mlogo

السياسة

سياسة

ثورة ديسمبر.. من مسيرة القضاة إلى إضراب الشرطة

صديق رمضان
وأنا استقل مركبة عامة متجهة ناحية الميناء البري جنوب الخرطوم عمدت إلى ادعاء إظهار تبرمي من إزاحة الطاغية عمر البشير وبديت متحسراً بصوت مسموع على ذهابه، كنت أهدف لمعرفة آراء واتجاهات من كانوا بالمركبة، بيد أنني ورغم تحسبي لأسوأ ردود الفعل إلا أن المفاجأة ألجمتني حينما انبرت لي سريعاً امرأة في العقد الخامس من عمرها وقد صبت عليّ جام غضبها وهي تشير إلى أن المواطنين ثاروا ضد الرئيس المخلوع بحثاً عن استنشاق هواء الحرية وأردفت «القصة ما أكل ولا شرب بل الشعور بالكرامة والإنسانية»، وافقها في حديثها كل من كانوا بالمركبة ورغم سعادتي بوجهة نظهرها التي لامست عصب الحقيقة إلا أنني التزمت الصمت بعد أن حققت هدفي الذي أنشده وأدركت أن الشعب السوداني اقتلع نظام الإسلاميين بحثاً عن الحرية والحياة الكريمة.
كبت وتضييق
ويعتقد طيف واسع من السودانيين ان النظام البائد يعتبر هو الاسوأ في تاريخ البلاد لجهة الممارسات التي كان يرتكبها بحق الشعب ومعارضيه، فقد امتازت فترته التي استمرت ثلاثين عاماً بالكبت والتضييق على القوى السياسية وكل من يجهر برأيه معارضاً النظام او منتقداً له حتى وان كانت دوافعه وطنية وموضوعية، وقد حكمت الانقاذ البلاد بيد من حديد حيث كانت ترى ان الحلول الامنية هي الانجع لضمان استمرارية حكمها وفي هذا الصدد فقد شنت حروباً واسعة بعدد من انحاء البلاد كما عملت على مصادرة الحريات العامة ولعب جهاز الامن الذي يفترض به ان يكون وطنياً دوراً بارزاً في جلب الكراهية الى نظام الانقاذ وبجانبه سيئ الذكر الامن الشعبي، فالصحف ووسائل الاعلام كانت تجد صعوبات بالغة في كشف الحقائق كاملة بفضل الرقابة الصارمة المفروضة عليها من قبل الامن، كما ان الاحزاب السياسية لم تكن تستطع ممارسة نشاطها بداعي القيود التي فرضها النظام عليها حتى داخل دورها، وكان المواطنون يجدون صعوبات بالغة في الجهر برأيهم وان فعلوا فان مصيرهم المحتوم هو زنازين النظام، لذا فان البحث عن الانعتاق من براثن المستعمر الوطني كانت من ابرز روافع ودوافع ثورة ديسمبر التي ازاحت نظام الانقاذ.
بدون كوابح
من يتجول في الشارع السوداني يقف على حدوث متغيرات كبيرة عقب الحادي عشر من ابريل الذي شهد ابعاد البشير عن السلطة، فلم يعد المواطنون يخشون الجهر بآرائهم مثلما كان حادثاً خلال عهد الانقاذ الذي كانت قبضته الامنية على اشدها ، فمن يتصفح الصحف الصادرة في الخرطوم ويشاهد القنوات الفضائية السودانية ويستمع الى الاذاعات المحلية تتبدى له حقيقة عودة الحريات دون سقوفات محددة، والانتقادات في وسائل الاعلام المختلفة لم تعد مثلما الماضي توجه سهامها ناحية المعارضة والحركات المسلحة بل ذهبت في اتجاه مختلف وهي تكشف فظائع عهد الانقاذ وجرائمه بل حتى قادة المجلس العسكري توجه ناحيتهم الانتقادات، ولاول مرة فان وسائل الاعلام السودانية يمكنها دون محاذير استضافة كل اطياف الاحزاب السياسية التي مارس عليها النظام المندحر كبتاً واضحاً، ومن المشاهد التي لم يألفها الشعب السوداني طوال ثلاثين عاماً الحرية الكاملة في تسيير المواكب دون الحصول على تصديق كما كان يشترطه النظام البائد ليس ذلك وحسب بل تتحرك المواكب بحرية وتهتف بما تريد دون ان تتصدى لها القوات الامنية والشرطة بالضرب والقتل واطلاق الغاز المسيل للدموع، وفي موكب صادفته بشارع المك نمر كان المتظاهرون وهم في طريقهم لساحة الاعتصام بالقيادة العامة يرددون اهازيج تطالب بحل جهاز الامن واعادة الهيبة الى القضاء وهم يمرون بالقرب من جنود الجيش والشرطة الذين اكتفوا بالابتسام والتلويح بعلامات النصر، وهو الامر الذي فسره احمد وهو شاب ثلاثيني بالتجسيد الحقيقي للحرية التي انتزعها الشعب السوداني باقتلاعه لنظام الانقاذ وقال انه مثل غيره يشعر بانه خرج الى الوجود بعد نجاح الثورة وذلك لتنفسه الحرية التي كان يفتقدها في ظل عهد النظام البائد، ولا تتوقف مظاهر الحرية على المواكب واجهزة الاعلام بل طالت حتى مؤسسات الدولة التي كان موظفوها وتحت عصا الامن لا يستطيعون التعبير عن رؤاهم بحرية.
الاعتصام... هواء نقي
اما في ساحة الاعتصام بالقرب من القيادة العامة فان المشهد يبدو مختلفاً كلياً حيث يمكن للزائر ان يلحظ سقف الحرية غير المحدود الذي افرزته ثورة ديسمبر، في هذا المكان الذي كان ممنوعاً الوقوف امامه بات مزاراً للاسر السودانية لاستنشاق هواء الحرية والاستيثاق من حقيقة ذهاب نظام الانقاذ بكل جبروته، فالمعتصمون يتحدثون في كل شيء دون مكابح فحتى قائد المجلس العسكري الفريق اول ركن عبدالفتاح البرهان وبجانبه نائبه الفريق اول محمد حمدان حميدتي تنالهما تحت سمع وبصر الاجهزة الامنية الانتقادات والهتافات ولا يتمتعان باي قدسية، يقول اسعد وهو خريج جامعي ان الشعب السوداني كان يعاني كبتاً حقيقياً وتضييقاً رهيباً طوال ثلاثين عاماً عمر حكم الانقاذ لم يتعرض له في كل العهود بما فيها فترة الاستعمار البريطاني لذلك اندلعت ثورته التي كانت تبحث عن استعادة كرامة الانسان السوداني التي اهدرها الاسلاميون بظلمهم، مؤكداً على ان الحرية التي حققتها ثورة ديسمبر لن يتم التفريط فيها لانه يعتبرها المدخل المثالي للتطور والنهضة.
تمرد الأحرار
والمواقف التي تؤكد ان السودانيين تخلصوا من حاجز الخوف كثيرة ولا حصر لها وقد حفلت بها الايام التي اعقبت اسقاط نظام الاسلاميين وعلى سبيل المثال فان تجار الذهب يعتبرون من اكثر الشرائح التي عانت من النظام المندحر الا ان استعماله للقوة الامنية جعلهم يلزمون الصمت خوفاً من البطش بهم وفي هذا الاطار فقد وجَّهوا انتقادات حادة لسياسات بنك السودان في التعامل، في وقت طالبوا فيه بحل لجنة الذهب التي تشكلت حديثاً من قبل النظام البائد، وسلم تجار ومصدرو الذهب مذكرة للمجلس العسكري تطالب بإعادة النظر فوراً في سياسات تجارة الذهب لصالح السودان بدلاً عن كونها لصالح فئة صغيرة احتكرت المورد أثناء فترة حكم المخلوع، وقال ممثل للتجار والمصدرين عبد المنعم الصديق إن النظام البائد قد أضاع ثروات البلاد، متهماً لجنة ترتيب تجارة الذهب بالعمل لصالح أعضائها دون مراعاة الصالح العام لجهة أن جُل أعضائها تجار ذهب، وتحرك موكب تجار الذهب من أمام مجمع الذهب بالخرطوم، الى القصر الجمهوري، ومنه الى بنك السودان ورددوا هتافات (تجار أحرار بدهبنا بننزل الدولار).
أفراد شرطة صابنها
من اكثر المقاطع التي حظيت بنسبة تداول واسع في وسائط التواصل الاجتماعي ظهور جنود وضباط من الشرطة السودانية وهم يرددون مع موسيقى عذبة احد هتافات الثوار بساحة الاعتصام وهو "سقطت ماسقطت صابنها" وكانوا يرددون المقطع وسط اهازيج وسعادة كبيرة منهم وايضاً رددوا امام نائب قائد المجلس العسكري "الكيس تعبان سرقو الكيزان" في اشارة منهم الى كيس الصائم الذي يتم توزيعه لهم قبل شهر رمضان، ولم يكتف رجال الشرطة باعلان تأييدهم للثورة وانتقاد النظام البائد بل اضربوا عن العمل في حالة نادرة واستثنائية ليوم واحد واصدروا بياناً طالبوا من خلاله "بـتنظيف الشرطة من سيطرة النظام البائد"، كما طالبوا بمحاسبة المتورطين في "فتح مخازن الشرطة ومنح زيها الرسمي وعرباتها للمليشيات الخارجة عن القانون" واكدوا على ضرورة "الحفاظ على الشرطة كجهاز قومي مهني يخدم الوطن والشعب وليس الحزب والسياسيين"، وطالب تجمع المهنيين السودانيين المواطنين بدعم مطالب المضربين و"التعاون مع ضباط وضباط صف وجنود الشرطة المضربين حتى تنعم البلاد بجهاز شرطي مهني يخدم الشعب في دولة القانون والمواطنة"، وثورة الشرطة تعتبر من مكاسب اجواء الحرية التي تظلل البلاد منذ ابعاد البشير عن الحكم.
خضر جبريل نموذجاً
ومن المظاهر التي تؤكد ان اجواء الحرية التي وفرتها ثورة ديسمبر جعلت السودانيين يتخلصون من حاجز الخوف ما فعله موظفون بادارة وقاية النباتات وذلك حينما اضطر مدير وقاية النباتات خضر جبريل للخروج من مكتبه (مطروداً) تحت حماية ضابطين من الشرطة بعد أن هتف موظفو الإدارة داخل مكتبه بشعار: “لو ترص العساكر رص ترحل.. ترحل بس” .
وتجمع الموظفون داخل مكتب جبريل وبدأوا في الهتاف بغية طرده من الإدارة، لكنه استعان بضابطين من الشرطة لحمايته، وظل الموظفون يسيرون خلف جبريل ويهتفون حتى خرج من مكتبه، وحاول بعضهم منعه من الخروج بالعربة الحكومية “بوكس” لكنه استطاع الهروب من مبنى إدارة وقاية النباتات بينما حصف بعضهم العربة بالحجارة في وقت تعالت فيه “الزغاريد” فرحاً بطرح خضر جبريل من إدارة وقاية النباتات التي قضى فيها سنوات عديدة مديراً، وذات المصير المحرج الذي قابله جبريل فقد شرب من كأس مرارته عدد من المديرين والمسؤولين الذين لم يجدوا امامهم غير التنحي جانباً بداعي ضغوط المظاهرات المطالبة بابعادهم وهذا المصير طال ثلاثة من قادة المجلس العسكري وعلى رأسهم عمر زين العابدين وممثلا الامن والشرطة حينما طالب المعتصمون بابعادهم عن المجلس لجهة انهم من بقايا النظام البائد.
القضاء...لا للقدسية
في عهد الانقاذ فان الخطوط الحمراء التي كان من العسير تخطيها كانت تتمدد كلما اشرقت الشمس ومن ضمنها القضاء الذي كان يتمتع بقدسية وهمية فرضتها القبضة الامنية التي جعلت الحديث عنه سلباً من المنكرات التي يمكن ان تتسبب في اعتقال مطلقه ورغم ان كثيرين كانوا يتحدثون سراً عن تسييس القضاء وهيمنة الاسلاميين عليه الا انهم كانوا لا يجرأون على انتقاده جهراً وعقب ثورة ديسمبر فقد تلاشت القدسية تماماً ولعبت اجواء الحرية دوراً بارزاً في توجيه سهام النقد ناحية القضاء، ليس ذلك وحسب فقد خرج قضاة في مسيرة حاشدة الى ميدان الاعتصام وانضموا للمرة الأولى إلى الاحتجاجات الشعبية.
والمسيرة هي الأولى للقضاة في السودان، منذ الفترة التي سبقت تولي البشير السلطة في انقلاب عسكري عام 1989، مما اكسبها طابعاً رمزياً وطالب القضاة بمراجعة السلطة القضائية عبر ابعاد كل من له علاقة بالنظام البائد لانهم يعتقدون بان العدل اساس الملك.
حرية.. حرية
هذه الكلمة التي تتكون من اربعة احرف وبحسب الذين تحدثوا لنا تعتبر من الاسباب الاساسية لثورة ديسمبر لذا فان كل الشواهد تؤكد ان التمسك بها خلال المرحلة المقبلة هو الامر الراجح والمؤكد حتى لا يعود الشعب السوداني القهقرى إلى عهد الكبت والتضييق الإنقاذي.

تواصل معنا

Who's Online

577 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

Search