جعفر باعو

تراجع الخرطوم

> عند ظهور الهواتف الجوالة في بداية التسعينيات كان أفضلها «النوكيا» 3310 ومن يحمله في تلك الفترة يعتبر من أثرياء القوم، وغيره من الهواتف لإمكانيات له، وتقول الطرفة إن إحداهن كانت لها هاتف من النوع الذي لايقوى على إكمال الرسالة كاملة، فأرسلت لها شقيقتها رسالة بأن ابنة خالتهما ولدت ولد..ولم تكتمل الرسالة لتأتيها جملة «باقي النص مفقود» فصرخت مستلمة الرسالة ونشرت خبر لجيرانها بأن ابنة خالتها وضعت مولود نصه مفقود. وفي الحقيقة المفقود هو باقي النص وليس الطفل.
> مع مرور السنوات تطورت الهواتف النقالة وظهرت منها أجهزة لا يصدقها العقل –طبعاً في السنوات السابقة-فكلما تقدم الزمن يحدث التطور والنهوض ليس في الأجهزة النقالة فحسب، بل في كافة المجالات. فقبل سنوات عديدة كانت رواندا يموت فيها الملايين ودمرت عاصمتهم كيجالي وما أن توقف نزف الدماء، حتى أصبحت كيجالي من أجمل مدن إفريقيا، تطورت ونمت حتى وصلت لهذه المرحلة التي بها الآن، وعلى القرب منا كانت العاصمة الإثيوبية أديس أبابا تحاط بمباني «الصفيح» العشوائي مما يقبح منظرها، وفي تلك الفترة جاء وفد من الحكومة الإثيوبية لنقل تجربة السودان في السكن الشعبي التي بدأت مع سنوات الإنقاذ الأولى، فنقل الإثيوبيين التجربة ونفذوها ربما أفضل مما هو في السودان وتحولت أديس أبابا الى أجمل المدن.
> كل العالم وليس إفريقيا من حولنا تطورت بمرور الزمن، إلا الخرطوم لازالت تتدهور يوماً بعد يوم. والكثيرون من حضروا الفترة التي تغنى فيها الشعراء للخرطوم يتمنون أن تعود هذه المدينة الى تلك الحقبة، ولكن الزمن لا يعود للوراء أبداً ونحن نتراجع دون الزمن، وما جعل الخرطوم تتراجع كثيراً الى الوراء هو زيادة الكثافة السكانية التي جاءت من الولايات المختلفة مع عدم التوسع في الخدمات في كافة المجالات.
> أذكر ونحن في المرحلة الابتدائية «طيبة الذكر» كانت حدود الخرطوم معروفة وهي قريبة الآن مقارنة بالسابق، ويكفي أننا كنا نرى من يريد الذهاب الى إحدى الكلاكلات، نشفق عليه. أما اليوم فهذه المدينة الأقرب الى الخرطوم بعد تمدد العاصمة الى أحياء لم تكن في الحسبان، وطبعاً بعض منها يفتقر الى الخدمات الأساسية من مياه وكهرباء وتعليم.
> هل تصدقون أن هذه الخرطوم الآن وهي العاصمة القومية بها مناطق لا تعرف الكهرباء وغيرها لا يتمتع بالمياه؟ هذا التمدد والكثافة السكانية كان السبب الأول فيها هو إهمال توفير الخدمات الضرورية في الولايات مما جعل مواطنوها يبحثون عن هذه الخدمات في الخرطوم وأيضاً في بعض المناطق لا يجدونها.
> نشعر بالخجل ونحن نرى جميع العواصم من حولنا تتقدم وتنمو ونحن نتراجع للوراء وليس نقف في المكان الذي كان في السابق، أصبحنا في العاصمة القومية نخشى الخريف ونحمل هماً لبداية الأسبوع وآخره من زحام الشوارع.
> الخرطوم تحتاج لإعادة تخطيط لتوفير كافة الخدمات الضرورية وقبل ذلك الكثير من الولايات تحتاج لتوفير الخدمات فيها حتى نشهد هجرة عكسية، حيث مناطق الإنتاج التي تجعل من الجنيه السوداني يقاوم ارتفاع الدولار.

شاركنا برأيك

هل تتوقع أن يتجاوز الطاقم الاقتصادي الحالي الازمة؟

تواصل معنا

Who's Online

605 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

Search