mlogo

النور أحمد

تجربة قابلة للتطبيق

كشف تقرير مغربي صدر حديثاً أن قيمة التعويضات التي منحتها الدولة لضحايا الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان وذويهم بلغت نحو (200) مليون دولار.
وذكر تقرير بعنوان: (منجز حقوق الإنسان بالمغرب بعد دستور 2011)، أن عدد المستفيدين من التعويض المالي من ضحايا الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان وذويهم (27) ألفا و(754) مستفيداً.
وعلى مستوى الإدماج الاجتماعي (إلحاق الضحايا بالوظيفة العمومية وتسهيل إدماجهم بالمجتمع)، سجل التقرير (1417) حالة استفادت من توصيات الإدماج.
ما جرى في المغرب خلال مراحل سابقة، يعيشه آلاف من أبناء الوطن الذين فقدوا وظائفهم ومصدر رزقهم نتيجة سياسة الصالح العام وخصخصة بعض مؤسسات الدولة وانهيار أخرى، ممن قذفت بهم (الإنقاذ) الى قارعة الطريق، ومنهم كفاءات وخبرات غادرت البلاد وساهمت في نهضة دول المهجر التي استقبلتها وأحسنت إليها.
قادة الحكم اعترفوا منذ سنوات بالأخطاء التي رافقت فترة السلطة الأولى من فصل جماعي أيام (التمكين) وتعهدوا بمعالجات لتجاوز ما خلفها، فالمطلوب أن تقوم الدولة بعد الثورة ــ التي رفعت شعار الحرية والعدالة ــ برعاية أبنائها من المفصولين والمتقاعدين الذين أفنوا عمرهم في خدمة الوطن، بما يضمن لهم حياة كريمة.
ترمي العدالة الانتقالية أولاً إلى القطيعة مع الإفلات من العقاب وترسيخ ثقافة المسؤولية الجنائية لدى الدولة ومؤسساتها، وكذلك لدى الأفراد.
والواقع أنَّ ترسيخ ثقافة عدم الإفلات من العقاب يُسهم تلقائياً في تعزيز الديمقراطية ودولة القانون القائمة في الأصل على ربط المسؤولية بالمساءلة والمحاسبة. لكن العدالة الانتقالية مع صرامتها لا تسعى إلى العقاب في جوهرها، وإنما إلى تحديد المسؤوليات وجبر الضرر وإعادة الثقة للضحايا في الدولة والمجتمع وفي قدرتهما على حمايتهم، وهي قيم حيوية للتماسك الاجتماعي والاستقرار.
يُرجع بعض الباحثين أصل مفهوم العدالة الانتقالية إلى محاكم نورنبيرغ (1945)، حيث عمدت الدول المنتصرة في الحرب العالمية الثانية إلى توسيع نطاق آليات القانون الجنائي في حينها، لتُمكن من محاكمة قيادات عسكرية وسياسية بعينها في النظامين النازي والياباني، مع التركيز على الجرائم التي ارتكبتها، وليس من منطلق انتمائهم الأيديولوجي فقط.
وهذه العدالة مطلوبة، فيمكن إدانة نظام (الإنقاذ) سياسياً لكن لا يمكن وصم كل قادة الحكم خلال ثلاثين عاماً بالفساد وارتكاب انتهاكات، ولضمان الاستقرار والتعايش السلمي والتمسك الاجتماعي، فالأفضل اللجوء الى العدالة الانتقالية، لمعالجة ظلامات عقود وجبر ضرر من تعرضوا للظلم.
تجاوز الصفحة السوداء،لا يمكن إلا عبر عدالة انتقالية تستند الى مقاربة سياسية؛ وقد مالت غالبية تجارب العدالة الانتقالية الى تشكيل لجان الحقيقة والمصالحة لتصفية الإرث الثقيل وبناء السلام تسهيلاً للعفو المصالحة، وهي خطوة ينبغي أن تنص عليها وثائق الاتفاق بين المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير وتسوية السلام مع الحركات المسلحة، حتى تكون المرحلة الانتقالية عبوراً آمناً بالبلاد نحو مصالحة وطنية وتعاف اجتماعي.

Who's Online

639 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

Search