سياسة

مذبحة 29 رمضان..روايات شهود عيـــــــــــــــان

صديق رمضان

 محمد أحمد عبيد أحمد ..خريج هندسة معمار جامعة المستقبل، يعمل في شركة مقاولات أسسها مع صديقه إبراهيم، رغم أنه في نهاية العقد الثاني من عمره إلا أنه أب لعدد من الأطفال ، يصنف والده من ضمن الخبراء العالميين في أبحاث زراعة السكر، مثل غيره من الشباب السوداني بدا مؤمناً بحتمية تغيير نظام الإنقاذ مهما كان حجم التضحيات، لذا لم يكترث كثيرا للمخاطر التي تحدق بمن يريد أن يجهر برأيه في وجه سلطان جائر، تملكته قناعة راسخة أن من يريد ملامسة الثريا عليه أن يتدثر بقوة الإيمان وسلاح العزم وأن يتسربل بالعزيمة التي لا تلين لها قناة، انخرط باكرا في الحراك الثوري ناذراً حياته من أجل وطن يحلم به، في الثالث من أبريل الموافق التاسع والعشرين من شهر رمضان المعظم، كان عليه ان يواجه الأقدار بشجاعة الأبطال ، فحينما انهمر الرصاص من كل الاتجاهات على الثوار المعتصمين بالقيادة العامة في صبيحة يوم الكارثة وفي رواية اخرى يوم المذبحة، كان يأمل في ان تكون النهاية سعيدة بأن يظل الاعتصام قائما، لكن جاءت الرياح عكس ما يشتهي، هو وغيره من شهود عيان جلسنا إليهم وسألناهم عن ما حدث والمسؤول عن استشهاد وإصابات مئات الشباب ، رواياتهم جاءت متطابقة إلا انها في ذات الوقت حملت قدراً عالياً من الغموض.نداء واستجابةحتى الساعة الثالثة والنصف صباحاً من يوم التاسع والعشرين من شهر رمضان فإن الشاب محمد أحمد عبيد كان في منزله الذي ذهب اليه لأخذ قسط من الراحة ثم العودة مجددا حسبما خطط، الى ميدان الاعتصام صباح اليوم الثاني فقد ظل مرابطا مع اصدقائه الثوار في هذا المكان الذي اكتسب شهرة عالمية منذ السادس من أبريل ليس لأنه يقع بالقرب من القيادة العامة للجيش السوداني، بل لأنه شهد واحدة من أعظم ملاحم الشعب السوداني ضد الأنظمة الشمولية، لم يستطع محمد أحمد ان يرخي جفونه ويستسلم للنوم رغم الرهق الذي كان بادياً عليه ، فقد شعر بالقلق عقب تواتر أنباء عن اعتزام المجلس العسكري فض الاعتصام أمام القيادة العامة بالخرطوم ، وجد نفسه يدير محرك سيارته ويتوجه للساحة التي ظل يرابط فيها الثوار لأكثر من ستين يوما، رأى أن واجبه ان يعمل على حماية شمعتهم من رياح العسكر الهوجاء، وعند الرابعة صباحا عاد الى مكانه وسط اصدقائه الثوار زملاء التروس والرهق، تنفس الصعداء بعد ان وجد الأوضاع هادئة ولم يكن يدر أنه الهدوء الذي يسبق العاصفة رغم الانقطاع المفاجئ للتيار الكهربائي ثم عودته مجددا، كان التوتر سيد الموقف ومثل غيره عمل على تقوية التروس، لتمضي اللحظات بطيئة الى ان نادى المنادي لصلاة الصبح لتتهلل أساريره مثل غيره بعد أداء الصلاة في مسجد الجامعة، وبهذه الروح المتفائلة تجول مع رفاقه على عدد من التروس لتفقدها لأن الظنون لاتزال تتقاذفهم .الرصاص المنهمر ماذا حدث بعد ذلك ، طرحت هذا السؤال على محمد احمد بمنزله ببحري بعد أن انتظرته لمدة نصف ساعة، فقد كان يخضع لجلسة علاج طبيعي عقب اختراق رصاصة قدمه من الأمام في منطقة الفخذ وخرجت بالاتجاه الثاني وهشمت عظامه واتلفت انسجته، فاجاب على سؤالي وقال: فجأة ودون سابق إنذار رأينا أعداداً كبيرة من الشباب وهم يهرولون من الناحية الشمالية لموقع الاعتصام وتحديدا من منطقة مستشفى جامعة الخرطوم "الكلنك"، وقبل ان نعرف ماذا يدور وماذا حدث، شاهدنا من الناحية الشرقية وتحديدا بالقرب من مستشفى المعلم حركة غير طبيعية، في خضم هذه الأجواء المفاجئة لم اجد أمامي لاستجلاء الأمر غير ان اتوجه الى النفق الجنوبي للجامعة، وقبل ان أصل اليه لاحظت مع الشباب قوة كبيرة من العسكر وهم يعبرون كوبري النيل الأزرق (الحديد) على أرجلهم ويحملون اسلحة نارية ، وحينما اقتربوا من الجامعة بدأوا في إطلاق الذخيرة الحيرة وقد انقسموا الى قوتين إحداها في مسار السكة الحديد والاخرى كانت تمشي على طريق الأسفلت المؤدي الى شارع الجامعة وميدان الاعتصام ، في هذه الأثناء رأيت اثنين من الثوار وقد أصيبا بطلق ناري وسقطا على الأرض ،هنا لابد من أشير الى ان إطلاق النار كان غير منتظم فأغلبه كان في الهواء وبعضه على الاجساد ، وفي هذه الأثناء حاول الاخ الثائر رامي انقاذ اثنين من المصابين ولكنه لم يتمكن ، بعد ذلك تراجعنا الى الجنوب ولم نجد غير ان نحمل في ايدينا الحجار للدفاع عن أنفسنا حينما شعرنا بخطورة إطلاق النار علينا ،فبدأت القوة في التراجع ولكنها عادة وقد زادت من كثافة الرصاص الموجه في الهواء وأجساد الثوار ،حاولنا التماسك بقدر الإمكان وبالفعل صمدنا لفترة من الزمن ونحن نستميت في حماية الترس الشمالي الذي يقع  أمام دار الخريجين.إصابة وتطوراتوالساعات تمضي بطيئة والثوار في حيرة من أمرهم وقد ألجمتهم المفاجأة غير السارة والزوار غير المرغوب فيهم بدأت الأوضاع تزداد سوءاً، وفي هذه الأثناء يشير الشاب محمد احمد الى أنه كان واقفا يعمل على تقوية الترس مع زملائه إلا ان رصاصة اخترقت قدمه اليمنى من الأمام في منطقة الفخذ وخرجت من الاتجاه الخلفي، ويقول ان اصابته كانت مع شروق الشمس فتم حمله على جناح السرعة الى العيادة الميدانية الموجودة في مبنى الكهرباء الذي يقع شرق النفق الجنوبي، ويلفت الى ان أجواء التوتر كانت حاضرة في العيادة بعد ان تنامى الى مسامعهم ان قوة قادمة الى العيادة في وقت كان صوت الرصاص مرتفعا ولم يتوقف، ويضيف:بعد زمن محدود اقتحمت قوة مسلحة العيادة يرتدي أفرادها زي الدعم السريع واعتدوا على الأطباء ووجهوا اليهم إساءة وعملوا على تفتيش هواتفهم ، ورغم أنني كنت مصاباً إلا انه تم اخضاعي للتفتيش ثم لطمي في وجهي ، وفي ظل هذه الأجواء المحتقنة دلف الى القيادة رائد في القوات المسلحة وبجانبه جندي يحمل في يده (ماسورة) وحاولا إخراج القوة العسكرية عبر التفاوض والرجاءات، ورغم ذلك فان عسكرياً يرتدي زي الدعم السريع أجبر سبعة اطباء على الجلوس ارضاً، وكان يحمل في يده سوطا وسألهم (مدنية ولا عسكرية ؟) وكان الموقف مثيرا للغضب خاصة حينما أشهر أحد العساكر سلاحه خلفهم ولكنه لم يطلق الرصاص، بعد ذلك تم إحضار مصابين وفتيات لحمايتهن وحتى المتسولات ومعهن أطفالهن تم احضارهن من قبل الثوار الى العيادة لتوفر الحماية لهن ، وكذلك تم احضار شاب مصاب بهستيريا وقد تعرض للاعتداء وهو يحاول حماية احدى المعتصمات ، ويشير محمد احمد الى أنهم ظلوا في العيادة لمدة ساعتين وان أفراداً من الجيش عملوا على إجلاء الجرحى من العيادة وكان أولهم شاب مصاب  بعيارين ناريين في ظهره، مبينا انه وبالقرب من القيادة الجوية كانت توجد عيادة وبجانبها عدد من ضباط القوات المسلحة برتب مختلفة منها لواء كانوا يعملون على توفير سيارات لحمل المصابين الى مستشفى المعلم، وأوضح محمد انه تم نقله في عربة تايوتا "بوكس".مشاهدات واستفهاماتقبل أن يكمل الشاب محمد أحمد قصته مع الإصابة يعود الى الوراء قليلا في ذات يوم الاقتحام الدموي، ويلفت الى أن ذاكرته تختزن عدداً من المشاهد منها امتطاء أفراد يرتدون أزياء الشرطة والدعم السريع سيارات تحمل لوحات الدعم السريع وكانوا يصدرون أصواتاً عالية لم يستطع تمييزها هل كانت تعبر عن فرحة لفض الاعتصام أم لإرهاب الثوار، أما المشهد الثاني الذي يشير اليه محمد احمد فقد تمثل في إجبار عسكريين من القوة التي فضت الاعتصام بعض الصبية الذين يطلق عليهم لقب شماشة الصعود الى اللوحة التي توجد بها أزياء ومهمات عسكريين كان يعتبرها الثوار غنائم وظلت معلقة باللافتة طوال أيام الاعتصام وطلبوا منهم إنزالها،ويقول محمد احمد ان أفراد القوات المسلحة كان موقفهم محزناً رغم إظهار بعضهم تعاطفا مع الثوار ولكن لم يتدخلوا لحمايتهم فقط عملوا على (تحنيس) القوات المهاجمة بإيقاف ضرب الثوار، فيما كان بعضهم خلف أسوار القيادة العامة وهم يتفرجون على المشاهد ، وينوه محمد احمد الى أنه وطوال ساعات الهجوم وتعرضه للإصابة فانه لم يفقد وعيه ، ويقول ان أحد المشاهد التي يتذكرها أن زميله رامي وهو من ابناء بحري وحينما حاول الصعود الى السكة حديد لإنقاذ الشابين المصابين بطلق ناري، فإن العساكر سمحوا له ولكن حينما اقترب تمت إصابته "بطوبة" ويقول ان رامي بعد ذلك تعرض للإصابة بطلقين ناريين في قدميه.هجوم وعلاجماهي القوة التي هاجمتكم ؟...الإجابة جاءت سريعة على لسان محمد احمد الذي أشار الى ان القوة التي هاجمتهم كانت ترتدي أزياء الشرطة والدعم السريع، وأردف: من خلال وجودي في العيادة الميدانية فان الذين حضروا كانوا يرتدون زي الدعم السريع ،أما الذين تسربلوا برداء الشرطة فقد رأيتهم حينما وصولوا الى ميدان الاعتصام عبر كوبري النيل الأزرق وكذلك الذين كانوا يستقلون سيارات الدعم السريع ،من أغرب الأشياء التي أشار اليها محمد احمد ان قوة اخرى هاجمت ميدان الاعتصام كان أفرادها يرتدون زيًا أسود كامل، ومحمد احمد الذي تعرض لطلق ناري في قدمه يقول انه خضع للإسعافات الاولية بمستشفى المعلم ثم تم نقله الى مستشفى الساحة حيث أجريت له عمية جراحية استغرقت سبع ساعات بعد أن هشمت الرصاصة عظام فخذه ، والآن يتعافى من إصابته وقد بدأ مرحلة العلاج الطبيعي.رواية ثانيةمعتصم عباس الفادني، ينحدر من اسرة معروفة بالانتماء للاتجاه الإسلامي ، فوالده قيادي بارز بالمؤتمر الوطني وشقيقة محمد مسئول الشباب بالمؤتمر الشعبي، وكان قد تعرض للإصابة في بداية انتفاضة ديسمبر، مثل غيره من الشباب الذين انخرطوا في الحراك الثوري منذ انطلاقته في ديسمبر الماضي وبعد أن ظل معتصم متمترسا بميدان الاعتصام طوال الستين يوما، وفي يوم الفض الدموي كان موجودا ، سألته عن الذي حدث يومها، فقال انهم في ليل التاسع والعشرين من شهر رمضان كانوا يقفون بالقرب من مستشفى جامعة الخرطوم" الكلنك" ، وينوه الى أن أخبار فض الاعتصام التي تناولتها الوسائط الإعلامية بكثافة جعلتهم وهم يقضون ساعات الليل الرمضاني أكثر حذرا ومع مجموعته التي كانت توجد في هذا الموقع ظلوا وللوقوف على الأوضاع يسجلون زيارة الى شارع النيل بين الفينة والاخرى لتقصي الأوضاع ولمعرفتهم المسبقة ان أغلب محاولات فض الاعتصام السابقة كانت تأتي عبر الطرق المطلة على شارع النيل والتي تحادد موقع الاعتصام ، وفي كل مرة يجدون الأوضاع هادئة، واستمر الحال هكذا منذ الحادية عشرة ليلا حتى الساعات الأولى من الصباح ،بعد ذلك ذهبوا لأداء صلاة الصبح في مسجد الجامعة، وبالقرب منه وجدوا عدداً من الشباب يهتفون بأشعار ثورية وحماسية  ، ومجموعات اخرى في طريقها الى المسجد وبعد ذلك توجهوا ناحية الميدان الشرقي ، ويقول معتصم انه فجأة ودون سابق إنذار لاحظوا ان أعداداً كبيرة من الشباب الذين كانوا في تروس شارع الجامعة وتحديدا التي تقع بالقرب من كلية العلوم يهرولون شرقاً، ويضيف: تعجبنا من هذا الأمر غير الطبيعي وعملنا علي استجلاء الحقيقة كاملة ولكن لم نجد تفسيراً يزيل الغموض الذي اكتنف المشهد مع بزوغ ضوء الشمس، بعد ذلك لم يكن غير التوجه ناحية كلية العلوم لتقصي الأمر وتفاجأنا برؤية جنود يرتدون زي الشرطة، والغريب في الأمر ان عددا مقدرا منهم كانوا يرتدون (شباشب وسفنجات) وهم يحملون في أيديهم (سياط عنج) ويتجهون ناحيتنا ، وحاولنا ان نعود أدراجنا الى داخل موقع الاعتصام وتوقفنا بالقرب من بوابة الميدان الشرقي للجامعة، وكان يعتدون بالسياط على الثوار ولكنهم لم يطلقوا رصاصاً ولم يعتقلوا أحداً، وبعد ذلك مضت الأحداث متسارعة وتوجهنا ناحية الشرق وكان الذين يرتدون زي الشرطة يواصلون الضرب بالسياط ولم يجد الشباب غير الاستعانة بالحجارة لحماية أنفسهم غير ان هذه القوات القادمة بشارع الجامعة احتمت وراء الأشجار ، ويقول إنهم بعد مناوشة وصل الى مسامعهم إطلاق رصاص كثيف من اتجاه كوبري النيل الأزرق .في الحلقة القادمة نواصل سرد روايات شهود العيان والإفادات الرسمية.