سياسة

سفراء في الميدان .. المخابرات تتحرك في العلن

شهر بالتمام والكمال على سقوط النظام السابق واعتصام الثوار بالقيادة العامة و(الحال ياهو نفس الحال) وليس هناك جديد في التفاوض بين الطرفين ولا جديد لا في حال البلاد ولا حال العباد. والاعتصام يسير بخطى حثيثة صامدة مطلبه الاساسي تسليم الحكومة للمدنيين , لكن ما أضفى على الاعتصام زخما نوعيا غض النظر عن تقبل البعض له او رفضه هو الوجود الأجنبي الكثيف خلال اليومين السابقين ومع بداية شهر رمضان الكريم، حيث قام القائم بالأعمال الامريكي مع وفد من السفارة بزيارة منطقة الاعتصام والإفطار مع المعتصمين بمقر القيادة العامة للجيش، وعلينا وضع اكثر من خط حول كلمة( القيادة العامة ) لانها سيادة البلد ورمز جيشها مما حدا بالبعض لإنكار هذه الزيارات والسماح بالتواجد الأجنبي داخلها فحتى وقت قريب ولولا الظروف الاستثنائية التي حدت بالجيش لحماية المعتصمين وفتح أبواب القيادة على مصراعيها لاحتضان الثوار إشفاقا عليهم حتى قبل هذا الوقت بقليل كان ليس بالامكان السماح الاقتراب منها ومكتوب على كل منطقة عسكريةعبارة حفظها الناس عن ظهر قلب وهي ( منطقة عسكرية ممنوع الاقتراب أو التصوير ) فكيف بالسماح بالتواجد الأجنبي حولها؟ لم يكن القائم بالأعمال الامريكي هو الاخير، فبالأمس ايضا اقامت بعثة الاتحاد الاوربي إفطارا بساحة الاعتصام ( القيادة العامة) وطالبت بتسليم الحكومة لمدنيين , كل ذلك جعلنا نتساءل عن مدى قانونية ذلك سواء من ناحية عرف دبلوماسي او من ناحية دبلوماسية فنية او حتى من ناحية امنية؟ هذا وفي بالنا الرفض الصارم من قبل الثوار للتدخل الأجنبي في البلاد وما وقوفهم بساحة القنصلية المصرية إلا دليل قاطع على رفضهم هذا التدخل من اي كائن كان، وكذلك رفضهم للمعونات الاماراتية، فكيف يتأتى لهم وهم على هذه الدرجة من الوعي ان يسلموا بتعريض البلد وأسرارها العسكرية والامنية في طبق من ذهب للاجانب مهما كانت المسوقات والمبررات فان الأمر فيه شيء من حتى وكون القائم بالأعمال الامريكي يقف بنقطة التفتيش مثله ومثل اي من كان فهذا ليس دليلا على حسن النوايا وليس بهذه البساطة توزن الأمور فكيف ينظر جهابذة الدبلوماسية لهذه الأمور وهل يمكن ان تكون زيارة عادية للوقوف مع الشعب السوداني كما قال سفير الاتحاد الاوربي ؟ وهل يمكن ان تتخذ الأمور المعقدة في هذا الاطار على اساس اجتماعي ؟ وهل بالإمكان على ذات السياق ان يشارك سفراؤنا بالخارج في المظاهرات والاعتصامات الخاصة بالدول المتواجدين بها ويسمح لهم بذلك؟ وما هو دور وزارة الخارجية من هذا الذي يحدث ؟ أليس من العرف استئذانها في مثل هكذا زيارات للسفارات الاجنبية ؟
سفير السودان السابق بكندا السفير الصادق المقلي بدأ متجاوبا مع هذه الزيارات وقال لـ( الإنتباهة) انها ليست المرة الاولى التي يزور فيها دبلوماسيون غربيون تجمعات سودانية ، فقد سبق لهم ان زاروا مسيد الشيخ حمد النيل في امبدة والمسايد في ام درمان، وسبق ان لبوا دعوات لاسر سودانية في منازلهم وتناولوا معهم افطار رمضان , ووصف ما قاموا به في اطار حب الاستطلاع والدهشة التي ألجمتهم في الثورة وفعالياتها السياسية والاجتماعية والثقافية والإعجاب بهذا الحراك السياسي والاعتصام بالقيادة وما صاحبه من مختلف الفعاليات هي التي أغرتهم واثارت إعجابهم بالثورة السودانية وتفردها . وقال ان الكل يعلم ان المتظاهرين في فرنسا من أصحاب السترات الصفراء كانوا عنيفين جدا وقد حرقوا الكثير من المرافق الخاصة ولعل ذلك ما حدا بالرئيس الفرنسي ماكرون ان يناشد أصحاب السترات الصفراء ان يحذوا حذو المتظاهرين في السودان وأضاف المقلي انه على كل فان هؤلاء يدركون تماما سماحة وطيبة الشعب السوداني وسلميته التي جعلتهم يمشون في الأسواق ويركضون على شارع النيل وقلما تجد مثل هذه القيم النبيلة لدى بقية شعوب العالم ، ولكنه عاد وقال انه من باب العرف البروتكولي يتحتم على البعثات الدبلوماسية ان تخطر وزارة الخارجية بحركات منسوبيها داخل وخارج العاصمة حماية وتأمينا لهم وان أصابهم مكروه لا قدر الله تخلي في هذه الحالة وزارة الخارجية والجهات المختصة الاخرى مسئوليتها، ولعل زيارة هؤلاء الدبلوماسيين الأجانب كان مردودا ايجابيا للثورة التي حظيت بإعجاب ومساندة عواصمهم والضغط في اتجاه الانتقال السلمي وتسليم الحكم الى سلطة مدنية .
السفير الاسبق بوزارة الخارجية السفير جاد كريم يجيب على اسئلتنا متطابقا في وجهة نظره الفنية مع السفير المقلي حيث قال انه بناء على تجارب ومواثيق الدول بما في ذلك اتفاقيتي فيينا للحصانة والامتيازات الدبلوماسية للعام 1962 والقنصلية 1965 انه لا يسمح بذلك دون إذن او موافقة او ترتيب مسبق من مراسم وزارة الخارجية للبلد المضيف ولا الواقع ولا المراسم تجيز ذلك . لكنه عاد وقال انه يؤيد الزيارة من باب التعاطف مع المعتصمين وهذا رأيه الشخصي، وقال انه يرى في زيارة السفير الامريكي الميدانية دعما معنويا للثوار ورحب بها تماما ، ونوه الى انه كان يجب على وكيل الخارجية او وزيرها أو المدير العام لمراسم الخارجية استدعاءهم حتى وبدون استئذان المجلس العسكري كل السفراء الذين زاروا ميدان الاعتصام الى مكاتبهم وتوجيه لوم شديد وتحذير رسمي من تكرار مثل هذا التصرف الذي يتعارض والنظم الدبلوماسية وتقاليدها حتى داخل امريكا والتي لا تسمح للسفير الاجنبي المقيم بواشنطن حتى التحرك و السفر لنيويورك إلا بتصريح كتابي من وزارة الخارجية الامريكية فضلا عن التواجد والتشجيع العاطفي لمظاهرة حول شأن داخلي كما في حال السودان , لكنه عاد وقال أما عن كيفية توظيف تعاطف القائم بالأعمال الامريكي والبريطاني وسفير الاتحاد الاوربي لصالح سودان جديد سودان الحرية والعدالة والتغيير فان ذلك مكانه غرف التفاوض والتحالف والتعاون المتبادل .
أما أحد المصادر المسؤولة بوزارة الخارجية فقد اكد على ان حماية الدبلوماسيين من مسؤولية الدولة المضيفة والتي عليها ابعاد الدبلوماسيين من مناطق التجمعات حفاظا على أرواحهم وعلى امنهم ولان مسؤولية سلامتهم في النهاية على الدولة المضيفة وليس كل الناس بنفس مستوى الوعي والفهم وتوفير حماية في ظروف تعتبر صعبة , الشيء الثاني طبعا هي من ناحية برضو فيها درجة من التدخل في شأن خاص، مثلا في فرنسا يوجد سفير ايطالي التقى بممثلين لمن يعرفوا بذوي السترات الصفراء الحكومة الفرنسية احتجت بشدة واستدعت سفيرها بروما من باب الاحتجاج , من جهة اخرى ليس معروفا الرسالة التي تريد ارسالها لهؤلاء المعتصمين وهذه الزيارات قد تفتح . وحينما سألناه عما قامت به الخارجية حيال ذلك قال المصدر اننا ننصحهم ونبلغهم وقد بلغناهم في هذه المرة ,وأكد ان التقاء الدبلوماسيين بالسياسيين متاح لكن في اطار علم وزارة الخارجية طالما انه لا يتعامل مع عناصر إجرامية السفارة لما يكون في شيء فيها خروج على العرف الدبلوماسي . واشار كذلك الى حادثة التفتيش لبعض السفراء أمام منطقة الاعتصام، وقال انه من ضمن اتفاقية فيينا عدم تفتيش الدبلوماسي إلا من خلال اجراءات مطولة وبوجود وزارة الخارجية . وقال انهم برضوخهم لهذا التفتيش وكأنما تخلوا عن حصانتهم , وعن اتفاقية فيينا التي هي أساس العمل الدبلوماسي.