mlogo

السياسة

سياسة

مذبحة 29 رمضان.. روايات شهود عيـــــــــــــــان

فجأة وجد الشاب معتصم عباس الفادني ومجموعته وسط أجواء عاصفة بميدان الاعتصام، فالرصاص كان ينهمر من كل الاتجاهات وهو يخترق الأجساد التي أعياها النضال والسهر، ورغم هول وفداحة الموقف العصيب إلا أنهم حاولوا الحفاظ على رباطة جأشهم وهم في مواجهة مفتوحة مع الموت الذي كان يحدق بهم، لم يجد معتصم في صبيحة التاسع والعشرين من شهر رمضان الذي شهد مذبحة ميدان الاعتصام، غير أن يتوجه في خضم الأجواء "المكهربة" بالحريق ورائحة الموت إلى الشرق من جامعة الخرطوم، وفي تلك الأثناء زاد صوت الرصاص اقتراباً وارتفاعاً من القوات التي تسللت عبر كوبري النيل الأزرق والتحق بزملائه الذين وفي ظل أجواء الرعب حاولوا تقوية المتاريس والصمود في وجه العاصفة المفاجئة التي نتقصى عنها في حلقتنا الثانية هذه.
تمركز وتمترس
يمضي معتصم عباس الفادني في سرد تفاصيل ذلك اليوم الذي شهد استشهاد وجرح المئات من الشباب في عملية امنية وعسكرية قابلها الرأي العام الداخلي والخارجي باستنكار كبير ويضيف: الاحداث مضت متسارعة لم تترك لنا مجالاً للتفكير فالهجوم في صبيحة ذلك اليوم كان شرساً ومن جبهات متعددة ،وبعد ان وصلت الى المنطقة التي تقع بالقرب من النفق الشمالي ومسجد الجامعة تراجعت مع الشباب جنوباً بعض الشيء لحماية وتقوية التروس وفي هذه الاثناء فان الثوار المكلفين بحماية تروس السكة حديد كانوا يقاومون ببسالة للحيلولة دون تقدم القوات الامنية، وحينما زادت كميات النيران الموجهة ناحية المعتصمين فان البعض تراجع الى امام القيادة العامة واخرين اتجهوا شرقاً عبر الطريق المؤدية الى مستشفى المعلم، وفي ظل هذه الاجواء المرعبة فقد رأيت أحد الشباب يسقط ارضاً بعد ان تعرض لطلق ناري وذلك بممر السكة حديد، وبعد ان زادت كميات الرصاص المصوب ناحيتنا وتحوله من الهواء الى الاجساد عقب التصدي للقوات المهاجمة بالحجارة والهتافات القوية فقد اتجهت مع اخرين الى شارع "الكلينك" ووصلت القوات في هذه الاثناء الى النفق الشمالي واغلب الجنود الذين كانوا يطلقون الرصاص تمركزوا فوق السكة حديد اما الذين يحملون عصياً وسياطاً فقد تقدموا في شارع الجامعة الشرقي متجهين جنوباً، وعند "الكلينك" وجدنا ايضاً قوات قادمة فاخبرنا الثوار الذين كانوا داخل المبنى بضرورة الخروج لان اعداد القوات القادمة من شارع النيل عبر مستشفى الجامعة في زيادة، ومجدداً فان الثوار توزعوا، جزء منهم ذهب الى القيادة مروراً بمطعم ملك الفتة والجزء الاخر اتجه صوب مستشفى المعلم وكنت من ضمنهم .
أمر غريب
بعد ان اجبرت القوات الغازية الثوار على التراجع فان معتصم ورفاقه اختاروا الطريق المؤدية الى مستشفى المعلم للابتعاد عن الرصاص المنهمر على رؤوسهم، واثناء ذلك حدث امر غريب يزيد احداث القيادة غموضاً وربما تناقضاً وهذا يكشفه معتصم قائلاً: اثناء سيرنا باتجاه مستشفى المعلم كان طبيعي ان نمر بمدينة المخلوع الطبية وتفاجأنا بقوات ترتدي زي الدعم السريع وهي ترتكز داخل هذا المبنى غير المكتمل والغريب في الامر انني حاولت ان اعرف هل يحملون أسلحة لنتفادي رصاصها ولكن لم استطع تبيان ذلك ولكن الذي اثار حيرتنا في تلك الاجواء العصيبة فان اكثر من 300 عسكري من هذه القوات تحمل سياط "عنج" وكانوا يقفوا بالقرب من سور الزنك الخاص بالمدينة الطبية ولكنهم لم يعتدوا على احد وعبرنا من هذه المنطقة دون ان نتعرض لاصابات ولكن حينما اقتربنا من مستشفى المعلم اكتشفنا وجود عدد كبير من المصابين الذين تم نقلهم من مواقع مختلفة بميدان الاعتصام، ويشير معتصم الى انهم بعد ذلك حاولوا التحرك الى كوبري كوبر غير انهم تخوفوا من وجود قناصة، ويلفت الى ان افراداً يرتدون ازياء الدعم السريع طلبوا منهم التحرك ولكن اختاروا التوقف وفي هذه الاثناء تحركت القوات المددجة بالسلاح من الغرب الى الشرق بشارع مستشفى المعلم وكانوا يطلقون الرصاص وان اغلبهم كما يؤكد معتصم كانوا يطلقون الرصاص في الهواء وان ثلاثة منهم اختاروا التصويب ناحية الثوار ،ويضيف:حينما بدأ ضرب النار يزداد فان الجنود الذين يرتدون ازياء الدعم السريع طلبوا منا مجدداً التحرك وحينما لم نفعل تم الاعتداء علينا بالسياط، ويقول ان الذين كانوا يطلقون الرصاص ارتدوا ازياء الشرطة.
محاولات ولكن!
بعد ان ارتفعت وتيرة اطلاق الرصاص لم يجد الثوار الذين كانوا يقفون امام مستشفى المعلم غير التوجه ناحية كوبري كوبر ولكن والحديث لمعتصم وجدوا قوات ترتدي ازياء الدعم السريع قد اغلقت كوبري كوبر ولم تسمح لهم بعبوره من الجنوب الى الشمال رغم انها لم تطلق النار ناحيتهم فلم يجدوا غير التوجه ناحية بري وهناك التقوا اعداداً كبيرة من القادمين من حي بري فاستجمعوا قواهم وحاولوا العودة الى ميدان الاعتصام غير ان قوات ترتدي ازياء الشرطة اطلقت النار ناحيتهم فتراجعوا مجدداً ولكن حينما هتف احدهم "بالجيش تدخل الجيش تدخل "عادوا في محاولة منهم للعودة الى ميدان الاعتصام ولكن فجأة ظهرت مجموعة كبيرة من سيارات الدفع الرباعي وهي تحمل على متنها جنوداً يرتدون ازياء الشرطة حالوا بينهم والعودة ولم يكن امامهم غير التقهقر شرقاً الى ان وصلوا الي حي بري الذي عمل مواطنوه على توفير الحماية للثوار بعد ان لاحقتهم القوات وهي تطلق النار بكثافة عالية، ويقول معتصم" اقتحمت هذه القوات المنزل الذي كان يجاور المنزل الذي لجأنا اليه وقد اعتدوا بالضرب على سكانه، واستمروا لساعتين في تمشيط الحي".
من أطلق الرصاص؟
طرحت هذا السؤال على معتصم عباس الفادني الذي قال انهم ظلوا لخمس ساعات داخل احد المنازل في بري وبعد ذلك خرج حتى يتمكن من العودة الى ميدان الاعتصام او التوجه نحو منزل اسرته بامدرمان واردف:بعد ان خرجت لاحظت اختفاء سيارات الدفع الرباعي التي يستقلها جنود يرتدون ازياء الشرطة وكانت الطرق خالية من المارة لانها تحولت الى ثكنة عسكرية للوجود الكثيف للقوات التي كان يرتد افرادها ازياء الدعم السريع الذين كانوا يحولون بين الناس وحركتهم عقب المذبحة بساعات، ويبدي معتصم عباس الفادني شكوكه في ان تكون القوات التي ترتدي زي الشرطة تتبع لهذه القوات رسمياً ويستند على عدد من الشواهد منها ان الازياء التي كان يرتديها الجنود كانت جديدة ويبدو انه قد تم لبسها للمرة الاولى ولم تستعمل من قبل، وهذا الامر بحسب معتصم يبدو غريباً وانه لا يمكن ان يرتدي كل افراد الشرطة ازياء جديدة في توقيت واحد، وقال ان الشاهد الثاني يتمثل في انتعال اغلبهم "شباشب وسفنجات"، منوهاً الى ان رجال الشرطة الحقيقيين دائماً يرتدون ازياء رسمية كاملة بما فيها "البوت"، بالاضافة الى ذلك فان السيارات التي كان يستقلوها لم تكن تتبع للشرطة بل هي عبارة عن عربات تايوتا جديدة وغابت مركبات الشرطة المألوفة، ورجح الا تكون لهم علاقة بالشرطة.
رواية أكثر وضوحاً
أما رواية الدكتور حذيفة عبدالرحمن وهو من الشباب الاطباء الذين انتظموا مبكراً في الثورة تبدو قريبة الشبه مع سرد سابقيه وقال لـ"الانتباهة" ان تفاصيل صبيحة التاسع والعشرين من شهر رمضان لا يمكن ان تسقط عن ذاكرته لانها جاءت مرعبة ومفزعة، ويقول مع بداية الاحداث فانهم حاولوا الصمود بقدر الامكان حتى يتمكنوا من المحافظة على الاعتصام الا ان الهجوم بحسب حديثه كان يفوق مقدرات الثوار، مبيناً عن تعرضه للضرب المبرح من قبل الجنود الذين كانوا يحملون عصياً وسياطاً، وقال انه وتحت وطأة الحصار فان عدداً كبيراً من الشباب تراجعوا ناحية حي بري ولكن لم يسلم احد منهم من الضرب بعنف على الظهور بالعصي والسياط ،مبيناً ان الذين اصيبوا بالرصاص معظمهم كانوا في حماية التروس ،واضاف:بعد ان ايقنا بصعوبة الصمود أكثر رأينا ضرورة الانسحاب شرقاً الى حي بري حتى نتفادى زيادة الخسائر في الارواح لان الهجوم كان شرساً وبالقرب من نادي الشرطة توجسنا خيفة حينما وجدنا جنوداً يتبعون للشرطة ويبدو انهم كانوا في مناوبة العمل بالنادي في ذلك الوقت وعلى رأسهم شخص يدعي عبدالله تعاملوا معنا بانسانية حيث وفروا لنا مياه الشرب وعبر سياراتهم تم نقل المصابين منا الى مستشفى الشرطة.
«أضرب فوق «
ويواصل الدكتور حذيفة عبدالرحمن حديثه ويشير الى امر مهم حينما كان في ميدان الاعتصام لحظة الهجوم عليه وقال انه سمع احد العساكر ومع ارتفاع وتيرة اطلاق النار يطلب من زملائه ان يضربوا الرصاص في الهواء وليس الاجساد، مبيناً ان العساكر وحينما كانوا في طريقهم الى نادي الشرطة طالبهم بالعودة الى ميدان الاعتصام غير انهم رفضوا وطلبوا منه السماح لهم بدخول دار الشرطة ففعل ،موضحاً ان القوات التي اطلقت الرصاص في ميدان الاعتصام واعتدت على الثوار بالضرب كانوا اكثر عنفاً وشراسة ومعظهم ارتدوا ازياء عسكرية زرقاء ،موضحاً ان العنف خارج ميدان الاعتصام كان اقل وطأة من الداخل ،وقال ان الاطلاق العشوائي للرصاص كان كثيفاً وهو الذي اصاب الثوار بالربكة والرعب ولم يتمكنوا من التنسيق.
«ديل ما ناسنا «
ويشير الدكتور حذيفة عبدالرحمن الى انهم وفي نادي الشرطة وفي خضم اجواء متوترة ورغم المعاملة الجيدة التي وجدوها من الجنود الذين كانوا يعملون في النادي وقتها فانهم قالوا لرجال الشرطة ان الذين اعتدوا على الثوار يتبعون لكم، ويكشف عن انهم نفوا ان يكون الذين يرتدون زي الشرطة من القوة التي هاجمت الميدان من الشرطة وقال احدهم "ديل ما ناسنا "،مبيناً ان الجنود امام نادي الشرطة تعاملوا معهم بانسانية وتحضر وان احد الضباط طالب جنوده بنقل الثوار الى مستشفى الشرطة وأمرهم باحضار معدات اسعافات اولوية ويقول انهم شكروا الضابط وجنوده على حسن تعاملهم معهم في تلك الاوقات العصيبة والقاسية ،ويفسر الدكتور حسام تعامل افراد الشرطة معهم بان المشاهد التي حدثت امامهم لا يمكن تأييدها لانها كانت خالية من الإنسانية.
يوم عصيب
الطالب الجامعي محمد ابراهيم بدا حزيناً وهو يتحدث لـ"الانتباهة" عن يوم التاسع والعشرين من شهر رمضان الذي شهد مذبحة القيادة العامة، واصفاً تلك الاحداث بالمأساوية، ويلفت الى ان عدداً مقدراً من الثوار كانوا يغطون في النوم عقب ادائهم صلاة الصبح الا انهم استيقظوا على صوت الرصاص ، مبيناً انه كان يقف بالقرب من ترس امام دار الخريجين وشاهد اعداد كبيرة من القوات التي ترتدي ازياء الدعم السريع والشرطة واخرى تتدثر بزي عسكري ازرق اللون في طريقهم من كوبري الجامعة الى ميدان الاعتصام وذات الشيء شاهده في ميدان الجامعة الشرقي الذي كان يوجد فيه جنود مدججون بالسلاح، ويضيف: الامر شكل لنا عامل مفاجأة ولكن قررنا الاستماتة في الدفاع عن المتاريس واعتصامنا فلم نجد غير التصدي لهم بالحجارة فتراجعوا مرتين على التوالي الا انهم بعد ذلك لجأوا الى استعمال الرصاص الحي في الهواء والاجساد وهذا الامر الذي لم نتوقعه تسبب في تراجعنا الى الوراء، ورغم ذلك فان هذه القوات ركزت في اطلاق النار علي الثوار الذين كانوا يتمترسون تحت النفق ومقطع الفيديو الذي بثته قناة الجزيرة لشاب سقط برصاصة كان امامنا وذلك بالقرب من النفق.
«عاوزين حقنا»
ويمضي محمد ابراهيم في سرده وينوه الى انهم قرروا بعد ذلك الانسحاب ودخول مسجد الجامعة الذي وجدوا فيه احد الثوار وقد تعرض للاصابة بطلق ناري فاتجهوا ناحية كلية الاثار فوجدوا ايضاً صعوبة في العبور ناحية شارع الجمهورية لاطلاق النار الكثيف وبعد مطاردات استمر لوقت دخلوا مجمع الفقه الاسلامي للاحتماء من الرصاص المنهمر لتتم محاصرة المجمع من كل الاتجاهات وباءت كل محاولاتهم الوصول الى شارع البلدية بالفشل ،واضاف:دخلت القوات الى مجمع الفقه واعتدت علينا بالضرب المبرح بالسياط والعصي بعد ذلك طالبتنا بالخروج الى شارع البلدية الذي وجدنا فيه جنوداً يرتدون زي الدعم السريع وهم يعتدون على الثوار بالسياط رغم ان احد الضباط طالبهم بعدم فعل ذلك الا انهم كانوا يرددون "عاوزين حقنا "، ويقول وفي اثناء محاولتهم الخروج عن دائرة الاعتصام وصولاً الى وسط الخرطوم وتحديداً شارع القصر واجهتهم الكثير من القوات التي كانت تعتدي عليهم بالضرب بالسياط والعصي، ويلفت محمد ابراهيم الى انه شاهد الكثير من الاحداث التي شعر حيالها بالاستياء والحزن ومنها سقوط عدد مقدر من الثوار امام الخيام عقب اطلاق النار عليهم، بالاضافة الى ما يصفه بالتمييز الذي مارسته القوات ضد شريحة محددة من الثوار.

تواصل معنا

Who's Online

321 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

Search