mlogo

ملفات

المفقودون.. اللغز المحير


الخرطوم: صديق رمضان
كان يهيم على وجهه طوال ساعات النهار،  يتخذ ظلال الأشجار متكأً يقيه حرارة الشمس ويلتقط تحتها أنفاسه،  لا يعرف من هو وكيف جاء الى هذا المكان،  فمنزل اسرته تفصله عشرات الكيلومترات عن حي الشعبية ببحري الذي وجد نفسه فجأة أحد سكانه او فلنقل احد المتجولين فيه،  ساورت اهل الحي الشكوك حول الفتى العشريني،  لم يلفظوه او يعتبرونه معتوهاً متشرداً، استسلم لهم وهم يصطحبونه بقلوب حانية الى احد المنازل، وبعد ان اكرموا وفادته بملابس جديدة وطعام اتصلوا بلجنة المفقودين التي ذهب معها وقضى اياما الى ان استقرت حالته النفسية، فكانت نهاية رحلته ان اطل على اهله بمنزلهم الذين اعتقدوا انه استشهد في حادثة فض الاعتصام الدموية، فكان اللقاء مؤثراً وفتح باب التساؤل عن عشرات الشباب الذين مازالوا في عداد المفقودين منذ الثالث من يونيو.
الهائمون على وجوههم
شاب آخر ومع تصاعد وتيرة حملة البحث عن المفقودين، عثر عليه شباب بالمحطة الوسطى ببحري، كان يرتدي ملابس ليست بالية، ويبدو من مظهره العام انه في وضعه النفسي الطبيعي، غير انه كان يردد كلمات كتلك التي يتغنى بها ثوار ثورة ديسمبر المجيدة بصورة غريبة، فكان هذا مدخلاً للشباب الذين ساورتهم الشكوك في ان يكون من يقف أمامهم احد ضحايا فض الاعتصام، فاقتربوا منه وبدأ لهم ودوداً، وحينما طرحوا عليه عدداً من الاسئلة حتى يتمكنوا من معرفة هويته بدا لهم فاقداً الذاكرة والتركيز، فاحسنوا معاملته وفعلوا ذات الشيء الذي اقدم عليه سكان الشعبية حينما اتصلوا بلجنة المفقودين التابعة لتجمع المهنيين التي جاءت واصطحبته.
مفقود الدعم السريع
قصص المفقودين الذين تم العثور عليهم وهم مازالوا تحت تأثير حادثة فض الاعتصام المروعة، منهم ذلك الشاب الذي عثر عليه سكان بحي المزاد، وحينما حاولوا التعرف عليه كان هادئاً وودوداً، ولكن عند ذكروا على مسامعه اسم ميدان الاعتصام غشيته نوبة من الهياج، فكان ان اصطحبونه الى لجنة المفقودين، ويخضع حالياً لتأهيل نفسي وبدأ في استعادة وعيه.. اما اغرب القصص التي أثارت حيرة أعضاء لجنة المفقودين ان سكان أحد أحياء مدينة بحري عثروا على شاب هائم على وجهه وشكوا في انه احد ضحايا فض الاعتصام، وحينما اقتربوا منه لم يفزع او يهرب بل استسلم لهم كأنه كان يبحث عن حضن يحتويه ويعيده الى الحياة او يعيد الحياة اليه، تحدثوا معه لوقت ليس بالقصير حتى تمكنوا من انتزاع معلومات منه، ولكن الأمر الذي لفت نظرهم دخوله في موجة من الهياج وهو يردد كلمات ذات صلة بالاعتداء على ميدان الاعتصام، ووضح انه من منسوبي الدعم السريع، فاختار سكان الحي تسليمه لذات القوات.
لغز غريب
ولأن قضية المفقودين ظلت تحوز على اهتمام الرأي العام منذ ان تم فض الاعتصام بصورة دموية وشرسة في الثالث من يونيو، ولأن ابعادها انسانية بامتياز.. بادر عدد من الجهات بالتصدي لها ومنها لجنة الاطباء المركزية التي تحركت مع عدد مقدر من المنظمات والكيانات لفك طلاسم هذا اللغز الغريب، وفي هذا الصدد يشير المسؤول عن الملف بلجنة اطباء السودان، الدكتور سعد النور، الى ان التحرك لازالة غموض هذا الملف بدأ عقب ساعة من فض الاعتصام، وتحديداً عند السابعة صباحاً، حيث بدأت الاتصالات الهاتفية تترى على لجنة الاطباء وغيرها من جهات من قبل الاسر لمعرفة مصير ابنائهم الذين قضوا ليلتهم تلك في ميدان الاعتصام، مبيناً لـ (الإنتباهة) ان لجنة اطباء السودان اهتمت سريعاً بهذه القضية بالتعاون مع المجتمع المدني الذي افرد لها مساحة كبيرة، وكان من ابرز المنظمات التي عملت في هذا الملف (حاضرين، مرسم ومركز الأحفاد) وغيرها، وعملت على حصر المعلومات والاسماء لتتجاوز على اثر ذلك قوائم المفقودين المائة، ويلفت الدكتور سعد الى ان العمل تواصل دون توقف طوال الفترة الماضية واسفر عن الوصول الى اربعين مفقوداً كانوا في المستشفيات يتلقون العلاج، بالاضافة الى اربع جثث في المشارح، وتم العثور على آخر واحدة منها ثاني ايام عيد الاضحى، وقال ان بعض الاسماء تم التبليغ عنها بواسطة اصدقاء المفقودين، وآخرين دونت اسرهم بلاغات جنائية بعد توكيل إحدى عشرة منها اللجنة للشروع في الاجراءات وتكملتها، موضحاً ان الحملة بعد ذلك تم توحيدها، حيث ضمت لجنة المفقودين كافة اطياف المجتمع المدني وتجمع المهنيين بكل تقسيماته، وذلك للبحث المكثف عن المزيد من المفقودين، بالإضافة الى توفير العلاج النفسي للذين يعانون من صدمة الحادثة، علاوة على حل مشكلات العلاج خاصة للذين فقدوا التأمين، وقال ان اللجنة تعمل على ترتيب كل البيانات التي بحوزتها حتى تصبح قائمة المفقودين موحدة، ويلفت الى ان اللجنة تمكنت من الوصول الى بعض المفقودين في اقسام الشرطة في الايام الاولى التي اعقبت فض الاعتصام وقد تم اطلاق سراحهم، وقال انهم يتوقعون ان يكون بعض المفقودين رهن الاعتقال وانهم يهدفون الى زيارة السجون والمعتقلات وأقسام الشرطة للبحث عن المزيد منهم.
اضطرابات نفسية
ومن ناحيته يثمن احد المسؤولين بلجنة المفقودين الدكتور مصعب عجب الدور الجهد الشعبي الذي كان له القدح المعلى في انجاح حملة المفقودين، مبيناً لـ (الإنتباهة) ان (قروب مبادرة مفقود) بتطبيق الواتساب اسهم ايضاً بفعالية في التعرف على المفقودين عبر نشره صورهم وبياناتهم واوصافهم، موضحاً ان اللجنة التي تم تشكيلها لهذا الغرض سخرت كافة الامكانات لاداء مهمتها في تلقي البلاغات والوصول الى المفقودين وتوفير الرعاية لهم، كاشفاً عن ان معظم المفقودين الذين تم العثور عليهم كانوا في حالة نفسية سيئة، وأضاف قائلاً: معظمهم يعانون من فقدان جزئي للذاكرة نتيجة للصدمة التي تعرضوا لها عند فض الاعتصام، وهذا الامر جعلهم يهيمون على وجوههم دون هادٍ، لذلك فإن اللجنة وعقب الوصول الى كل مفقود تعمل على توفير ملابس له، ومن ثم اخضاعه لتأهيل نفسي حتى يستعيد وعيه.
البحث جارٍ
ومن ناحيتها تشير عضو لجنة المفقودين المحامية نون كشكوش الى انه تم العثور على اربعين من المفقودين الذين اختفوا عن الانظار منذ الثالث من يونيو، وهو اليوم الذي شهد فض الاعتصام بطريقة دموية ومرعبة، وذلك بعدد من المستشفيات، كاشفة في حديث لـ (الإنتباهة) ان الفترة الماضية شهدت قطع خدمة الانترنت، وان هذا الامر القى بظلاله السالبة على جهود البحث عن المفقودين، ولكن ــ والحديث لنون ــ وبعد عودته فإنه تيسر التواصل، وتم التعرف على اربعين من المفقودين الذين كانوا بعدد من مستشفيات العاصمة، بالإضافة الى العثور على اربع جثث بالمشارح ظلت في موقعها طوال الفترة التي اعقبت الاعتصام ولم يتم التعرف عليها الا بعد عودة الانترنت، علاوة على العثور على مفقودين، موضحة ان حملة البحث عن المفقودين اسهمت في العثور عليهم ووصول اسرهم اليهم، وتكشف نون ان المفقودين بحسب البلاغات التي تم تدوينها من اهلهم من الدرجة الاولى الذين ابلغوا لجنة الاطباء المركزية والنيابات يبلغون سبعة عشر مفقوداً، وان الذين انابت عنهم اللجنة في مباشرة اجراءات قانونية بلغ عددهم احد عشر من ضمن السبعة عشرة مفقوداً، وأضافت قائلة: (نحن لا يمكننا تحريك اجراءات قانونية الا بعد الحصول على موافقة الاسرة وتمنحنا توكيلاً)، وتشير الى ان الحملة اسفرت حتى الآن عن العثور على (44) مفقوداً، اربعة منهم استشهدوا فيما مازال ستة وخمسون من متأثري فض الاعتصام في عداد المفقودين ولم يتم العثور عليهم حتى الآن، وعزت ارتفاع أرقام المفقودين عن القائمة التي بحوزتهم لجهة ان ميدان الاعتصام كان يضم مجهولين وفاقدي سند ومواطنين من مناطق بعيدة في السودان وغيرهم، وهؤلاء لم تبلغ جهة عن فقدهم، وقالت ان (مبادرة حاضرين) بالتعاون مع لجنة اطباء السودان ولجنة الاطباء المركزية ونقابة الاطباء الشرعية كانت مسؤولة عن علاج جرحى الاعتصام، وابدت نون اسفها من عدم معرفتهم المعتقلات التي يرجح البعض وجود مفقودين فيها، واردفت قائلة: (للأسف قبل الثورة كنا نعرف مواقع المعتقلات في موقف شندي وكوبر وغيرها من اماكن، ولكن بعد الحادي عشر من ابريل لا يستطيع احد ان يعرف اين توجد المعتقلات، لذا فإن هذا الأمر كان له دور سالب في وصولنا الى العدد المتبقي من المفقودين، وهذا الأمر جعل الشكوك تساورنا حول وجود معتقلات في اماكن لم يتم الافصاح عنها من قبل المجلس العسكري)، ورأت ان الوصول الى المعتقلات يحتاج الى جهد من الجميع، متوقعة العثور عليها اذا وجدوا التعاون من المواطنين او المجلس العسكري، واردفت قائلة: (العدد المتبقي من المعتقلين البالغ ستة وخمسين لا نستطيع حتى الآن معرفة هل هم بالمعتقلات ام تم رميهم في النيل حسب روايات الشهود، ومازال مصيرهم ضبابياً).
الدعم السريع في قفص الاتهام
ولأن قوات الدعم السريع كانت المتهم الاول بفض الاعتصام، فإن الاصابع اشارت في يونيو الى انها وضعت الثوار المفقودين وراء قضبان معتقلاتها، وتتملك الكثيرين هذه القناعة، غير أن الناطق الرسمي للدعم السريع العميد جمال جمعة يفند هذا الاعتقاد ويجزم بأنه ليست له علاقة بالواقع، مشدداً في حديثه لـ (الإنتباهة) على ان الدعم السريع ليست لديه معتقلات سرية، مبدياً تعجبه من هذه الاتهامات الي يعتبرها عارية من الصحة، وينوه بأن الدعم السريع مثل القوات النظامية الاخرى يمتلك حراسات عادية خاصة بالعسكريين الذين يرتكبون مخالفات، لافتاً الى ان قواتهم حينما توقف مخالفين مدنيين للقانون فإنها تسارع بواسطة الاستخبارات العسكرية الى تسليمهم الى الشرطة والنيابة، واضاف قائلاً: (علاوة على ذلك فإن الدعم السريع وخلال مشاركته في حفظ الامن عند اندلاع المظاهرات لم يكن افراده يعتقلون المواطنين، بل تؤدي هذه المهة قوات الشرطة لأنها المسؤولة قانوناً عن فعل ذلك، ولم يسبق لنا ان اعتقلنا مدنياً لأن هذا ليس من ضمن مهامنا المحددة بالقانون، وظللنا نحرص على الالتزام بذلك، لذا نؤكد اننا لم نعتقل الثوار وليست لدينا معتقلات ولا سجون سرية، ونسأل الله العلي القدير ان يرحم شهداء الثورة وان يعيد المفقودين الى أسرهم). 
جهد مطلوب
مثلما ظل ثوار ديسمبر اوفياء للشهداء، فإنه لم تسقط عن اجندة اهتماماتهم قضية المفقودين الذين مازالت قلوب امهاتهم مكلومة ومصدومة، واهلهم في حيرة من امرهم لانهم لا يعرفون مصير ابنائهم هل هم احياء ام مع الاموات، والجهود التي تبذلها اللجنة تستحق الإشادة وكذلك المنظمات الطوعية، ولكن مع تباشير الدولة المدنية فإن هذه القضية يجب أن تحوز على اهتمام أكثر من الرأي العام.

Who's Online

821 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

Search