mlogo

السياسة

سياسة

مذبحة (8) رمضان.. من أطلق الرصاص

(يا فرحة ما تمت)، هكذا يمكن تلخيص المشهد أمس الأول والشمس تلوح بالوداع فاسحة المجال لحلول الليل، فقبل موعد اللإفطار الرمضاني بساعتين خرج ممثلا طرفي التفاوض في المجلس العسكري وقوى اعلان الحرية والتغيير الى الاعلاميين بباحة القصر الجمهوري ليزفا نبأً ساراً انتظره الشعب السوداني طوال شهر، واعلنا الاتفاق على هياكل الحكم والاقتراب من طي ملف التفاوض، ليتنفس قطاع واسع من المواطنين الصعداء بعد ان لاحت في الافق بوادر حل الازمة، غير ان هذه الفرحة لم تدم طويلاً إثر تعرض المعتصمين بميدان القيادة العامة لهجوم مباغت اسفر عن وفاة خمسة من الثوار وضابط بالقوات المسلحة واكثر من مائة جريح، وتضاربت الانباء حول ما حدث وظل الغموض سيد الموقف، وبرز سؤال عريض عن هوية الجهة التي اطلقت الرصاص.
غموض وحيرة
ورغم حالة التوتر التي سادت نهار أمس الاول عدداً من انحاء العاصمة ووسط الخرطوم وتحديداً الطرق الرئيسة المؤدية الى ميدان الاعتصام، الا ان اكثر المتشائمين لم يكن يتوقع ان تنزلق الاحداث الى ان تصل مرحلة اطلاق رصاص حي يفضي الى سقوط شهداء وجرحي من الثوار والقوات المسلحة، ومضت ليلة امس الاول ثقيلة على المجلس العسكري وبطيئة وحزينة بساحة الاعتصام، وبعد ان انجلت الاحداث عقب الساعة الثامنة مساءً بحث الجميع عن المعتدين، وفي رواية اخرى الغزاة الذين استباحوا الشهر الحرام وتسببوا في ازهاق الارواح، لتضارب الانباء وتذهب التفسيرات والتأويلات في اتجاهات مختلفة، ليتم توجيه اصابع الاتهام ناحية عدد من الجهات، فالمعتصمون في الميدان ولفرط دهشتهم وتملك عامل المفاجأة منهم اتهموا القوات المسلحة باطلاق الرصاص عليهم، وجزء منهم اشاروا بايديهم الى قوات الدعم السريع، فيما رأت فئة ثالثة أن كتائب الظل التي اشار اليها من قبل نائب رئيس الجمهورية في العهد البائد علي عثمان محمد طه هي التي تقف وراء الهجوم الغادر، كما غاب ذكر الحركات المسلحة عن الاتهام.
العدو المجهول
ولأنها الممثل الشرعي للمعتصمين في الميدان فإن قوى الحرية والتغيير اعلنت ادانتها الكاملة لاطلاق الرصاص الحي على المعتصمين، ولم تكتف بذلك، بل حملت المجلس العسكري المسؤولية الكاملة عن إطلاق النار على المعتصمين أمام مقر القيادة العامة للجيش السوداني بالخرطوم، وطالبته بتوفير الحماية للمعتصمين، وذهب تجمع قوى الحرية والتغيير بعيداً وهو يؤكد على ان ما شهده الاعتصام من عنف واعتداءات سافرة تستوجب الرد الصارم، ودعا صغار الضباط وضباط الصف بالجيش للتصدي لكل محاولات جر البلاد للعنف والتصعيد السلبي، وأكدت رفضها القوي والحازم لأي عنف ضد المدنيين أياً كان مصدره، مشيرة الى أن الثورة التى استمرت سلميتها خمسة أشهر لا تستطيع محاولات بقايا النظام وقوى الثورة المضادة المساس بها، ودعت المجلس العسكري القيام بواجباته في حماية المتظاهرين السلميين، وأشارت إلى أن ما حدث من تقدم في مفاوضات نقل السلطة يوم الإثنين هو انتصار للثورة وسلميتها، كما دعت السودانيين إلى الخروج بكثافة في أنحاء العاصمة والأقاليم في مسيرات هادرة متمسكة بالسلمية والتوجه إلى ساحات الاعتصامات لمساندة المعتصمين.
الجيش يرد
بالبيان الذي اصدرته قوى الحرية والتغيير عقب الاحداث بأقل من ساعة فإن المجلس العسكري لم يجد امامه غير تسريع ايقاعه لابعاد كرة الاتهام بقتل الثوار عن ملعبه، حيث اصدر الناطق الرسمي بياناً، وبعد ثلاث ساعات عقد كبار قادة الجيش مؤتمراً صحفياً للتأكيد على تبرئة ساحتهم من الاتهام الموجه ناحيتهم، ولم يكتف المجلس العسكري بإعلان عدم ضلوعه في الحادثة بل وجه اصابع الاتهام ناحية جهات (لم يسمها) بمحاولة إجهاض الاتفاق مع قادة الاحتجاجات لتشكيل (مجلس سيادة) جديد يحل محل المجلس العسكري، واتهم المجلس جهات بدخول منطقة الاعتصام وعدد من المواقع الأخرى، موضحاً أنها قامت بدعوات مبرمجة لتصعيد الأحداث من إطلاق للنيران والانفلاتات الأمنية الأخرى في منطقة الاعتصام وخارجها، والتحرش والاحتكاك مع المواطنين والقوات النظامية التي تقوم بواجب التأمين والحماية للمعتصمين، ولفت بيان المجلس إلى وجوب الانتباه لهذه المجموعات التي تحاول النيل من القوات المسلحة والقوات النظامية الأخرى، وتعمل على منعهم من الوصول لتحقيق أهداف الثورة. وشدد البيان العسكري على العمل مع قوى إعلان الحرية والتغيير لاحتواء الموقف، وعلى سلامة الأوضاع في كافة أنحاء البلاد والسيطرة عليها، واتخاذ الإجراءات والتدابير اللازمة بما يحول دون وصول هؤلاء المتربصين بالثورة والثوار إلى مراميهم.
الدعم والرد السريع
بعد أن أكد المجلس العسكري عدم ضلوع القوات المسلحة في الاحداث التي ادت الى مقتل ستة شهداء من الثوار وضابط في الجيش، فإن الانظار توجهت ناحية قوات الدعم السريع بوصفها التي تتحمل المسؤولية، ورغم ظهور احد قادتها في المؤتمر الصحفي الذي عقد في وقت متأخر من مساء امس الاول، الا ان هذه القوات سارعت ايضاً الى اصدار بيان للرأي العام أكدت من خلاله ان قوات الدعم السريع ظلت منذ انطلاقة الثورة المجيدة حريصة كل الحرص على أمن وسلامة المواطنين، واضاف البيان قائلاً: (ومنذ أن أعلن قائدها نائب رئيس المجلس الانتقالي الفريق أول محمد حمدان دقلو انحيازه للشعب وحقن دمائه في موقف تاريخي شهده العالم كافة، ظلت قواتكم، قوات الدعم السريع على عهدها الذي قطعته، ومازالت تحفظ وتصون أرواح المواطنين الكرام)، وتابع البيان قائلاً: (لا يفوت على فطنتكم أن ما جرى من أحداث مؤسفة في ساحة الاعتصام، تقف خلفه جهات ومجموعات تتربص بالثورة بعد أن أزعجتها النتائج التي توصل إليها المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير، وهي تعمل جاهدة على إجهاض أي تقدم في التفاوض من شأنه يخرج البلاد من الأزمة)، وأضاف البيان قائلاً: (هذه المجموعات تسللت إلى ساحة الاعتصام وعدد من المواقع الأخرى وأطلقت النيران على المعتصمين، فضلاً عن إحداثها تفلتات أمنية بمواقع أخرى في منطقة الاعتصام وخارجها، كما أنها قامت بعمليات تحرش واحتكاك مع المواطنين والقوات النظامية التي تقوم بواجب التأمين والحماية للمعتصمين، الأمر الذى أدى إلى استشهاد الرائد (كرومة) الذي يتبع للقوات المسلحة، وسقوط (2) جرحى من قوات الدعم السريع، وعدد من القوات المسلحة والمعتصمين)، واختتم البيان قائلاً: (عليه تدعو قوات الدعم السريع جميع المواطنين الشرفاء للانتباه لهذه المجموعات التي تسعى للنيل من قوات الدعم السريع والقوات المسلحة والقوات النظامية الأخرى، وتؤكد مرة أخرى أن هذه المجموعات تعمل جاهدة على إفشال تحقيق أهداف الثورة وتسعى للإيقاع بين المعتصمين وقوات الدعم السريع التي تقوم بدورها القومي كاملاً للحفاظ على مكتسبات الثورة المجيدة، وتؤكد على أنها لن تنساق وراء دعوات هذه المجموعات الساعية للإيقاع بين قوات الدعم السريع والمعتصمين، وهي على عهدها دوماً ولن تفض الاعتصام بالقوة).
حديث بعد صمت
وبما أن الشرطة لم تظهر في موقع الاعتصام حينما اندلعت الاحداث، فقد ظلت بعيدة عن الاتهامات، وهذا يعني ان جهة نظامية رابعة هي التي تتحمل مسؤولية ما حدث وهي جهاز الأمن الوطني والمخابرات، غير ان قيادته الجديدة على رأسها الفريق ابو بكر دمبلاب سارعت الى اصدار بيان الى الرأي العام، أكدت من خلاله عدم مسؤوليتها عن مقتل الشهداء الستة، ولفتت الى ان مهمة الجهاز وبعد الثورة انحصرت في جمع المعلومات وترتيبها وتحليلها ورفعها الى الجهات المختصة، ورغم ان بيان جهاز الأمن جاء مقتضباً الا انه شدد على عدم مسؤوليته عن احداث الاول من امس.
الكتائب
تأكيدات الجيش عدم مشاركته في احداث امس الاول والنفي المغلظ للدعم السريع، جعل اصابع الاتهام توجه ناحية كتائب الظل التي تنتمي للنظام البائد، وحديث المجلس العسكري بوجود جهة ــ رفض تسميتها ــ ترفض ان تحقق الثورة مطالبها، وتشديد جهاز الامن على عدم ضلوعه في الواقعة، جعل كتائب الظل الانقاذية في مرمى النيران، حيث اعتبر كثيرون انها ضالعة في مقتل وجرح اكثر من مائة من الثوار وجنود بالقوات المسلحة والدعم السريع، ولأنها تنظيم شبه عسكري يلفه الغموض والسرية لم يخرج الى العلن لتبرئة ساحته مثلما فعل المجلس العسكري والدعم السريع، وظل الصمت مخيماً على قادة ومنسوبي النظام المندحر، وما ضاعف من صدقية ان كتائب الظل هي التي تقف وراء ما حدث بعض التغريدات التي نشرها منسوبون للاسلاميين في وسائط التواصل الاجتماعي اكدوا خلالها فضهم للاعتصام، وتم تداول هذه المنشورات بكثافة امس، وهذا الوضع جعل عدداً من الاسلاميين وبعد ان ارتفعت وتيرة الغضب الشعبي عليهم، يعملون على تبرئة ساحة تنظيمهم وهم يتداولون بكثافة صوراً لقوات ترتدي زياً عسكرياً وتطلق النار على المعتصمين، ويؤكدون انها المسؤولة عن الاحداث، وحاول كثير منهم الاستماتة في الدفاع عن تنظيمهم بالصاق اتهام مقتل واصابة المعتصمين بقوات الدعم السريع، غير أن مدونين آخرين اكدوا ان شارع النيل في يوم الحادثة شهد تحركات مريبة وغريبة لم تكن مألوفة طوال ايام الاعتصام، وتمثلت في ظهور مكثف لسيارات الدفع الرباعي بالاضافة الى اشخاص في زي مدني اشتبهوا في انتمائهم الى جهاز الامن والمليشيات الانقاذية، ولكثافة النيران التي تم توجيهها ناحية النظام البائد ولأول مرة خرجت الحركة الإسلامية عن صمتها عقب سقوط النظام، وأصدرت بياناً تأسفت فيه على سقوط شهداء ونفت تورطها في الأحداث، واكدت وجود جهات تتخذها شماعة، وان هذا امر مرفوض وقطعت بحرصها على الاستقرار الامني بالبلاد.
تواطؤ أم تقصير؟
رواية المجلس العسكري وقوات الدعم السريع التي تؤكد ان جهة ما تقف وراء ما حدث، قابلها مدونون ونشطاء بالاستنكار، واعتبروا انها تمثل ادانة للجهتين، من واقع ان المليشيات المجهولة تمكنت من الدخول الى وسط الخرطوم ثم اتجهت ناحية الشرق حيث موقع الاعتصام، وهاجمت الثوار، وان هذا يعني ــ بحسب المدونين ــ ان القوات النظامية اما انها مارست التواطؤ وغضت الطرف عن دخول هذه القوات حتى تكمل مهمتها في قتل المعتصمين، او انها لم تؤد دورها كما ينبغي في حماية ميدان الاعتصام، ويعتقدون أنه وفي كلا الحالتين فإن الجيش والدعم السريع يتحملان مسؤولية ما حدث من واقع عدم اجهاض الهجوم إن صحت رواية ان القوات عبارة عن مليشيات تابعة للنظام المندحر.
شاهد عيان
وفي ظل نفي الجهات الرسمية والتشكيك الذي احاط بالهجوم الغادر على ميدان الاعتصام، فإن شهود عيان أكدوا ان مليشيات تابعة للمؤتمر الوطني هي التي تقف وراء مقتل ستة مواطنين، وفي هذا الصدد يشير الاعلامي عبد الله اسحق الى انه كان حضوراً في ميدان الاعتصام لحظة الهجوم على الثوار، مبيناً في حديث لـ (الإنتباهة) أن خلايا ومليشيات النظام البائد هي التي اطلقت النار على المعتصمين، ونوه بأن الهجوم كان مفاجئاً وغير متوقع، وهذا الأمر اصاب افراد القوات المسلحة والدعم السريع والثوار بالحيرة والارتباك، الى ان تصدت هذه القوات للمليشيات، معتبراً ما تعرض له الثوار كان الهدف منه إجهاض الاتفاق الذي حدث بين المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير، وأن تنحرف الثورة عن مسارها، لافتاً الى ان قوات الدعم السريع والجيش ظلت مع المعتصمين طوال شهر ولم يبدر منها تصرف يحسب عليها، وأن هذا دليل واضح على عدم نيتها فض الاعتصام، معتبراً الحملة الشرسة التي يتعرض لها الدعم السريع من قبل مسنوبي النظام البائد هدفها كسر شوكته وتأليب الرأي العام ضده لإجهاض الثورة، بوصف هذه القوات بجانب الجيش تمثل صمام أمان بوقوفها مع المتظاهرين.

تواصل معنا

Who's Online

1523 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

Search