السياسة

سياسة

عقوبات واشنطون..تعاون عالمي لمواجهتها ودرء مخاطرها

ندى محمد أحمد
يستحق العام 2018  صفة عام العقوبات الأمريكية بجدارة ، فهي قد أصدرت قراراتها في هذا الشأن بسخاء لا تحسد عليه ، فقد بدأ سريان حزمة  العقوبات في مرحلتها الأولى على إيران  مطلع الشهر الجاري ، على أن تطلق حزمة اخرى في نوفمبر ، وذلك بجانب عقوبات على روسيا ، كما لم يسلم الاتحاد الأوربي حليفها الرئيس من سيف العقوبات المشهر في وجه العالم لكل من يجرؤ على عدم الانصياع لإرادتها حيال سياستها العالمية ، وهناك روسيا ايضا ، فضلا عن الصين ، وأخيرا وليس آخراً فيما يبدو تركيا التي فرضت عليها عقوبات على دفعتين وتوعدت بالثالثة ، الشيء الذي دفع الدول التي تعرضت للعقوبات للتقارب مع أنقرة في إشارة لرفض سياسة واشنطن العقابية، التي يطغى الاقتصاد على طبيعتها  لتضطر الدول المخالفة لها للخضوع لإرادتها أو تعريض اقتصاداتها لمخاطر قد تصل مرحلة الانهيار ، فما الذي تريده واشنطون ؟ وكيف سيواجه العالم إرادتها المتسلطة تلك؟
معركة تركيا
ولنبدأ بأحدث الحلقات في مسلسل العقوبات الأمريكية  والتي طالت الجمهورية التركية  قبل نحو أسبوعين،  على خلفية رفض انقرة تسليم القس الأمريكي اندرو برنسون الذي يحاكم منذ عام ونصف بتهمة التعاون مع القائمين بالانقلاب الفاشل  (منظمة فتح الله غولن )  في يوليو 2016 ، وقد جاءت العقوبات على مرحلتين ، الأولى فرض عقوبات على وزيري الداخلية والعدل التركيين ، فردت انقرة بإجراءات مماثلة ، فعادت واشنطون  لتفرض رسوما إضافية على وارداتها من الصلب والالمونيوم من تركيا بنسبة (20% و50%) ،لترد انقرة بمقاطعة المنتجات الأمريكية الالكترونية، وبالرغم من ان واشنطون تدافع عن مواطنيها في الخارج ضد اي تجريم أو تهم تطولهم وتسعى لإعادتهم إليها دون محاكمة سواء على المستوى الدولى أو الوطني للدول المختلفة ، إلا ان الرئيس دونالد ترمب يبدو كمن يملك ثأرا شخصيا تجاه تركيا ، او كأنما هو طفل حقق انتصارا لم يكن يتصوره ، فقد غرد عقب العقوبات الأخيرة على تركيا متشفياً (فرضنا عقوبات على وارداتهم من الصلب  وها هي عملتهم تتهاوى أمام دولارنا القوي ، في إشارة لفقد الليرة التركية لـ (20%) من قيمتها إثر تلك العقوبات .
وعاد ترمب  الجمعة الماضية  ليعلن عن تشديد الخناق على تركيا، واتهمها باستغلال بلاده لسنوات عديدة، بينما هدد وزير الخزانة ستيفن منوتشين بفرض عقوبات إضافية على أنقرة إذا لم تفرج عن القس  برانسون ، ولم  يتأخر الرد التركي فقد صرح وزير التجارة التركية قائلا: سنرد على امريكا بالمثل اذا فرضت عقوبات جديدة .
وفي المقابل قال وزير الخارجية التركي تشاويش مولود اغولو إنه لا يمكن حلّ المشاكل مع أميركا بنهجها الحالي وإنها لا ترى الأصدقاء الحقيقيين.  
شراكات بديلة
الحرب الأمريكية على الاقتصاد التركي دفع انقرة للعمل على إحياء علاقاتها مع أوروبا  التي توترت عقب المحاولة الانقلابية الفاشلة في تركيا  ، فقد  أعلن أردوغان أنه سيسعى «إلى أصدقاء جدد وحلفاء جدد»، ولا يبدو الاتحاد الاوربي بعيدا عن هذه الشراكة، فخلال اتصال هاتفي بين اردوغان ونظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون بالخميس الفائت شدد الرئيسان على «أهمية زيادة تعزيز العلاقات الاقتصادية والتجارية والاستثمارات المتبادلة بين بلديهما». من جهته، أكد قصر الإليزيه أن الرئيس ماكرون «جدد تمسكه بتركيا مستقرة ومزدهرة. وأكد للرئيس أردوغان دعم فرنسا في هذا  الاتجاه ، وقرر الرئيسان  أن يجري وزير المال التركي براءة البيرق محادثات «في أسرع وقت» مع نظيره الفرنسي برونو لومير.
المانيا
 من ناحيتها أكدت المستشارة الألمانية انجيلا ميركل في اتصال هاتفي مع  أردوغان ان «قوة الاقتصاد التركي مهم بالنسبة لألمانيا. واتفقت ميركل مع اردوغان على عقد لقاء يجمع وزير الخزانة والمالية التركي مع وزيري الاقتصاد والمالية الألمانيين بالاضافة الى تعزيز الزيارات رفيعة المستوى بين البلدين وتقوية العلاقات المشتركة بينهما..
نووي إيران
وثمة اهتمام خاص يوليه ترمب للجمهورية الإيرانية ، فالخروج عن الاتفاق النووي الموقع معها في مايو 2015 مثل احد وعوده الانتخابية التي رددها كثيرا ، كما انه يبدو متشددا في محو كل
 إرث  للرئيس السابق باراك اوباما  الذي نجح بمعية (فريق خمسة زائد واحد ) المتمثل في روسيا والمانيا والمملكة المتحدة وفرنسا بالإضافة للصين في توقيع الاتفاق النووي مع الجمهورية الإيرانية في مايو   2015  ، بهدف تحجيم الطموح الإيراني بامتلاك السلاح النووي. ومن أهم نتائج الاتفاق البدء في رفع العقوبات الأمريكية والأوربية عن إيران . خرجت واشنطون من الاتفاق  بينما تمسكت به بقية الدول الاخرى . وأعلنت عن فرض  عقوبات على إيران على مرحلتين ، بدأ سريان الأولى في مطلع الشهر الحالي ، أما الثانية فستدخل حيز التنفيذ في نوفمبر القادم وهي اشد وطأة إذ تحظر على الدول شراء النفط الإيراني الذي يعتمد عليها اقتصادها بالدرجة الأولى ، ولتعويض النقص العالمي من النفط الإيراني توجهت لحليفها في الشروق الأوسط المملكة العربية السعودية ودعتها لزيادة إنتاجها اليومي من النفط بما يوازي الإنتاج الإيراني لليوم ، واستجابت الأخيرة لها.
 من جهته رفض الاتحاد الاوربي تلك العقوبات ، وذهب لأبعد من ذلك بتفعيل اتفاقية تعطيل العقوبات على شركات عضويته الموجودة في إيران ، كما أعلنت تركيا عن استمرارها لاستيراد النفط والغاز من إيران وفقا لاتفاقيات طويلة الأجل . وبطبيعة الحال لم ترض  هذه المواقف ترمب ÝÎÑج على منصته الاثيرة تويتر مهددا ومتوعدا كل من يخرق العقوبات على إيران ، وعاد وزير  الخارجية الأميركية مايك بومبيو ليعلن عن تشكل فريق لتعزيز الضغوط  الدبلوماسية والاقتصادية على إيران، ووضعت قائمة طويلة  بنشاطات تطلب من طهران تغييرها، ومنها وقف دعم النظام السوري وحزب الله اللبناني، وإغلاق برنامجها النووي وتحرير الأميركيين المحتجزين لديها.  
صراع جمركي
وعندما أعلن ترمب عن فرض رسوم جمركية إضافية على واردات بلاده من الصلب والالمنيوم من الاتحاد الاوربي مطلع الشهر الحالي  بنسبة (25%), رد  الاتحاد الأوروبي بالمثل  بفرض رسوم استيراد بواقع (25%)  على مجموعة من المنتجات الأمريكية.
وأقرت المفوضية الاوربية رسميا قانونا بفرض رسوم على منتجات أمريكية قيمتها 2.8 مليار يورو (3.2 مليار دولار)، من بينها منتجات الصلب والألومنيوم، ومنتجات زراعية مثل الذرة الحلوة والفول السوداني وويسكي البوربون والسراويل الجينز والدراجات النارية.
مناطحة الصين
 وبنهاية الأسبوع الاول من أغسطس الحالي أكدت إدارة ترمب فرض رسوم جمركية إضافية بنسبة 25%  على منتجات صينية بقيمة 50 مليار دولار، تنفيذا لتهديدات الرئيس في سياق خلافه التجاري مع الصين .
 ومن جهتها بدأت الصين، بفرض رسوم جمركية على سلع أمريكية, وأعلنت هيئة الجمارك الصينية Ãن بكين ستحصل رسوما جمركية على 545 صنفا بقيمة واردات تصل إلى 34 مليار دولار ردا على الرسوم الجمركية الأمريكية.
ضد الحماية التجارية
وللحرب التجارية بين أمريكا والصين دور في  التقارب بين الاتحاد الأوروبي واليابان فقد وقع الطرفان في الاسبوع الثالث من يوليو
 الماضي  اتفاق تجارة حرة واسع النطاق ، على امل  أن يقوم بدور معادل لقوى الحماية التجارية التي أطلقتها السياسات التجارية لترمب.
ويأتي الاتفاق التجاري الطموح، الذي يخلق أكبر منطقة اقتصادية مفتوحة في العالم، في ظل مخاوف من أن حربا تجارية بين الولايات المتحدة والصين ستقلص دور التجارة الحرة في النظام الاقتصادي العالمي.
وقال رئيس الوزراء الياباني، شينزو آبي، في مؤتمر صحفي بعد مراسم التوقيع (هناك مخاوف متزايدة بشأن الحماية التجارية، لكنني أريد أن تقود اليابان والاتحاد الأوروبي العالم عبر رفع راية التجارة
 الحرة ) ، والاتفاق التجاري بين الطرفين أيضا وفقا لمراقبين مؤشر على تغير العلاقات العالمية في الوقت الذي يُبعد فيه ترامب الولايات المتحدة عن حلفاء قدامى مثل الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي وكندا، وقال رئيس المجلس الاوربي دونالد تاسك للصحفيين «نبعث رسالة واضحة بأننا نقف ضد الحماية التجارية».
شبح روسيا
وشهد أغسطس هذا ايضا عقوبات امريكية جديدة على روسيا ، إثر قضية الجاسوس المزدوج إسكريبال ، ولكنها بتوقيع وزارة الخارجية وليس ترمب الذي أصابته هاء السكت فلم يغرد عنها شيئا ، خاصة وانها جاءت بعد شهر من لقائه بالرئيس فلاديمر بوتين ، المتهمة دولته في التدخل في الانتخابات الامريكية  2016 التي قادت ترمب للبيت الابيض على حساب هيلاري كلينتون التي لها مواقف متشددة للغاية من روسيا . ويقود المحقق الخاص روبرت  مولير تحقيقات فيما اذا كانت حملة ترمب تواطأت مع روسيا في الانتخابات ، وسبق ان فرضت واشنطون عقوبات على روسيا في هذا الصدد .
والسودان
ومن قبل خضعت بلادنا لعقوبات امريكية استمرت لعقدين قبل ان ترفع في اكتوبر 2017 ، انهكت الاقتصاد وأضرت به اضراراً بالغة، مع إبقاء الخرطوم في قائمة الدول التي ترعى الإرهاب والتي تنتج مجموعة من العقوبات امريكياً ودولياً.
قطبية أحادية
  المتخصص في الشأن الامريكي راشد محمد علي ذهب إلى ان النظام العالمي الدولي يعتمد على القوة ، وامريكا دولة (سوبر بورن) وبالتالي فهي تسيطر على مجريات الأحداث في النظام الدولي ، ومقابل هذا انه لايوجد سبيل او (شكل) يمكن للعالم ان يحتكم إليه في ظل القطبية الاحادية الامريكية ، خاصة وان العالم غير متفق على قوانين موحدة لحكم العالم ، وفي المقابل فان أمريكا تستخدم كل المنابر الدولية لتحقيق مصالحها .
وفسر راشد في حديثه لـ(الإنتباهة) Ãمس¡ان سياسة فرض العقوبات الموسعة التي تنتهجها واشنطون بانه يعود لمخالفة الدول المعنية لتوجهاتها في صياغة النظام الدولي ، وبالتالي فان فرض العقوبات محاولة للسيطرة على مجريات الأحداث عالميا ، وتقييد حركة الدول المعنية بها خارجيا وتحجيمها Çقتصاديا ،  فالعقوبات الاقتصادية في المقام الأول  الهدف منها شل الحراك الاقتصادي للدول المعنية  لإثنائها عن مخالفة التوجهات الأمريكية .
 محاولة درء المخاطر
 وأضاف: ومهما حدث من تضامن تجاه الدول التي صدرت عقوبات بحقها فهو لا يمكنه دفع تلك العقوبات، ولفت إلى ان التوجه الدولي للوقوف مع تركيا بموازاة العقوبات الأمريكية المتتالية لا يمنع تلك العقوبات ولكنه نوع من محاولة ممارسة الضغوط  على واشنطون كي لا تجنح للتوسع في سياسة العقوبات تجاه دول أخرى.
وبشأن الكم الكبير من العقوبات التي فرضتها واشنطون على مستوى الدول  والكيانات هذا العام، قال راشد ان الفكرة الأساسية للعقوبات تقوم على مخالفة الدول المعنية للمسار العالمي التي ترسمه واشنطون ، الشيء الذي يزعج تلك الدول، فتسعى للتقليل من حدة هذه العقوبات ، وأشار إلى ان الاخيرة اتجهت للعقوبات الاقتصادية والسياسية كبديل عن سياسة التدخل العسكري المباشر، والتي تكلف الخزانة الأمريكية مئات المليارات من الدولارات، مثلما حدث في حربها على العراق وأفغانستان .
البريكس
وفيما يتعلق بالنشاط الإقتصادي المشترك لدول البريكس( الصين وروسيا والهند والبرازيل وجنوب افريقيا ) التي انشئت عام 2006 يشير راشد إلى ان المجموعة تحاول إنشاء نظام اقتصادي مواز للاقتصاد العالمي ، وهي تقوم على منظومة دول اقتصادها من الحجم الكبير ، ولكنه استدرك ليشير إلى ان تجمع هذه الدول وإنشائها لبنك خاص بها لن يمكنها من التفاعل مع الاقتصاد الدولي الذي يديره البنك الدولي بجانب صندوق النقد الدولي اللذين تتحكم فيهما واشنطون ، انما يمكنها من إنشاء برامج لتنمية الدول الفقيرة في قارتي آسيا وأفريقيا على سبيل المثال .
 

شاركنا برأيك

هل تتوقع أن يتجاوز الطاقم الاقتصادي الحالي الازمة؟

تواصل معنا

حالة الطقس بالخرطوم

Search