارة التربية والتعليم هي الجهة الراعية لمسيرة الطلاب التعلمية، تواصلت (الإنتباهة) مع مدير عام وزارة التربية والتعليم ولاية الخرطوم عبد الله نصر، فقال لـ(الإنتباهة) إن التسرب لايمكن أن تعنى به الولاية نسبة أن كافة المؤشرات تشير الى عكس التسرب وأن هناك تزايد ملحوظ في الفصول النهائية.
وأضاف بما أن نسبة الممتحنين تزداد سنة تلو الأخرى، فذلك يؤكد خلو التسرب من مدارس العاصمة، كاشفاً أن عدد الممتحنين لعام 2017م بلغ 142,000 طالب وطالبة ليصل 150,000 ممتحن في العام 2018م ولفت الى زيادة مستمرة لعام 2019م وصل فيها عدد الممتحنين حتى اللحظة أكثر من 160,000 ممتحن.
وقال اليوم الوحيد الذي شهدت فيه مدارس العاصمة تسرباً هو الأربعاء الماضي بسبب الحشد الجماهيري لرئيس نتيجة لخوف الأسر على أبنائهم، مشيراً الى أن الوزارة أصدرت بياناً قضى بمنع مشاركة الطلاب في المسيرة.
وقال بالرغم من ذلك لم يداوم الطلاب على الدراسة، وأكد أنه خلال جولته الخميس الماضي ووقوفه على أوضاع الطلاب في المدارس المختلفة أنهم في حاله من الاستقرار الدراسي وواصلوا تكملة المقرر ليخضعوا للامتحان في الوقت المحدد له مسبقاً.
ظروف الحرب
ويواصل مدير عام وزارة التربية والتعليم تعليقه حول ظاهرة التسرب من الدراسة وقال لـ(الإنتباهة) إن الظاهرة معنية بها ولايات السودان التي بها الحرب وظروفها قاسية مما يحتم على الطلاب الخروج من المدرسة والولاية بأكملها ليتجهوا إلى ولاية أخرى تكون لهم ملاذاً آمناً وغالباً ما تكون العاصمة هي الولاية التي يقصدها النازحون .
الرسوم
بينما ترى الخبيرة التربوية نجوى عبد الرحمن بدوي المتخصصة في مجال التخطيط التربوي أن أغلب حالات التسرب في مرحلة الأساس بسبب الهروب من عقوبات(الجلد) التي ينفذها الأساتذة على التلاميذ بسبب الرسوم المتعددة شبه اليومية .
وتؤكد الخبيرة أن هذه الرسوم تفوق دخل الأسرة المحدودة، الشيء الذي يدفع التلاميذ أحياناً للتسرب من أسوار المدرسة تخوفاً من العقوبة البدنية او المعنوية أمام زملائهم.

تواصل معنا

Who's Online

980 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

Search