mlogo

الصفحة الطبية

اختصاصي عظيم الطب.. قليل الإنسانية

> تتباين مفاهيم مرور الأطباء على المرضى  أو الـRound كما يحلو لهم تسميته والتشدق بتكرار لفظه.. ففئة منهم تأتي وهي في لهفة الاستزادة من العلم وتلقي الخبرة المباشرة من الاختصاصي صاحب الوحدة وأخرى تأتي وفي أذنيها وقر تريد أن ينتهي هذا المرور لتنطلق إلى مشاغلها الكثيرة من (بنغلة) وغيرها فالطب في بلدي أضحى شجرة بلا ظل ..ومرقد بلا وسادة..أو كما قيل:
الطب أصبح  كالخنجر المسموم في ظهري
والكل يحركه كي ينتهي أمري
> كما يتباين الأطباء يتباين الاختصاصيون أيضاً  فمنهم الفائق القدرة العلمية الطبية ولكنه قليل القيمة الإنسانية فتجده يقدم المعلومات كمن يقذفك  في هوة عميقة من المجهول ويعلو صوته محتداً عن أي خطأ يقع فيه الطبيب  الذي في وحدته يعاملهم بمبدأ أمركم في يدي لذلك ويلي سأذيقكم وهو  يلعنه الجميع ويدعون الله في سرهم أن تقفز الأيام بالزانة وتحقق ميدالية انقضاء الفترة ويأتي فرج ورقة نهاية التدريب معه أو ما يعرف عند الأطباء بالrelease وهو للأسف الشديد علمهم علم الطب الذي يُلحق فغاب عنه تعليمهم أخلاقيات الطب التي لا تُلحق:
وإذا الطبيب   لـم يكن بفضيلةٍ
فأوقد عليـه الخشب والنيران
فالطب حسٌ يسري  في الأبدان
رقـــة كالشعر فـي الأوزان
هو لوحـةٌ والخير فـي ريشاتها
وإطـارها نبـع مـن التـحنان
> وعلى النقيض من الفئة السابقة فئة تحبب إليك الطب وتجعله علم يستقر في القلب فيحركه بدماء السلوك القويم ..فئة تجمع بين العظمة الطبية والرقة الإنسانية اختصاصيون أفذاذ علماً ونفساً لا يعانون من منهج ذوي العاهات شعارهم الدائم ( الطب ليس سماعةً يعانقها ميزان ..وإنما أعمال لها أوزان) لذلك تتعلم منهم قبل علم الطب الذي  يُلحق أخلاقيات الطب التي لا تُلحق.. وهذه الفئة يكون للمرور على المرضى  أو الRound معهم فائدة طبية مستمرة لا معلومات تهرب من العقل بعد الخروج من قاعة الامتحان.
> أستاذ الأجيال بروف فاروق يس استشاري الباطنية والمخ والأعصاب من الأصوات التي تجعلك تدمن الاستماع إلى أنشودة  الطب درب مخافة الله فهو مثال باذخ لفئة العظمة الطبية والرقة الإنسانية..فكثير ما يتحول المرور أو الRound معه إلى لذة  الارتواء من كوب العلم المحلى بقطع سكر الثقافة والفكر..فهذه المريضة يسألها من أي القبائل فتقول إنها من الكبابيش فيلتفت إلينا سائلاً : (يا شباب  قريتو كتاب حسن نجيلة ذكرياتي في البادية) وحينما يرى لنا دهشة تعلوها إمارات الجهل وقلة البضاعة  ينشد  للمريضة من تراث البدويات قائلاً في شجن محبب:
ختاتة خُتي زيدي
بكريكي بي مجيدي
يشوفي لي حبيبي
في البلد البعيدي
> ويشرح سارداً: المغنية تستنجد بالعرافة ضاربة الودع(الختاتة) وتغريها بأنها ستمنحها ريالاً (مجيدي) وهي ما يعرفه أهل كردفان بالريال الكبير (عشرون قرشاً حينها) أن تكشف لها حال حبيبها كيف هو ذاك في البلد البعيد ومتى يؤوب؟! وبعده يلتفت لنا البروف ليطلق نصيحة كعادة مربيي الأجيال ( يا شباب الطب ما مراجع كومار وكتب أكسفورد وما تشخيص مرض وكتابة روشتة ..الطب منهج سلوك وثقافة اطلاع واسع وحياة غنية بالعطاء والإنسانية)
> عزيزي الاختصاصي (عظيم الطب.. قليل الإنسانية) وأنت تدلف بتثاقل شديد إلى بوابة المستشفيات  الحكومية وتدعو الله في سرك  أن  ينتهي هذا  المرور أو الRound حتى تنطلق  مهرولاً إلى عيادتك الخاصة ومستوصفك الأثير ومصالح جشع الثراء والتي لا تنتهي عندك  أعلم عزيزنا  أن الله سبحانه وتعالى سيسألك يوم لا ينفع لا مال ولا بنون عن أطباء ونواب في وحدتك ينتظرون منك أن تعلمهم قبل علم الطب الذي  يُلحق أخلاقيات الطب التي لا تُلحق.
> وفي الختام وحتى الملتقى أعزائي القراء أسأل الله لكم اليقين الكامل بالجمال حتى يقيكم شر الابتذال في الأشياء.. 

Who's Online

956 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

Search