جعفر باعو

العيد زمان

كل عام والجميع بألف خير وبركة ونسأل الله أن يتقبل من الجميع الصيام والقيام.بدا الصديق والزميل علي البصير مندهشاً من تباشير العيد التي بدأت قبل ايام في ذاك الحي الشعبي.> قال لي "نسيت ان التقط صورة لاولئك الاطفال" وحينما سألت عن سر الصورة فقال لي رأيت عدداً منهم وبرفقة امهاتهم وهم يحملون "صواني الخبيز" متجهين للفرن في منظر لم نشاهده كثيراً في الخرطوم.> قلت له هذا هو منظرنا ونحن صغار في حي القوز العريق والحالة مثله في الرميلة ونحمد الله ان هذه الاحياء لا زالت تحافظ على مثل هذه المناظر الرائعة.> اذكر جيداً ونحن صغار جلست والدتنا "نسأل الله لها تمام الصحة والعافية" في راكوبة منزلنا وجوارها نساء الجيران وهن يخلطن عجين الخبيز ليخرج لنا البسكويت والكعك والبيتي فور .> كنا اكثر الناس سعادة حينما يحملونك صينية الخبيز على رأسك وانت ذاهب بها الى المخبز.> واروع اللحظات ورائحة البسكويت الذكية تأتي من داخل "الفرن" تعلن نضجه واقتراب حمله للمنزل.> في تلك الايام كان للعيد طعم خاصة ومذاق جميل، كان فيها الجيران هم اهلك واصدقاؤك ولا خوف عليك من الشارع.> كانت ليلة العيد عبارة عن حملة نظافة ليس للمنازل وحدها وانما للشوارع التي تكنس وترطب بالماء استعداداً لليوم الاول من العيد.> اما اليوم الاول من العيد فكان مختلفاً تماماً عن باقي الايام، يبدأ من بعد الفجر والصوت الجهور الذي يخرج من قلب ميدان القوز وهو يردد "الله اكبر الله اكبر لا اله الا الله الله اكبر الله اكبر ولله الحمد" فنسمع هذا الصوت ونبدأ في ارتداء اجمل الازياء ومن ثم نتوجه لاداءة صلاة العيد.> لم يكن العيد للصلاة فقط كما هو الحال في الكثير من الاحياء اليوم وانما كان عبارة عن جولة نطوف من خلالها على جميع المنازل في الحي حتى نشعر بان ارجلنا بدأت بالانهاك ، لنبدأ بعدها رحلة اللعب بالمراجيح في زمن لم نسع فيه للنزهة في الحدائق العامة كما هو الحال الان.> كان حينها جميع الاطفال يلعبون في امان دون خوف عليهم فجميع المنازل منازلهم وجل الامهات امهاتنا.> كان العيد في السابق له طعم ولون ورائحة لا مثيل لها ولكن جل هذه الاشياء الان تغيرت بتغير البشر وليس العيد.> قليل من احياء الخرطوم لا زالت محافظة على بعض من اشكال العيد وكثير منها تبدلت مع دخول التكنولوجيا الحديثة وانشغال الناس بالافلام والمسلسلات الهندية والاغاني الحبشية.> تغير الناس "وليس العيد" فاصبحوا لايهتمون كثيراً بالعيد وتفاصيله كما انهم اصبحوا يقضون شهر رمضان ليس كالسابق حينما كان يتدافع الناس للشارع لافطار عابر الطريق.> تغير الناس وبدأ المجتمع يتفكك عن السابق وضاعت الكثير من الروابط واختفت الرائحة الجميلة للعيد ورمضان وغيرهما من المناسبات الدينية ونخشى ان نصل الى مراحل أسوأ من التي عليها الان.> تبدل المجتمع واستجاب للظروف الاقتصادية الطاحنة التي جعلت القتل مباحاً والسرقة حلالاً والكذب فن من فنون الحديث.> نسأل الله العلي القدير ان يعود اهل السودان كما كانوا في سابق عهدهم ونسأل الله مع تباشير العيد السعيد ان يفرج كربهم ويفك ضيقهم ويجعل لهم من كل ضيق مخرجاً.>  ونرجو الله ان يعيش ابناؤنا العيد الذي عشناها في سنوات سابقة وليس عيد "بشر هذا الزمان" الذي لا طعم له ولا لون له ولا رائحة.> كل عام والجميع بالف خير

شاركنا برأيك

هل تتوقع أن يتجاوز الطاقم الاقتصادي الحالي الازمة؟

تواصل معنا

Search