mlogo

السياسة

سياسة

محاكمة رموز النظام المخلوع.. الاقتصاص للشهداء.. والسلام.. أبرز الأولويات

استكملت ثورة 19 ديسمبر المجيدة انتصاراتها بعد أن توجتها بالاتفاق التاريخي الذي توصل إليه المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير في الساعات الأولى من فجر أمس الجمعة، وذلك عقب تخطّيها الكثير من المطبات والمتاريس التي أقامتها الثورة المضادة في طريقها، هذا فضلاً عن التضحيات الكبرى التي قدمها صناع الثورة من شهداء وجرحى وتضحيات بالمال والوقت والجهد المتواصل.
وبدا واضحاً أن الاتفاق الذي توصل إليه الطرفان بمساعدة الوسيط الأفريقي، قد وجد ارتياحاً واسعاً في أوساط الشارع السوداني، حيث لاتزال مظاهر الاحتفال الشعبي بهذا الإنجاز التاريخي تتسيّد المشهد تماماً، إذ خرجت جموع الشعب السوداني في مواكب عفوية منذ الصباح الباكر وسط أزيز الطبول وأهازيج الفرح في مشهد يعيد للأذهان احتفال السودانيين بالعيد الأول للاستقلال.
الأولويات والتحديات:
إذا كانت الثورة قد وجدت تحديات ومتاريس في مرحلتها الأولى، وكادت أن تعصف بها، فلا شك أن لهذه المرحلة أيضاً تحدياتها المختلفة.. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا ما هي أبرز التحديات التي تواجه الحكومة الانتقالية المقبلة، وما هي أولوياتها في هذه المرحلة؟..
سؤال مزدوج سنحاول الإجابة عنه من خلال القراءة لما بين سطور هذا الاتفاق، ومن خلال بعض المعطيات والمواقف المضادة التي أفرزها ذات الاتفاق.
أولاً: أولويات الحكومة الانتقالية:
(1) ملفات السلام:
بإلقاء نظرة فاحصة على المشهد السوداني، يدرك المراقب السياسي، أن هناك أولويات عاجلة وقضايا مُلحة تُمثل مطالب الشارع السوداني في الوقت الراهن، وفي معرض ترتيب هذه القضايا يأتي تحقيق السلام في دارفور وجبال النوبة وجنوب النيل الأزرق في أعلى سلم هذه الأولويات.
ولعل ذلك يبدو جلياً في الاتصالات المكثفة واللقاءات الماراثونية التي عقدها نائب رئيس المجلس العسكري الفريق أول حميدتي مع بعض قادة الحركات المسلحة بدارفور، والاتصالات التي جرت بين المجلس العسكري وقادة الحركة الشعبية قطاع الشمال أمثال عبد العزيز الحلو، وياسر عرمان والتوم هجو.. ويظهر ذلك أيضاً من خلال حديث القيادي بقوى الحرية والتغيير عمر الدقير الذي قال عقب التوقيع على الاتفاق مع المجلس العسكري، إن أولويات الحكومة تحقيق السلام والقصاص من قتلة الشهداء.
(1) القصاص من قتلة الشهداء:
وبرزت هذه القضية بشكل واضح من خلال النقاش داخل غرف المفاوضات السرية حيث رفضت قوى الحرية والتغيير مجريات التحقيق الذي تقوم به النيابة العامة والمجلس العسكري حالياً، وطبقاً لذلك تم الاتفاق على تشكيل لجنة تحقيق مستقلة يشكلها مجلس الوزراء الجديد من المستقلين والمشهود لهم بالنزاهة والحياد، وبدا اهتمام الطرفين بهذا الملف أيضاً من خلال خطاب القيادي بقوى الحرية والتغيير المهندس عمر الدقير عقب توقيع الاتفاق، حيث أكد بشكل صريح أن القصاص من قتلة الشهداء سيمثل أولوية بالنسبة لحكومة التكنوقراط.
(3) محاكمة رموز النظام المخلوع:
وبحسب المطالب الشعبية المُلحة، فإن قضية محاكمة رموز النظام المخلوع المتهمين بقضايا فساد تحتل المرتبة الثالثة في سلم ترتيب أولويات الحكومة الانتقالية، ويعزز ذلك تصريحات رئيس المجلس العسكري الفريق أول عبد الفتاح البرهان الذي عزا إقالة النائب العام الأسبوع الفائت إلى تباطئه في تقديم رموز النظام السابق إلى المحاكمة، وعدم وجود أي تقدم في هذه الملفات.. الأمر الذي حدا بالمجلس لإقالة النائب العام حسبما قال البرهان.
ويعزز ذلك أيضاً ما صرح به من قبل نائب رئيس المجلس العسكري الفريق أول حميدتي والذي تساءل عن أسباب تأخير محاكمة (9) من رموز النظام المخلوع رغم اكتمال ملفاتهم وتقديمها للنيابة، هذا فضلاً عن تأكييده في أكثر من مناسبة على عدم إفلات أي شخص من رموز النظام السابق من العقوبة في حال ثبوت ارتكابه أية جريمة أو فساد، كل ذلك يؤكد أن قضية محاكمة رموز النظام المخلوع تشكل أولوية قصوى للحكومة الانتقالية المقبلة.
ثانياً التحديات:
لم يعد خافياً أن عدداً من الحركات المسلحة التي وقعت على اتفاق سلام مع النظام المخلوع وكذلك التي لم توقع، قد طالتها هواجس الإقصاء والتهميش، وقد ظهر ذلك جلياً قبل التوقيع على الاتفاق بين المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير حيث صرح عدد من قادة الجبهة الثورية بعدم رضائهم عما اعتبروه تهميشاً وتغييباً لهم من جانب قوى الحرية والتغيير، وظهرت هذه النبرة الناقمة على الاتفاق في تصريحات رئيس المجلس الأعلى للحركات المسلحة المكلف إبراهيم سليمان خلال مؤتمر صحافي عقده أمس الأول والذي أدان خلاله استجابة المجلس العسكري لمطالب قوى إعلان الحرية والتغيير وما اعتبره تناسياً للقوى السياسية الأخرى، مشيراً إلى أن قوى الحرية والتغيير لا تمثل الحركات الموقعة على السلام، معلناً عن تكوين حزب سياسي لخوض الانتخابات القادمة حال تم التوافق على ذلك من قبل الحركات المسلحة..وقد بات واضحاً أن هذه النبرة تشكل نواة لمعارضة الاتفاق وبالضرورة أن يعني ذلك وجود قوى ناقمة ومعارضة للحكومة الانتقالية المقبلة، وقد بدت معالم التحديات التي تواجه قوى التغيير والحكومة الانتقالية التي ستشكلها قوى التغيير و"العسكري" في الأوجه التالية:
(أ) انسحاب الجبهة الثورية:
قبيل التوصل إلى اتفاق بين المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير بساعات، تفاجأت الأوساط السياسية والإعلامية بقرار الجبهة الثورية القاضي بسحب ممثلها الوحيد بقوى الحرية والتغيير محمد سيد أحمد الشهير بـ"جاكوما" من وفد التفاوض، واعتزامها التفاوض الثنائي مع المجلس العسكري منفردةً دون شركائها في "قحت"، وتساءل عدد من المراقبين عن أبعاد وخفايا هذه الخطوة المفاجئة والتي تعكس وجود خلافات عميقة وعدم توافق بين قوى الحرية والتغيير والجبهة الثورية في وقت اقترب فيه المجلس العسكري و"قحت" من إنجاز اتفاقهما، الأمر الذي يشكل تحدٍ كبير أمام الحكومة الانتقالية.
إذن.. ما وراء قرار الجبهة الثورية بسحب ممثلها بقوى الحرية والتغيير، واتجاهها نحو التفاوض الثنائي مع المجلس العسكري؟ وما مغذى القرار وأبعاده؟ ولماذا في هذا التوقيت الذي كان قد اقترب فيه "المجلس وقحت" من الاتفاق.
(ب) تغييب وتهميش:
نقل موقع "سودان تربيون" الإلكتروني تصريحات لرئيس حركة العدل والمساواة الدكتور جبريل إبراهيم عضو الجبهة الثورية، أشار فيها إلى عدم رضا الجبهة الثورية عن الأسلوب الإداري لقوى الحرية والتغيير في ظل غياب الهيئة التنظيمية المتفق عليها أو جسم مرجعي يرسم السياسات ويتخذ القرارات الأساسية، وأضاف جبريل إبراهيم: (أن الاستمرار في تغييب الجبهة الثورية من آلية اتخاذ القرار والمفاوضات مع المجلس العسكري ولقاء الوسطاء الإقليميين والدوليين، سيدفع الجبهة لشق طريقها بمعزل عن قوى الحرية والتغيير).
وبعد ساعات من تصريحات رئيس حركة العدل والمساوة الدكتور جبريل إبراهيم عضو الجبهة الثورية التي مهد بها طريق المفاوضات الثنائية مع المجلس العسكري، سحبت الجبهة الثورية فعلياً ممثلها في قوى الحرية والتغيير الأستاذ محمد سيد أحمد، وأكدت أنها ستفاوض المجلس العسكري منفردةً، وقال ممثل الجبهة في قوى التغيير محمد سيد أحمد عقب انسحابه في تصريحات لـ" الإنتباهة"، إنه تسلم قراراً من الجبهة الثورية بانسحابه من وفد التفاوض الممثل لقوى الحرية والتغيير، وأرجع الخطوة إلى أن قوى الحرية والتغيير تجاوزت الجبهة الثورية في الفترة الماضية، ولم تكن الجبهة جزءاً أصيلاً في كل ما حدث من اتفاق، وبالتالي قررت التفاوض المباشر مع المجلس العسكري. وأضاف أن القضايا التي تتبناها الجبهة الثورية تختلف عن القضايا الأخرى، وهي قضايا تتعلق بالحرب والسلام والنازحين واللاجئين. وأضاف أن خصوصية هذه القضايا تحتم التفاوض المنفرد مع المجلس العسكري.
(ج) مطالبة مناوي بـ 35% من السلطة:
وفي بيانٍ له أمس الأول، طالب رئيس الجبهة الثورية القائد مني أركو مناوي بـ 35% من السلطة الانتقالية (المجلس السيادي، والجهازين التنفيذي والتشريعي) لصالح الجبهة الثورية، وقال مناوي في بيانه إن المشكلة السودانية أعمق بكثير من انتقال السلطة من عسكرية إلى مدنية، مما يُفهم من لغة البيان أن المطلب الأساسي لقوى التغيير "السلطة المدنية" وهو أمرلا يعني لهم شيئاً في الجبهة الثورية وليست الحكومة المدنية هي الأولوية كما يبدو ذلك حسب ما يُفهم من البيان..
(د) نزاع الأصل والصورة:
وفي حوار أجرته (الإنتباهة) مع رئيس الجبهة الثورية مني أركو مناوي قال، إن الحركات المسلحة هي الأصل في الثورة وليس المدنيين بقوى الحرية والتغيير. وتساءل لماذا لاتنتظر قوى الحرية والتغيير الحركات المسلحة لتستلم الحكم لتتفاوض معهاـ أي مع الحركات المسلحة؟ـ..هذه اللغة الحادة في حديث مناوي إزاء زملائه في قوى الحرية والتغيير، اعتبرها أكثر من مراقب تحول كبير ينم عن خلاف حاد قد أفضى فعلياً إلى طلاق بائن بين الجبهة الثورية وقوى الحرية والتغيير، أدخلهما في نزاع حول من هو "الأصل" الأحق بتمثيل الثورة والثوار؟ إذن.. غياب التوافق بين الحركات المسلحة وقوى الحرية والتغيير، قد يشكل تحدٍ كبير أمام الحكومة المقبلة وربما معارضة الاتفاق الذي تم التوصل إليه.
)هـ) عبد الواحد في مواجهة الكل:
وتبدو تحديات المرحلة أيضاً في الموقف المتشدد لرئيس حركة تحرير السودان عبد الواحد محمد نور الذي أصدر بياناً غداة الاتفاق جاء فيه: (إن الاتفاق الذي تم توقيعه صباح اليوم الجمعة الموافق 5 يوليو 2019م بين المجلس العسكري الانقلابي وما يسمى بقوى الحرية والتغيير، هو خيانة للثورة ودماء الشهداء الذين وهبوا أرواحهم من أجل الحرية والكرامة والتغيير الشامل والحكم المدني الكامل وبناء دولة المواطنة المتساوية، وقد حذرت الحركة من تهافت هذه القوى التي ظلت تلهث خلف التسوية مع النظام البائد وتتحدث عن انتخابات 2020 قبل أن تفاجئها ثورة الشعب السوداني العظيم والتي عملت على اختطافها منذ اليوم الأول باعترافها بالمجلس العسكري الانقلابي وإعطائه شرعية زائفة، بل اعتبرته جزءًا من الثورة)..
(و) النظام المخلوع:
ومن أبرز التحديات التي تواجه الحكومة الانتقالية، هي أن عدداً كبيراً من كوادر المؤتمر الوطني وعناصر النظام المخلوع الآن يتحكمون في المؤسسات الحكومية والوزارات، مما قد يشكل عقبة أمام تنفيذ برنامج الحكومة الانتقالية في محاسبة رموز النظام السابق، وتحقيق السلام والاقتصاص للشهداء، وغير ذلك من الملفات كما أن معظم السلع والخدمات وتجارة العملة والمضاربات وحركة السيولة يتحكم فيها رموز النظام المخلوع وهي أسلحة اقتصادية قد يستخدمونها لخنق حكومة التكنوقراط، كما يتوقع أن يثير فلول النظام المخلوع الفوضى لإضعاف الحكومة الانتقالية والعمل على زعزعتها، وذلك لقطع الطريق أمام محاسبتهم وكشف ملفات فسادهم.
إذن.. كل تلك تحديات تواجه حكومة التكنوقراط المقبلة.

تواصل معنا

Who's Online

464 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

Search