سياسة

بعد تدفق سيول الوسطاء الدوليين.. هل يصبح السودان حلبة للصراع الدولي؟!

من كل حدب وصوب تدفق سيل الوسطاء صوب الخرطوم، التي أعياها بلوغ غايات التوافق المنشود عقب سقوط النظام السابق، فاستدعى فشلها الكثيرين شرقاً وغرباً، للعمل على تجسير المسافات بين فرقائها، وفقاً للرؤية التي تناسب كل وسيط ومصالحه، على نحو لايخلو من التقاطع مع مصالح السودان والسودانيين، وإن كان العنوان الرئيس، هو الدفع نحو استقرار البلاد، والحيلولة دون انزلاقها لهاوية الانفلات الأمني، التي سترمي بشررها في كل دول الجوار، بل وتتعداه إلى ما وراء البحار البعيدة غرباً..
سيل الوسطاء
ربما كان رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد أول من دعا السودانيين للحذر من التدخل الأجنبي، وتجنب المخابرات الدولية واستلام أموال من الخارج، وذلك في رسالة مطولة أرسلها عبر مبعوث له للخرطوم ما بعد سقوط النظام، وتطاول أمد التفاوض بين المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير، وعندما تعقدت الأوضاع أكثر بين الطرفين، بل وفي البلاد عامة عقب فض المجلس العسكري للاعتصام في الثالث من يونيو، هبط آبي للخرطوم للوساطة بين العسكري وقوى التغيير، وعندما غادر الخرطوم خلَّف وراءه مستشاره محمود درير ليواصل مهام الوساطة بين الطرفين، وفي قوت تال أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية عن إرسال مساعد وزير خارجيتها للشؤون الخارجية تيبور ناغي للخرطوم، كما أعادت ابتعاث دونالد بوث كمبعوث خاص للسودان مجدداً، وزار الاثنان الخرطوم، والتقيا بطرفي الخلاف.
كما كان الاتحاد الافريقي هو الطرف الأسرع في ابتعاث مندوب للبلاد محمود لباد الذي سعى بين طرفي الخلاف بما يقرب الشقة بينهما. كما برزت جامعة الدول العربية على الخط مؤخراً بإرسال وفد للوساطة، كما أعلن أمينها العام أحمد ابو الغيط لـ(الحدث)عن إرادته في زيارة البلاد.
مخاطر أمنية
خبير - فضل حجب هويته- فسر تدافع الوسطاء على البلاد بخشية أطرافها المتعددة من حدوث انفلات أمني في السودان، لأن الانفلات سيفضي لأوضاع خطيرة جداً، فحدوث الانفلات في ظل الاضطرابات التي تشهدها ليبيا حالياً، سيجعل السودان مرتعاً للمتطرفين، وعوضاً عن جمهورية مالي التي يلجأ لها المتطرفون سيصبح السودان وجهتهم الجديدة، فمتطرفي بوكو حرام الموجودين بالقرب من البحيرة التشادية، لن يحول بينهم وبين السودان حائل،بل كل ما عليهم اجتياز البحيرة ليصلوا إليه، ومن ينطلقوا حتى البحر الاحمر دون اية عوائق، وبجانب قضية المخدرات وتهريب البشر التي يعمل السودان جاهداً لمكافحتها بالتعاون مع الشركاء اللإقليميين والدوليين، ستبرز آفة أخرى وهي تهريب السلاح عبر السودان، والآفة الأخيرة أخطر بكثير من المخدرات وتهريب البشر، لأن ذلك يرشح الإقليم كله لمخاطر كبيرة للغاية، فمن خلال السودان يمكن تهريب السلاح لكل دول القارة، خاصة دول الجوار الثماني التي يحاددها السودان .
عدوى الانفلات الأمني
وفي تفسيره للكم الكبير من الوساطات، أشار الخبير إلى الاهتمام الدولي والإقليمي بالبلاد مرده أن استقرار الاقليم والمنطقة مرتبط باستقرار السودان، فاشتعال الأوضاع في ليبيا لا يمكن السماح معه باشتعال الأوضاع في السودان، خاصة وأن السودان بلد شاسع ومترامي الأطراف، وعدد سكانه كبير، فضلاً عن أن الدول التي يحاددها تربطه معها امتدادت قبلية كبيرة للغاية، ولها حراك واسع في الحدود، وهذه الخاصية ستؤدي لانتقال عدوى الانفلات لكل الدول المجاورة له، وهذا الانفلات لن يكون حصرياً على كل دولة على حده، بل سيضرب العلاقات بين الدول فيما بينها، وضرب مثلاً بالعلاقات الإثيوبية الإرترية التي جرى ترميمها مؤخراً، في عهد رئيس الوزراء آبي أحمد، عقب قطيعة امتدت لعقدين من الزمان، موضحاً أن عدم الاستقرار في السودان سينجم عنه عدم الاستقرار في إثيوبيا، مما يؤثر سلبياً على العلاقات بين البلدين. وعرج الخبير صوب مصر التي تحذر كثيراً من عدم الاستقرار في السودان، لأنه سيتسبب لها في مشاكل في العديد من الإشكالات في حدودها الجنوبية معها ، فضلاً عن حدودها مع ليبيا الملتهبة أصلاً، باعتبار أن المتطرفين سيفدوا إليها من السودان عبر الصحراء ، ومنها سيعمدوا للاتجاه إلى غزة بفلسطين، وتمتد المحاذير الأمنية لتشمل إسرائيل التي نفذت في السنوات السابقة عدد من الضربات الجوية داخل السودان ضد مهربي السلاح، الذي يتم تهريبه عبر الأحمر والصحراء ايضاً.
كلٌ يهتم لمصالحه
وبسؤاله عما إذا كان يرى أن تلك الأسباب تضفي الصبغة الموضوعية على تدخل اولئك الوسطاء اوضح الخبير ان كل دولة تبحث عن مصالحها، باعتبار أن الانفلات في السودان يهدد امنها، وتتفق تلك الدول على ضمان استقرار البلاد من المنظور الذي تهتم له، أما مصلحتنا نحن كمواطنين سودانيين أن يتحقق الاستقرار في بلادنا دون أن يتأثر ذلك بتقاطع المصالح للدول الأخرى، وفصل حديثه بالقول: هناك دول تريد أن تتقلد قوى الحرية والتغيير السلطة كاملة، ودول أخرى لا ترغب في وجودها في المشهد السياسي الرسمي، ودول أخرى تهتم لتنظيم انتخابات بأعجل ما يمكن، ودول أخرى لا تريد الانتخابات، ودول تهتم بأن تكون السلطة كاملة لدى المجلس العسكري، علاوة على دول ترغب في أن يكون المؤتمر الوطني شريك في السلطة ودول لا ترغب في ذلك.
أضرار الانتساب للمحاور
وفي ما يتعلق بالحلول اللازمة إزاء هذا المشهد المعقد، تحدث الخبير عن ضرورة أن يتحلى الطيف السياسي في السودان بالرشد، وألا يترك البلاد نهباً لمصالح الدول الأخرى، وذلك بأن تتواضع على تقديم التنازلات المطلوبة، والتي تحقق المصالح العليا للبلاد، وتحفظ أمنها واستقرارها، مشيراً إلى مخاطر الميول إلى المحاور الإقليمية والدولية، واصفاً إياه بالضار جداً، وأضاف ثمة محور يبحث عن تغييب الإسلاميين من المشهد السوداني تماماً، وفي المقابل هناك محور آخر راغب في وجود الإسلاميين بشدة، ومحور لديه رأي في الشيوعيين وغير راغب فيهم، وسمى روسيا التي قال إنها تهتم كثيراً لأن يكون للمؤتمر الوطني دور مؤثر في المرحلة المقبلة، وهكذا فكل دولة او محور ينظر للسودان من الزاوية التي تخدم مصالحه وتوجهه السياسي .
وبالإشارة الى دور المجلس العسكري فيما يلي التنازلات التي تقدمها الأطراف المختلفة نزولاً عند المصلحة الوطنية العليا، وأوضح الخبير أن المجلس تتوفر لديه السلطة الفعلية، أي سلطة اتخاذ القرار وسلطة الدفاع عن أمن البلاد وسلامتها ، بينما تتوفر لقوى الحرية والتغيير الشرعية الثورية، مشيراً إلى أن العسكري قدم التنازلات المطلوبة من جانبه .
وصاية دولية
من جهته أشار الخبير الإستراتيجي محمد حسين أبوصالح إلى أن التأخير في تشكيل الحكومة في فترة وجيزة بعد سقوط النظام السابق هو السبب في تعدد الوسطاء، فكل دولة لديها مصالحها التي تهتم لها، ونحن في عالم تحكمه المصالح، وهذا الحال الماثل أمامنا ليس من المصلحة السماح للآخرين بالتدخل في شؤوننا الداخلية، وتساءل في حديثه لـ(الإنتباهة) عن ماهية الدواعي والأسباب التي أدت لهذا التدخل الأجنبي الكثيف، مشيراً إلى أن التدخل الأجنبي يفرض الوصاية الدولية، فالتدخل الأجنبي لا يعني الحل في الغالب الأعم، وضرب مثلاً بعدد من الدول التي شهدت تدخلاً أجنبياً بالسؤال التالي: ماذا فعل التدخل الأجنبي في كل من العراق وسوريا وليبيا واليمن وجنوب السودان ؟ً!
ونوه أبو صالح الى أن بعض الدول في المنطقة مضت في حل أزماتها الداخلية دون أية تدخلات أجنبية، على سبيل المثال تونس، التي تمكنت من حل أزماتها بعد الثورة، وتشهد اليوم استقراراً ملحوظاً .
صراع إستراتيجي
وفي ما يتعلق بمآلات التدخل الأجنبي من خلال الوسطاء عاد ابوصالح ليسأل عن ماهية المشكلة التي استدعت التدخل الأجنبي في البلاد، مشيراً إلى أنه لايوجد ما يستدعي ذلك التدخل. وقال كيف تطالب قوى الحرية والتغيير بالتدخل الأجنبي؟، مشيراً لدعوتها بتشكيل لجنة تحقيق دولية في فض الاعتصام في الثالث من يونيو، بجانب نقل المفاوضات إلى العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، وفي تعليقه على تلك المطالب، قال يبدو إن قوى التغيير غير مدركة لطبيعة الصراع الإستراتيجي الدولي في المنطقة التي نحن جزء منها، وأضاف السودان يقع في منطقة تشهد صراعاً إستراتيجياً عميق حول المصالح.
وبناء على ذلك ذهب الى أنه ليس من المنطق والمصلحة الوطنية أن نسمح بالتدخل الأجنبي في شؤوننا خاصة وأننا في مرحلة الترتيب والتأسيس، كما لا توجد دواعٍ حقيقية تستدعي التدخل الأجنبي.
غياب العلاقة الفكرية
وبشأن الحلول التي تمثل الترياق المضاد لسموم التدخل الأجنبي أوضح أبو صالح أنه ما من حل غير أن يتم التفاوض بين كل القوى السياسية التي شاركت في الثورة، وأن يتم استثناء المؤتمر الوطني من هذه المفاوضات .
وفي تفسيره لجانب من تداعيات المشهد الراهن، لفت ابو صالح إلى أن غياب العلاقة الفكرية بين الثوار الشباب وقادة الثورة ممثلين في تجمع المهنيين، فالعلاقة بين الطرفين هي علاقة (تسقط بس)، لذا فإن الثوار لم يفوضوا أحداً بأجندة سياسية او اقتصادية او اجتماعية محددة، خاصة وأن الثوار يمثلون كل الطيف السوداني ، من مستقلين ويسار ويمين واتحاديين، ووسط، لذا لا يمكن أن تنحاز الثورة لأجندة اليمين او اليسار، فالثورة قام بها السودانيون بكل تنوعهم، لذا لابد من حكومة تمثل كل هذا التنوع السوداني.