بدرالدين عبد المعروف

التملق

استاء جداً من (زولى ) الذى اعتاد ان يتعامل معى بلطف زيادة اهتماماً وترحاباً عندما التقيه فى اية مناسبة عامة او خاصة، وحقيقة كنت أحسب انه راجل حبوب وعلى نياته، وأجد له مساحة من التقدير فى جواى، فالرجل ما ان ادخل على صيوان عزاء او فرح ويلمحنى حتى يتكفل تماماً بأمرى جلوساً وضيافةً وتعريفاً ببعض آل الميت، وكل شوية يجيب لى واحد (يا استاذ عزى فلان ده ود اخو المرحوم)، وللأمانة استحى واتضايق احياناً، فأنا لست وزيراً او رجل دولة مهم او حتى فنان (بندول ) او شاعر حب عميق، فأنا زول بسيط جداً بساطة اسعى لها واهتم بها لأنها درجة من درجات التواضع، ومن تواضع لله رفعه ! و(زولى ) لم تكن ممارسات ما ذكرت محصورة علي انا، بل عرفت فيما بعد انها ديدنه فى التعامل مع كثير من معارفه، والراجل اصبح شبه مريض نفسياً بهذه الخصلة الذميمة وغير المستحبة عند الكثيرين!! وخالنا شيخ (الطيب) رجل عرف عنه الزهد والتواضع رغم انه من كبارات رجال الدين والمال والأعمال ولفترة طويلة كان احد الضباط الثلاثة بالغرفة التجارية القومية، ولم انس على الاطلاق ونحن فى ريعان الشباب نتعلم منهم كل ماهو مفيد وعظيم، دخل على صيوان عزاء فى بلدنا الجميلة (المكنية) قابله شخص مثل زولى يجيد الملق ويكثر المزاح نهض اليه مسرعاً، وقبل ما يكمل السلام والعزاء لأهل الميت طلب منه الجلوس فى صينية الغداء الجاهز، خاصة أنه كان للتو حاضراً من البندر، فانتهره بجدية (يا زول هووى نحن جايين نعزى ما جاين نأكل خلينا نكمل مقابلة الرجال)، فتلك قيم وشيم أكابر القوم ومدارس الصالحين، فالتملق صفة يتسم بها العديد من الناس، شخصيات تتخذ من التملق سبيلاً للوصول الى المبتغى الدنيوي، والتملق فن صعب جداً يجيده المتملق الذى يتسم بالصبر والتركيز، ويعرف كيف يخطط بشكل ممتاز للوصول للهدف المنشود، يتحمل الإهانات ويقبل كل أنواع التعليقات السخيفة، والمتملق هو شخص يبحث عن مصلحته حتى ولو كانت بين فكي أسد، يفعل المستحيل وكل ماهو مباح وغير مباح ليحصل على مبتغاه، فالموظف يتملق مديره  يثني على كلامه وحركاته وتصرفاته مهما كانت صبيانية وغبية، يثني على ذوقه الرديء جداً ويشيد بعمله التافه ويشجعه على أخذ الرشاوى ويشجعه على بيع الترقيات، ويكون كلب مديره المدلل، وإذا غضب المدير يقدم له وجنتاه لينفس المدير عن غضبه، تعلموا يا هؤلاء هكذا يكون المتملق مما يجعل منه شخصاً متملقاً فالزوج يتملق زوجته عندما تكون أغنى منه ونسبها أعلى شأناً من نسبه، ففي حضورها يكون محباً ولطيفاً وظريفاً، وهي تحس وهي معه بأنها اظرف واجمل والطف واعذب امرأة في العالم، ويظل يتملقها الى ان يكسب ثقتها، لا تفكروا انه سيغير معاملته لها، ابداً انما سيزيد تملقه ليكبر تألقه، ويصير بطلاً في عينيها حتى تسلمه زمام الأمور كلها، وكذلك الحال عند الزوجة فهى تتملق زوجها في حالات معينة، عندما تريد شراء شيء باهظ الثمن، فتقوم بالثناء على زوجها لمدة شهر كامل وتعامله بكل لطافة وتستقبله بابتسامة عريضة، وتلبس أحسن الثياب وتنسى شيئاً اسمه العصبية، وتصنع له اشهى المأكولات، وتتملقه لمدة اسبوع قبل زفاف احداهن او لمدة سنة قبل الاجازة السنوية، وهكذا تظل تتملقه الى ان تقضي مصالحها، وعندما تقضي الغرض تكشر عن أنيابها وتعود (ريمة الى عادتها القديمة)، لكن تملقها دائماً يؤدي الى تألقها، ونجد التلميذ يتملق استاذه ليحصل على معدلات عالية، فيكون عينه التي ترى وأذنه التي تسمع مع الطلاب، فيوصل له الأخبار، وآخر التطورات بين صفوف الطلاب، يوصل له آراء طلابه فيه، وآخر الألقاب التي لقبوه بها وزملاؤه الأساتذة، يمسح التلميذ سبورة المعلم، ويحمل حقيبته وغيرها كثير ـ فيصبح الطالب المتملق، وتتملق الناس المودرن الموضة، ولأجلها يتحملون البرودة، ويلبسون آخر الصيحات، حتى لو ظهروا وكأنهم قد نجوا من كارثة طبيعية، فالموضة سيدة الموقف وصاحبة القرار، ومن يخالفها متخلف ومتأخر، فلذلك يهرع الجميع لاتباع أمنا الموضة حتى لو اضطروا الى لبس شورت في عز البرد، فعلاً تملق لتتألق، والتملق أحياناً يفيد، وفي أحيان أخرى كثيرة يجعل الإنسان يتخلى عن كثير من مبادئه للوصول الى مبتغاه، وقد يجدي التملق أحياناً وينقذ البعض من مواقف محرجة جداً، قد يفيد التملق على المدى القصير، لكنه حتماً ولا بد أن يضرنا على المدى البعيد.
 

شاركنا برأيك

هل تتوقع أن يتجاوز الطاقم الاقتصادي الحالي الازمة؟

تواصل معنا

Who's Online

696 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

Search