mlogo

النور أحمد

عهد الانحطاط

> يشبه الوضع الحالي الذي يمر به العالم العربي، تلك الأوضاع التي عاشتها الدولة العثمانية في آخر سنواتها، عندما أطلقت عليها أوروبا لقب (الرجل المريض)، باعتبارها مصدر خلاف بين القوى العظمى المتنافسة على تقاسمها. لا يوجد اليوم على خريطة التفاعلات الدولية كيانٌ اسمه العالم العربي، له نظام إقليمي واضح، ودول ذات سيادة فعلية وأنظمة سياسية وشعوب، بل مجرّد ثروات متناثرة، وجغرافيا سياسية سائبة، وعصابات مسلحة خطرة. وإزاء ذلك كله، تنافس إقليمي ودولي محموم، يعبر عن نفسه عبر صراعاتٍ بالوكالة، واحتكاكات مباشرة بين حين وآخر.> ولم يعد خافياً أن الأزمات التي تراكمت على العالم العربي، منذ تشكّل دوله الوطنية وطريقة الإدارة الخاطئة، وخصوصاً من النخب الحاكمة التي أنتجت هذه الحالة من الانسداد، أو التجمد، بلغة أدق، مما أدى إلى تعطّل شرايين الجسد العربي وانحطاطه إلى أبعد درجة. > والمفارقة أن الركائز التي كان مفترضاً أن تشكّل رأس المال العربي، للانطلاق نحو الأفضل، الثروات الباطنية وطرق التجارة الدولية والقوّة البشرية، هي نفسها التي تحوّلت إلى عوامل جرّ العالم العربي إلى هذا الانحطاط، ليس بسبب سوء إدارتها وحسب، ولكن أيضاً لأنها شكّلت مطمعاً للقوى الخارجية وتنافسها الحاد الذي يجري في قلب الجغرافية العربية، وعلى حساب شعوبها. > إذا نظرنا إلى جميع الدول العربية اليوم سنجدها في وضع الدول المستعمرة (بفتح الميم)، فالمكون الخارجي كبير في توجهاتها وقراراتها وصناعة سياساتها، فأين هي الدولة العربية المستقلة ولو نسبياً؟ ما يزيد حدّة الأزمة التي يعيشها العالم العربي المنكوب أن الفاعلين الخارجيين يسعون ليس إلى تحقيق المكاسب فقط، بل أعلى درجة من المكاسب في سباقٍ مفتوح وأفق مكاسب مشرّع لا حدود له، ذلك أن الضعف العربي وتبعية الأنظمة والنخب العربية، يرفعان سقف شهوة هذه الأطراف، إلى درجةٍ تجد أنه من الطبيعي  السيطرة على الاقتصادات وتدمير الثقافات، فهي أمام فرصة تاريخية، ومن الحكمة استثمارها إلى أقصى الحدود، ومن الطبيعي استخدام كل الأدوات التي تساعد على إنجاز هذه المهمة.> غير أن الانحطاط والضعف العربيين لم يغلقا الباب على العالم العربي، ليستمتع بأزماته منفرداً، أو حتى ليجد لحظة صفاءٍ يبحث فيها عن مخارج لأزماته، لكنّه ورّط العالم في صراعاتٍ، يبدو أنها بدأت، ولا أحد يعرف كيف ستنتهي، فمن مياه الخليج إلى شواطئ المتوسط وخلجان البحر الأحمر تشتبك القوى الإقليمية والدولية في ما بينها للحصول على المغانم التي هيأها المشهد العربي المنفلت، وثمّة من قرّر تسريع الاشتباك، لأن الفرص لا تنتظر كثيراً، والتطورات جارية لا بد من اللحاق بها. > وإذ يحسب للعالم العربي قدرته الرهيبة في صناعة خطوط مواجهة بين مختلف اللاعبين، ومن ثم إشعال هذه الخطوط، فإن التساؤل عن الأثر الذي ستتركه تلك المواجهات على جسدٍ منهكٍ وممزقٍ يبدو بديهياً، وليست أية مواجهات، ذلك أن بعضهم يتوقع أن الحرب العالمية الثالثة ستجري على جغرافيا العالم العربي، انطلاقاً من حقيقة أن هذه الجغرافيا تعيش في الأصل في حالة فوضى، وأن أية فوضى جديدة لن تشكّل سوى فروق نسبية غير ملموسة.

Who's Online

270 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

Search