جعفر باعو

العاصمة الحضارية

> قبل سنوات فاقت العشر, كنت برفقة الاخ والصديق العزيز محي الدين شجر في رحلة عمل للعاصمة السورية دمشق، كانت في تلك الفترة سوريا قبلة للزوار وبها رقي للتعامل لم أجده في الكثير من الدول، أذكر ان زياتنا كانت في فصل الخريف فكانت الأمطار تهطل بغزارة من الصباح وحتى المساء مصحوبة بموجة برد قارس, ولكن مجرد توقف الأمطار فبإمكانك الخروج للشارع لتجده نظيفا ومرتبا وكأن هناك عمالا قاموا بهذا العمل.
> لم نر  طيلة فترة إقامتنا مياها راكدة من مياه الأمطار ولم نشاهد أحياء يغلق أهلها مصارف المياه، وعلى العكس كان نهر بردى يجري من تحت المنازل – ومازال- ليعطي دمشق روعة وجمالا وبهاء وهو القادم من بحيرة بردى على سلسلة الجبال السورية ليصب في بحيرة العتيبة جنوب شرق دمشق، فتلك المدينة الرائعة بأهلها وطبيعتها كان يستمتع زائرها ببردى والخريف وكل الجمال الطبيعي فيها.
> وقبل عامين تقريبا كنت في زيارة لسد النهضة الإثيوبي برفقة عدد مقدر من الزملاء الإعلاميين, وايضا كانت الأمطار تهطل طول اليوم ولم نر مياها راكدة رغم ان معدل الأمطار في اثيوبيا يفوق الذي في السودان بدرجات كبيرة، لم نر مياها في الشوارع المعبدة ولم يكن سائق العربة يحتاج الى ان يقلل من سرعته خوفاً من وجود حفرة أو مطب صغير لرداءة الطريق، استمتعنا برحلة سد النهضة رغم أنها كانت براً, لطبيعة اثيوبيا وجمال خريفها وسهولة طرقها الجبلية.
> نسأل الله ان يوقف سيل الدماء في الشقيقة سوريا لتعود الى بريقها الذي كان قبل ويلات الحرب، ونرجو الله ان تكمل اثيوبيا جميع مشروعاتها التنموية بدءاً بسد النهضة الذي يعتبر من أضخم السدود في القارة والعالم.
> حينما اتذكر فقط هاتين الرحلتين وأنا أتمعن في خريف الخرطوم، أشعر بالحسرة والألم وعاصمتنا كانت مضرباً للمثل والكثير من الرؤساء والقادة كانوا يحلمون بان تصبح مدنهم مثل الخرطوم، هذه المدينة التي تجسد البؤس والفقر في هذا الفصل, وتجسد المعاناة في بقية فصول السنة تحتاج الى وقفة جادة لإعمارها وتزيينها لعودتها للريادة، الخرطوم العاصمة التي تغنى لها وبها الشعراء في السابق، لم تعد هي كما كانت بل أصبحت عبارة عن قرية ضخمة تحاول التشبه بالمدن.
> الكثير من أهل الخرطوم أصبحوا يدعون الله ألا تهطل الأمطار في مدينتهم، والبعض منهم يحمل هماً ثقيلاً منذ دخول هذا الفصل من فصول العام ،لأنها ببساطة في هذه الشهور تتحول الخرطوم الى جزيرة محاطة بالمياه في ظل غياب المسئولين، والمصيبة ان نفس السيناريو يتكرر منذ سنوات بعيدة وينتهي الخريف ولا جديد يحدث حتى يعود الخريف من جديد، وكأن ذاكرة مسئولي الولاية هي ذاكرة الأسماك تنسى كل التفاصيل بعد ثوانٍ من انتهائها.
> الخرطوم تحتاج الى نفرة كبيرة تقف خلفها رئاسة الجمهورية لتصبح عاصمة حضارية مشرفة تجعل أهلها يرفعون رؤوسهم تفاخراً بها وهي تحتضن النيلين ومقرنهما.
 

شاركنا برأيك

هل تتوقع أن يتجاوز الطاقم الاقتصادي الحالي الازمة؟

تواصل معنا

Who's Online

716 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

Search