بدرالدين عبد المعروف

فساد وظيفي

أتابع باستمرار بعض الأحداث والبلاغات التي تسجلها دفاتر الشرطة والأمن بمطار الخرطوم، ورغم أن هناك مجهود واضح في انحسار تلك الظواهر الآن هناك بعض الأيادي المستقوية لازالت تمارس بعضاً من تلك الجرائم التي تضر باقتصاد البلد، كتهريب الذهب والعملات الحرة. وقد نما لعلمي أن كثير من تلك الأفعال المشينة يكون سببها الرئيس من أؤتمن على تلك المنافذ!! وبالإغراءات والطمع وبالتجاوز تحصل الكوارث وأكثر ما وقفت عنده مستعجباً ما تم ضبطة من حالة تهريب عبر المطار قبل أسبوعين بواسطة من كنا نظن أنه قدوة ونموذج للمحافظة على أمن وسلامة الوطن. ومرتكبو الجرم لم يساعدهم أحد، بل استغلوا نفوذهم ومسميات الوظيفة وتسللوا بلا خجل. وأمثلة كثيرة لتجاوزات مخجلة يمارسها بعض العمال والموظفين، ولكن للأسف الشديد القديم منها والحديث ينتهي بفصل وإبعاد دون أي عقاب آخر للعامل او الموظف، مما يشجع على تكرار تلك الجرائم، وأصبح دفتر أحوال المطار يقيد الكثير من حالات الضبط لعاملين أو موظفين أكثر من مواطنين. والثابت أن كل القضايا والجرائم التي تُرتكب مربوطة بطرف يعمل بالمطار أي أن المواطن المسكين لا يستقوى او يتجرأ بالدخول في تحدٍ او مجازفة لأية حالة من حالات التهريب الكبرى، إلا بإيعاز او تشجيع او اتفاق مع شخص داخل المطار حتى التي لم يعترف أصحابها على الشركاء وتحملوها بالمصادرة او الغرامة من أجل الاستفادة من وجود هؤلاء وعدم (حرقهم) لمعاودة الكرة مرة أخرى. فالموظف العام يعتبر ركيزة أساسية في أية دولة حديثة، فالدولة كشخص معنوي لا يمكن لها أن تستقيم بلا عناصر بشرية تسيّر بها أعمالها، والموظف العام وسيلة تعبر بها الدولة عن إرادتها، ولسان ينطق برغبتها، ويد قوية تقدم بها خدمات المرافق العامة وتحقق بها سيادتها وسلطانها، تلكم الأمور لا تتحقق إلا من خلال الموظف العام أيّاً كانت درجته الوظيفية، ومهما كان حجم السلطة التي يتمتع بها، لذلك كان الاعتناء بالموظف العام من أولى أولويات الدول، لأن أي خلل يعتري الوظيفة العامة يجعل المواطن يوجه سهام نقده إلى الدولة التي تأتمن الموظف على مرافقها وعلى سيادتها، ولهذا تحاول الدول جاهدة أن تُحسن اختيار موظفيها من كافة الوجوه، ليتولى الوظيفة الرجل الأكفأ، ثم تُوفر لهم الحماية القانونية حال أداء أعمالهم إلا أنه مهما حاولت الدولة أن تنتقي الموظف العام بعناية، فيبقى هذا الموظف بشراً له غرائز، فقد تتسرب إليه نوازع الهوى والانحراف فيحيد عن جادة الصواب، وينزلق إلى مدارك الفساد، ويكون بعد ذلك الفساد الوظيفي أمام مسؤولية قد تكون جنائية وقد تكون إدارية بحسب كل حالة وظروفها، وقد أدركت الدول هذه الحقيقة فأولت الدول عنايتها الفائقة لوضع التنظيمات القانونية الصارمة لردع أي موظف عام تسول له نفسه الخروج على مقتضيات الوظيفة العامة والمتاجرة بها، فسُنَّت لذلك التشريعات التي تُجرِّم انتهاك حرمة الوظيفة العامة، كما أولت عناية فائقة لحماية النزاهة ومكافحة الفساد، خصوصاً أن القاعدة المعروفة في القانون الجنائي هي ألا جريمة ولا عقوبة إلا بنص!! أن هذه الجريمة تفترض وجود ثلاثة أشخاص، صاحب نفوذ، وصاحب حاجة، وصاحب وظيفة، فيسعى صاحب النفوذ مقابل عطية أو وعد بها لدى صاحب الوظيفة لقضاء مصلحة صاحب الحاجة. أما الرشوة فتفترض شخصين فقط صاحب حاجة وصاحب وظيفة، وهذه من أهم الفروقات بين جريمتي الرشوة واستغلال النفوذ ونتيجةً لهذا فإن جريمة استغلال النفوذ تتكون من صاحب نفوذ حقيقي أو مزعوم من الموظفين العموميين أو من هو في حكمهم، طلب لنفسه أو لغيره أو قَبل أو أخذ وعداً أو عطية كمقابل لاستعمال نفوذه الحقيقي أو المزعوم لدى سلطة عامة للحصول على مزية ما، مع وجود القصد الجنائي لذلك يجب أن تلتفت الدولة لإعادة التقييم والتدقيق في اختبار الكادر البشري الأمين الذي يوكل إليه هذا العمل المهم ولابد من جهاز رقابي موحد تنضوي تحته كافة الأجهزة العاملة في المطار ويكون مسؤولاً عنه مسؤولية مباشرة تنسيقاً وإشرافاً بعيداً عن تنافس اختلاف الغنائم المكتسبة من مثل تلك التصرفات غير السليمة. فقد أسرَّ لي بعضهم، أن معظم حالات الكشف يكون مصدرها فرد من جهة أخرى ضد جهة أخرى. فلماذا لا يكون التوحيد في إنشاء إدارة موحدة تسمى إدارة أمن المطارات تخرِّج وتستوعب وتؤهل فرد الأمن وفرد الجمارك والشرطي وأمن الطيران والمباحث والمخدرات والأمن العام وحتى عمال الشحن والتفريغ مثلها مثل التكوينات الأخرى كقوة حرس الرئيس حيث تجتمع كل الأجهزة حتى المرور تحت قائد واحد لتوحيد الجهد والخروج بعمل تأميني منظم يبعدنا عن مثل هذه الجرائم التي لا تُقبل على الإطلاق فهؤلاء مناط بهم الأمن والأمان لا التهريب وهدم اقتصاد البلاد. ويعتبر فعلهم هذا جرم جنائي يستوجب توقيع أقصى عقوبة!. 
 

شاركنا برأيك

هل تتوقع أن يتجاوز الطاقم الاقتصادي الحالي الازمة؟

تواصل معنا

Search