mlogo

السياسة

سياسة

مفوضيات الانتقالية.. استقلالية على المحك

تقرير: ندى محمد احمد
اقرت الوثيقة الدستورية الموقع عليها بالاحرف الاولى بين قوى الحرية والتغيير والمجلس العسكري مطلع الاسبوع الجاري (11) مفوضية، وسبق لمخرجات الحوار الوطني في العهد السابق ان رصدت (13) مفوضية، فاستدعى هذا الكم من المفوضيات ــ مع الفارق بين الظرف السياسي لكل ــ تسليط الضوء على ماهية المفوضيات وضروراتها واستقلاليتها، وعن مدى جدواها في النظامين الرئاسي والبرلماني.
المفوضيات التي اقرتها الوثيقة الدستورية وفقاً لابتسام السنهوري عضو اللجنة القانونية لقوى الحرية والتغيير في مؤتمر صحفي وصفتها بأنها قومية ومستقلة وعددها (11)، وستشكل وفقاً لقوانينها، وجميعها تتبع لمجلس الوزراء في تكوينها، اما استقلاليتها فهي محفوظة بالقانون ماعدا مفوضيتي الحدود والسلام فستقدم تقاريرهما لمجلسي السيادة والوزراء معاً، نظراً للجوانب الامنية المتعلقة بهما، ولما كانت مفوضية صناعة الدستور ذات بعد سيادي هي الاخرى ولضمان استقلاليتها ولضمان اختيار عضويتها من مستقلين، فهي ذات علاقة بمجلسي السيادة والوزراء، وكذلك الحال بالنسبة لمفوضية الانتخابات، على ان تؤول بقية المفوضيات لمجلس الوزراء، ومنها مفوضية الاراضي والعدالة الانتقالية ومكافحة الفساد واسترداد الاموال العامة ومفوضية المرأة والمساواة النوعية، كما تم اصطحاب وثيقة الحقوق في دستور 2005م، واجريت عليها بعض التعديلات مثل فصل حقوق المرأة عن حقوق الطفل.
وكانت مخرجات الحوار الوطني في اكتوبر 2016م في عهد الإنقاذ السابق قد اقرت ثلاث عشرة مفوضية، منها مفوضية
مكافحة الفساد، الإصلاح الدستوري، الإصلاح القضائي، الإعلام، الهوية، الخدمة المدنية، الأراضي ومفوضية الاختيار للخدمة العامة، بالاضافة لمفوضية الانتخابات ومجلس شؤون الاحزاب ومفوضية المجلس الاعلى للسلام وحقوق الانسان واللجنة العليا للدستور، ولكن لم يشكل غير عدد قليل من هذه المفوضيات، وكان ذلك مثار انتقاد الأحزاب المشاركة في الحوار للمؤتمر الوطني بصفته الحزب الحاكم، والمفوضيات التي اسست وشرعت في العمل مباشرة مفوضية حقوق الانسان، وتخصيص الإيرادات وقسمة الثروة، اما مفوضية الانتخابات فقد تم تشكيلها واجيزت في المجلس الوطني، وهناك مفوضية شؤون الاحزاب التي تمت تسمية عضويتها، وقبل ان تتم إجازتها من البرلمان سقط النظام.
ولمعرفة ماهية المفوضيات ومتى تنشأ، وهل تؤسس في نظام الحكم الرئاسي ام البرلماني، وللمقارنة بين عدد المفوضيات الـ (13) في مخرجات الحوار الوطني في نظام الإنقاذ السابق مع مفوضيات الفترة الانتقالية الـ (11) التي اقرتها الوثيقة الدستورية المتفق عليها بين قوى التغيير والعسكري، هاتفت (الإنتباهة) الخبير في مجال الحكم اللامركزي والإدارة علي جرقندي الذي فصل تلك القضايا، بتعريف المفوضية المشتقة من كلمة مفوض، والمفوض هو الذي يمنح سلطة خاصة به لموضوع محدد، وعادة ما يأتي التفويض من سلطة اعلى، ودائماً ما تكون المفوضيات اجساماً مستقلة، للإشراف على خدمة ومهام محددة مرتبطة بقضايا تهم المجتمع. وللمفوضيات اربعة مستويات: مفوضيات عالمية تنشئها وترعاها الامم المتحدة مثل مفوضية حقوق الإنسان، ومفوضيات تنشئها اجسام اممية غير تابعة للامم المتحدة كمفوضية الشفافية الدولية، ومفوضيات إقليمية تؤسسها كيانات إقليمية كمنظمة الإيقاد، ورابعاً مفوضيات وطنية لمعالجة قضايا محددة, وتتسم تلك المفوضيات وفقاً لجرقندي بالاستقلال المالي والإداري، اي انها مستقلة عن السلطة التي قامت بتعيينها. ولفت إلى ان المفوضيات في البلاد تؤسس بعدة طرق، فمنها ما يتم تكوينه بموجب الدستور كمفوضية تخصيص ومراقبة الإيرادات، واخرى تنشأ بناءً على قانون، كمفوضيتي مكافحة الفساد وحقوق الإنسان، وفي بعض الاحيان تؤسس المفوضيات من خلال قرارات.
جرقندي اوضح ان ضرورة المفوضيات تبرز لدى الحاجة لإرادة مستقلة، بمعنى ان الافراد القائمين على المفوضية المعنية مستقلون ذاتياً وغير منتمين حزبياً، فالمفوضية في جوهرها مستقلة في قراراتها وعملها، والمطلوب منها معالجة القضايا الموكولة إليها بذات القدر من الاستقلالية، دون ان تكون خاضعة لتوجهات الحكومة، وخير مثال على ذلك مفوضية الانتخابات، وهي المسؤولة عن إدارة الانتخابات التي تشارك فيها احزاب متعددة، فإذا كانت تابعة للحكومة فإن الحزب الحاكم هو الذي سيفوز بالانتخابات دوماً، وايضاً مفوضية حقوق الإنسان التي تنشأ بمرسوم جمهوري، لا بد من استقلاليتها لمراقبة حقوق الإنسان تجاه الحكومة وسياستها.
ويشير جرقندي إلى ان المفوضيات تؤسس في كلا النظامين الرئاسي والبرلماني، ولكنها تكون اكثر فعالية في النظام الاخير، لأن البرلماني اكثر ديمقراطية من الرئاسي، فالرئاسي لديه سلطات متعددة وقوية بالدستور، اما البرلماني فالسلطة فيه للبرلمان الذي يمثل الشعب عبر الاحزاب المتعددة المنضوية تحت لوائه، بينما رئيس الجمهورية رئيس لحزب واحد. اما كثرة عدد المفوضيات او قلتها فهو يستند الى القضايا التي تعالجها، وهناك مفوضيات حتمية كمفوضية الانتخابات وتخصيص وقسمة الموارد، وفي ما يتعلق بعدد المفوضيات الاحدى عشر التي اقرتها الوثيقة الدستورية، فقد وصفها بالمناسبة لفترة الحكم الانتقالية، وذلك لمعالجة القضايا التي من اجلها قامت الثورة، ولتنقل البلاد لمرحلة الانتخابات القادمة، وهي تعالج قضايا جوهرية كالعدالة الانتقالية والاراضي، وفي ما يلي مفوضية الدستور فاجلها ينتهي بوضع الدستور، واذا استدعى الحال تعديله يتم ذلك عبر البرلمان. وفيما إذا كانت مفوضيات الحوار الوطني الثلاث عشرة كثيرة كما انتقدتها المعارضة آنذاك نفى جرقندي ذلك فهي مختصة بمعالجة قضايا التوافق السياسي التي على إثرها جاءت دعوة الحوار الوطني، لاسيما وهي مفوضيات مرحلية.
يحيى الحسين عضو اللجنة القانونية لقوى الحرية والتغيير نفى وصف عدد المفوضيات بالكثير، وذهب إلى انها تقوم بالكثير من الاعمال عن الحكومة، خاصة ان البلاد تحتاج للكثير من عمليات الإصلاح في كافة المجالات، واضاف الحسين في حديثه لـ (الإنتباهة) انه لا توجد مفوضية اقرت عبثاً، والمفوض الذي يتم تعيينه لرئاسة المفوضية يرافقه جهاز إداري محدود جداً، وينضم إليهم متطوعون، فمن يهتم بقضايا السلام ينضم لمفوضية السلام وهكذا. ونفى ان تكون المفوضيات قد اقرت لاغراض التوظيف السياسي، وقال ان معظم العاملين فيها متطوعون، فهي ليست للتوظيف، واضاف قائلاً ساخراً: (اذا كانت المفوضيات ستعمد لتوظيف كم العاطلين عن العمل طوال العقود الثلاثة الماضية فلم لا تفعل؟).
وأوضح الحسين أن تشكيل المفوضيات سيتم بمجرد تشكيل الحكومة، وزاد قائلاً: (إن التعيين في المفوضيات سيكون من غير المستقلين، بل نحن حريصون على تعيين الشخص الملتزم سياسياً قبل المستقل، وفي الوقت نفسه الاقدر على تنفيذ برنامج المفوضية، فليس من الضرورة أن تتوفر صفة الاستقلالية السياسية في قادة وعضوية المفوضيات، فالحكومة مستقلة وهذا كاف).

تواصل معنا

Who's Online

324 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

Search