mlogo

السياسة

سياسة

المجلس العسكري أكد خطورتها.. (الدولة العميقة)... بدء رحلة الصيد

في مساء السابع من شهر رمضان خرج شباب غاضبون بحي المايقوما بالحاج يوسف شرق العاصمة الخرطوم في مظاهرة ضخمة وهم يرددون في تناغم وصوت قوي شق عنان السماء: (السبب الكيزان يا برهان)، وبرهان المذكور هنا هو قائد المجلس العسكري وحاكم السودان منذ الثاني عشر من الشهر المنصرم، أما الكيزان فهو لقب يطلق على جماعة الأخوان المسلمين وجناحهم السياسي حزب المؤتمر الوطني-محظور النشاط-، وقد حمّلهم الشباب الثائر سبب انقطاع الكهرباء لمدة 36 ساعة عن منازل الحي العريق، وعلى غرارهم تتملك كثيرين قناعة راسخة بأن أفراد وجماعات من النظام البائد لا يزالون في مفاصل الحكم يضعون العراقيل في طريق ثورة ديسمبر ويعمدون إلى إحداث أزمات لإثارة الرأي العام ضد المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير التي تقف خلف خلع الطاغية عمر البشير.
عقبات ومتاريس
مثلما وضع الثوار الذين أطاحوا بالرئيس المخلوع عمر البشير متاريس في ميدان اعتصامهم امام قيادة القوات المسلحة للحيلولة دون فضه، فان طيفاً واسعاً من المواطنين يتملكهم يقين لا يدانيه الشك ان الاسلاميين الذين ثار الشعب في وجه تنظيمهم يعملون على افشال الثورة بوضع العراقيل على طريقها ويستدلون في تعضيد دعواهم بعدد من الامثلة والاسانيد منها دخول جهات مجهولة الى السوق الموازية للعملة الحرة خلال الايام الماضية لشراء اكبر كمية من الدولار الامريكي وهذا الفعل اسهم مجدداً في انخفاض قيمة الجنيه السوداني بعد ان شهد انتعاشة ملحوظة عقب الحادي عشر من ابريل تاريخ ازاحة البشير، ويشير تجار الى ان الجهات التي نشطت في شراء الدولار تبدو مجهولة وحتى اسباب اندفاعها غير معروفة غير ان البعض ربط بين الاسلاميين وشراء الدولار بكميات ضخمة، ولفتوا الى ان هذا الصنيع غير مستغرب منهم لجهة انهم وحينما كانوا في رصيف المعارضة في عهد الديمقراطية الثالثة عمدوا الى ادخال حكومة رئيس الوزراء الصادق المهدي في مواقف محرجة عبر اصطناع الندرة في عدد من السلع بشرائها ورميها في النيل، وعلى ذات الصعيد فان الازمات المصطنعة لم تقتصر على شراء الدولار لرفع سعره بل طالت بشكل اساسي الخدمات خاصة الكهرباء والمياه والوقود، وكشف مصدر لـ"الانتباهة" ان الاحتياطي الموجود من الدقيق والوقود يعد كافياً ولا تشهد البلاد ندرة ويلفت الى ان بعض اذيال النظام البائد تعمل على خلق الازمات حتى تثير غضب المواطنين، اما على صعيد المواصلات العامة بالعاصمة الخرطوم فقد كشف مصدر لـ"الانتباهة" عن حركة مريبة تشهدها شركة مواصلات الخرطوم تتمثل في تعمد اخراج اكثر من مائة بص عن العمل لاسباب تبدو غير مقنعة، وقال ان العديد من البصات الحديثة والجديدة تم ايقافها بورشة الشركة جنوب وسط الخرطوم، مبيناً عن توقف بصات اخرى رغم حاجتها لقطع غيار زهيدة الثمن يمكن شراؤها من واقع ان ايراد البص اليومي يبلغ الف وخمسمائة جنيه وطالب المجلس العسكري بالتدخل لايقاف ما يحدث في الشركة الحكومية حتى لا تتفاقم ازمة المواصلات.
عاصمة وولايات
وعلى ذات صعيد وضع المتاريس من قبل الدولة العميقة لافشال ثورة ديسمبر، فقد كشف مدونون بوسائط التواصل الاجتماعي الكثير من الامثلة وابرزها اكتشاف السبب الاساسي لانقطاع التيار الكهربائي بالكامل عن مدينة المناقل وضواحيها لاكثر من اربعة ايام، واوضح مدونون انه تمثل في حل "صواميل" القاعدة الارضية للابراج الناقلة للكهرباء الى المحلية من محطة مارنجان مما تسبب في سقوط ثلاثة ابراج على الارض بالقرب من قرية الوراق ابوسنينة ومهلة الواقعة بين مدني والمناقل وقد تم اصلاحها بواسطة عمال وفنيي شركة الكهرباء.
اما بحي الحتانة بالخرطوم فقد كشف مدونون عن تنظيم الشباب حملة لمعرفة أسباب قطوعات المياه بالمنطقة وتوصلوا الى حقيقة ان الامر تم بفعل فاعل عمد الى اغلاق "بلوفة" الخط الناقل الواقعة بالقرب من مدرسة الدولب والمقابر و بمربع 3 الواحة.
الدولة العميقة
والدولة العميقة التي تتردد هذه الايام على الالسن ويحمّلها المواطنون سبب الازمات التي تشهدها البلاد فان تعريفها الشائع عالمياً انها دولة بداخل دولة، وهذا المفهوم غير اختصاصي يستخدم لوصف أجهزة حكم غير منتخبة تتحكم بمصير الدولة (كالجيش أو المؤسسات البيروقراطية المدنية أو الأمنية أو الأحزاب الحاكمة والانظمة السابقة والبائدة)، وتتكون الدولة العميقة بهدف مؤامراتي أو بهدف مشروع كالحفاظ على مصالح الدولة كنظام حكم ،ويفترض أن للدولة العميقة عناصر موجودة في مؤسسات ومفاصل الدولة المدنية والعسكرية والسياسية والإعلامية والأمنية، وتقدر هذه العناصر التي تعمل صوب أهداف مشتركة من التأثير وتوجيه مؤسسات الدولة الرسمية وقراراتها السياسية، ومن الأمثلة الشائعة على مفهوم الدولة العميقة، الدولة المتجذرة في تركيا، وفي الولايات المتحدة (وكالة الأمن المركزي واللوبيات), ومصر (الجيش و كبار رجال الأعمال)، وفي الحالة السودانية فان الدولة العميقة ظلت موجودة طوال عهد حكم الانقاذ البائد وهذا ما كشفت عنه منظمة كفاية في العام 2017 في تقرير مطول اوضحت خلاله كيف يقوم النافذون بخصخصة ثروات السودان، ويوضح التقرير كيف أن دائرة داخلية قوية بالنظام حولت لملكيتها الخاصة عائدات النفط والذهب والأراضي بهدف الثراء الفاحش وللإبقاء على هيمنتها على السلطة من خلال استخدام اساليب مختلفة، ووقتها قال الدكتور سليمان بلدو، كبير مستشاري مشروع كفاية: “إن دولة السودان العميقة هي بناء معقد للفساد الرسمي والقوة المفرطة وقد خصخصت دائرة داخلية في السلطة الثروات الطبيعية للبلاد من نفط وذهب وأراض زراعية ولحماية مكاسبهم غير المشروعة وضمان بقاء النظام، يخصص أولئك الذين يحكمون السودان موارد غير متناسبة لقطاع الأمن والاستخبارات المتضخمين، ويهملون الخدمات الاجتماعية الأساسية، ولفت الى أن القوة الاقتصادية الناتجة عن ذلك لجهاز الأمن والمخابرات خلقت تشوهات هيكلية كارثية في الاقتصاد السوداني اثرت على القطاع الخاص ورجال الأعمال من المساهمة بشكل كاف في ازدهار الوطن ورفاه الشعب السوداني.
وجود رغم السقوط
ورغم ذهاب نظام الانقاذ الا ان دولته العميقة لا تزال شاخصة وتتربص بالثورة وهذه الحقيقة كشف عنها المجلس العسكري، الذي أكد أن عملية تفكيك الدولة العميقة لنظام الرئيس المعزول عمر البشير تتطلب نحو خمسة أعوام، وقال الناطق الرسمي باسم المجلس، شمس الدين الكباشي: «لا ننكر وجود الدولة العميقة، وهذا ما يجعلنا نستعجل تكوين الحكومة الانتقالية، لأننا لن نستطيع أن نتخلص منها لو حكمنا لمئة عام، لأن عمرها 30 عاماً والمهمة من اختصاص الحكومة الانتقالية»..
محاولات وصعوبات
وسعى المجلس العسكري الى تفكيك دولة الانقاذ العميقة باتخاذه عدد كبير من القرارات خاصة على صعيد اعفاء موظفين بالخدمة المدنية منتمين للمؤتمر الوطني حيث طال سيف الاقالة العسكري النائب العام عمر أحمد محمد عبد السلام وهشام عثمان إبراهيم صالح من منصبه مساعد أول النائب العام وإنهاء خدمة عامر إبراهيم ماجد رئيس النيابة العامة، وقضى القرار بتكليف الوليد سيد أحمد محمود بتسيير مهام النائب العام، ولم يكتف المجلس العسكري بذلك بل اردف قراره هذا باعفاء رئيس السلطة القضائية وعين بديلاً له وتندرج هذه القرارات تحت اطار تفكيك الدولة العميقة واعادة الهيبة الى القضاء والنيابة العامة بعد ان غشيتهما رياح الضعف والتمكين، وكذلك طالت الاعفاءات مدير عام الهيئة السودانية للإذاعة والتلفزيون محمد حاتم سليمان من منصبه،علاوة على اعفاء سفراء السودان بواشنطون والامم المتحدة محمد عطا ومصطفى عثمان اسماعيل وسناء حمد ومعتز موسى وياسر يوسف، كما طالت الاعفاءات الامين العام لديوان الزكاة ومدير الضرائب ومدير صندوق الضمان الاجتماعي، وكذلك تم اعفاء السفير العبيد أحمد مروح من منصبه كوكيل لوزارة الإعلام والاتصالات، والمهندس حسب النبي موسى محمد من منصبه كوكيل لوزارة الموارد المائية والكهرباء، والدكتور زين العابدين عباس محمد الفحل من منصب الأمين العام للمجلس القومي للأدوية والسموم، وعبدالماجد هارون الذي تم اعفاؤه بعد يوم واحد من تعيينه وطالت الاعفاءات ايضاً وكيل وزارة الخارجية عقب اصداره بياناً أعلن خلاله عن ترتيبات لزيارة وفد قطري للخرطوم دون التشاور مع المجلس الانتقالي، وكذلك تم اعفاء مدير التأمين الصحي ومفوض حقوق الانسان ولا يزال حبل الاقالات على الغارب من اجل تفكيك الدولة العميقة، وينظر مراقبون الى هذه الاعفاءات ورغم انها طالت عدداً مقدراً من رموز النظام من زاوية انها خطوة مهمة في طريق الاصلاح غير انهم يؤكدون على ان الكثير من المؤسسات والوحدات الحكومية لا تزال تحتاج لاعادة نظر لجهة وجود منسوبي المؤتمر الوطني على رأسها ويرهنوا استمرار موجة الاقالات بتسريع المجلس العسكري لخطواته او تعيين الحكومة المدنية.
أثر وشبح
واتهام الدولة العميقة بوضع المتاريس امام ثورة ديسمبر لا يتوقف على خلق ازمات سياسية وحسب وفي هذا الصدد يشير ناشطون بميدان الاعتصام ومنهم اشرف عكاشة وعثمان عبيد وعبود محمد سعيد، الى ان الدولة العميقة تعتبر سبباً مباشراً لتعثر المفاوضات بين المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير من اجل اطالة امد الفراغ الدستوري للحيلولة دون وصول اتفاق بين الطرفين يفضي الى تكوين المستويات الثلاثة للحكم، ويلفتون الى ان الدولة العميقة تقف وراء حراك احزاب"الفكة" الرامي الى بعثرة الاوراق، ويعتقدون بان قطع الطريق امام عناصر النظام السابق من شأنه تسريع وتيرة انزال اهداف الثورة على ارض الواقع، مؤكدين على ان المتاريس السياسية التي تضعها الدولة العميقة لن تصمد طويلاً امام الارادة الشعبية.
خطورة بالغة
يعتقد المحلل السياسي الاعلامي ماهر ابوالجوخ انه وبشكل مباشر فان اثار ومخاطر الدولة العميقة على الثورة ترتبط بشكل اساسي بتكوين مؤسسات الدولة خلال العقود الثلاثة الماضية، التي تأسست على اساس الولاء الحزبي لا الكفاءات وارتبطت ورُبطت بالحزب الحاكم ومؤسساته وبالتالي بحسب ماهر في حديثه لـ"الانتباهة" فإن هذا التغلغل والانتشار يتيح بكل سهولة ويسر اتخاذ مواقف وافتعال ازمات يتضرر منها المواطن بشكل اساسي بغرض جعل المقارنة العادية في مصلحة النظام السابق ويحقق في نفس الوقت بشكل مزدوج اضعاف لشكل وقدرة السلطة الثورية الجديدة.
ويضيف ابوالجوخ: الخطورة الحقيقية لوجود الدولة العميقة -ويطلق عليها هذا التوصيف باعتبارها منتشرة في كل مفاصل الدولة- بانها تستغل وجودها داخل مؤسسات الدولة للعب دور معكوس تماماً فهذه المؤسسات مناط بها وضع الاجراءات التي تساعد في تحقيق الاستقرار ولكنها عوضاً عن ذلك تستغل وجودها لاحداث الاضطرابات وبث عدم الثقة واثارة الازمات، صحيح ان البعض قد يعتقد ان هذا المنهج التخريبي قد يبدو وكأنه منسق ومنسجم ويدار بشكل مخطط لكن اعتقد ان انشطة الدولة العميقة حتى اللحظة تدار بشكل لا مركزي تتفق في الهدف بالعمل على اثارة الازمات كل حسب مقدرته وتقييمه للاوضاع والذي اعان الدولة العميقة واتاح لها فرص تجميع انفاسها ومباشرة انشطتها هو غياب الحكومة بسبب تطاول امد المباحثات بين المجلس العسكري وقوى التغيير، وهذا الوضع اتاح للدولة العميقة التمدد في هذا الفراغ لكن في ذات الوقت فان التوصل لاتفاق بين المجلس العسكري وقوى التغيير والشروع في تكوين حكومة ومباشرتها لمهامها سيكون بمثابة المسمار الاول في نعش الدولة العميقة نظراً لتمتع الحكومة باتجاه اكثر ثورية في ما يتصل بالتعامل مع محاولات اجهاض الثورة على عكس المجلس العسكري الذي وضح تماماً انه يتجنب اتخاذ اي قرارات ذات طابع تتفيذي لتجنب اي اتهامات قد توجه له باعتباره يسعى لتوطيد سلطته بشكل مباشر فان بداية النهاية لانشطة الدولة العميقة ستبدأ فعلياً في اللحظة التي ستباشر فيها الحكومة المدنية الانتقالية لمهامها.

تواصل معنا

Who's Online

746 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

Search