السياسة

سياسة

المؤتمرات العامة للقوى السياسية.. التلوِّيح بعصا (الجزاءات)

محمد جمال قندول 
مما لا شك بأن المشهد السياسي يعاني من بعض الاختلالات والتي تأتي في مقدمتها كثرة الأحزاب السياسية والتي فاق عددها الـ 100، ولك أن تتخيل أن أكثر من 90% من هذه المكونات السياسية المطروحة وفق العدد التقريبي أعلاه والذي يمكن أن يكون أقل مما الرسمي الموضوع بطرف مجلس الأحزاب، إنها لم تعقد مؤتمراتها العامة وفي حين أن جلها لا تمتلك المقومات الكاملة للحزب السياسي الذي بالإمكان أن يجذب الجماهير، وعلى مستوى الأفكار والأطروحات ظل المشهد يألف التشابه وسط هيمنة واضحة للأحزاب اليمينية على الساحة وتراجع المكون اليساري الذي فيما يبدو اندثر بفعل عدم التجديد في ما يطرح. 
مؤتمرات مستمرة
الحزب الحاكم المؤتمر الوطني بخلفيته الإسلامية، ظل الأكثر اتزاناً بالساحة السياسية، وذلك بعقد مؤتمراته العامة باستمرار فضلاً عن استمرار الشورى بصورة راتبة. ولعل آخرها الذي انعقد قبيل العيد بأيام مؤتمر الشورى الشهير الذي أوصى بترشيح رئيس الجمهورية المشير عمر البشير كمرشح للوطني في الانتخابات المقبلة المزمعة في 2020م. 
وفي أكتوبر من العام 2014 استطاع أن يعقد مؤتمره العام بحضور ومشاركة واسعة محلية وإقليمية، وذلك بأرض المعارض ببري وبمشاركة (6) آلاف من عضوية الوطني وحسم آنذاك ترشيح البشير لدورة انتخابات 2015م.
حسناً وبصورة مفاجئة ولأول مرة يكشف رئيس حزب الأمة القومي الصادق المهدي تحديد تاريخ لانعقاد مؤتمر حزبه العام وذلك في التاسع من ديسمبر المقبل فضلاً عن إعلانه عن عودته الى البلاد بعد جولة لعدد من العواصم، وهذه المرة الأولى التي يتم فيها تحديد تاريخ بعينه للمؤتمر العام للحزب، بعد أن عقد آخر مؤتمر في مطلع مارس من العام 2009 ويناط بالمؤتمر النظر في انتخاب قيادة جديدة للحزب بعد أن يتقدم زعيم الحزب باستقالته رسمياً. وأضاف المهدي -بحسب ما نقلته (سودان تربيون)- أنه أبلغ قيادات الأمة ليقبلوا على تسجيل العضوية، فضلاً عن تنفيذ الاشتراكات بجانب التنسيق لأمانة الحزب العامة، وذلك لعقد المؤتمر القاعدي لمكاتب المهجر في إطار المساهمة لعقد المؤتمر العام للأمة في التاسع عشر من ديسمبر من العام الجاري. الى هنا انتهى نص الخبر . 
 انتظار لنصف قرن
الحزب الاتحادي (الأصل) لم يعقد مؤتمره العام لنصف قرن في البلاد رغم أسبقيته بريادة العمل السياسي، فالكيان ذو الخلفية الختمية والذي يتمدد مريدوه بنواحي البلاد، زعيم الختمية محمد عثمان الميرغني ظل ممسكاً بزمام رئاسة الحزب الذي تقلب في أحداثه السياسية مروراً بتنصيبه لنجله الحسن الميرغني كنائب له بالحزب ورئيساً بالإنابة ولعل الحسن سجل أحد أبرز المشاهد الساخنة للاتحادي حينما أقدم على 18 قيادياً من كبار قيادات الحزب لرفضهم الامتثال لقرار المشاركة في الحكومة مع الوطني قبيل انتخابات 2020 التي جاءت به مساعداً أول لرئيس الجمهورية وبعد أن كان السؤال الحائر (متى يعقد الاتحادي مؤتمره العام)؟ حل بديلاً عنه في عقول المراقبين وعضوية الختمية (متى يعود الميرغني الكبير)؟. فرئيس الحزب محمد عثمان الميرغني غادر البلاد قبل 5 سنوات متوجهاً الى العاصمة البريطانية لندن بغرض الاستشفاء ومنها لم يعد الى البلاد رغم الوعود التي ظل يطلقها ما بين الحين والآخر عن قرب عودته، ولعل آخرها التي كانت قبيل العيد حينما أعلن الاتحادي الأصل عن عودته في الثامن من أغسطس الماضي ولكنه لم يعد، فبالتالي تبقى الرؤية حول انعقاد المؤتمر العام للاتحادي في الفترة الحالية غير ممكنة كما أن قيادات الحزب ظل تشتكي من كلفة ترتيب انعقاد المؤتمر العام، الأمر الذي يشير الى أن الحزب العريق في حاجة الى ترتيب أوراقه بالداخل، ولن يكون ذلك إلا بعودة الميرغني ومن ثم التفكير في أمر المؤتمر العام .
المؤتمر الشعبي بدوره كان من الأحزاب التي نالت عقد مؤتمراتها العامة في الفترة الأخيرة، فقد عقد مؤتمره في الرابع والعشرين من العام الماضي وجاء بعلي الحاج أميناً عاماً، ولم يكن الشعبي ليعقد مؤتمره العام لولا وفاة عرابه الراحل ПЯКжС حسن الترابي. ورغم كل ذلك يبقى الشعبي أفضل بكثير من حيث القدرة التنظيمية وانعقاد مجالس شوراه بصورة راتبة، فضلاً عن توجهاته الواضحة بالمشهد السياسي .
وعلي صعيد أحزاب اليسار فقد فشلت أغلبها في عقد مؤتمراتها العامة عدا الحزب الشيوعي الذي عقد مؤتمره العام في العام 2016 بينما عقد المؤتمر السوداني مؤتمره العام في ذات العام بينما عقد أيضاً حزب مؤتمر البجا مؤتمره العام وبالمقابل فشل الحزب الاتحادي (المسجل) في عقد مؤتمره العام، وذلك للخلافات المتجددة بين أحمد بلال الأمين العام المكلف والقيادية بالحزب إشراقة سيد محمود وإذا ما نظرت أعلاه فإنها قراءة سريعة مما يعني أن الأحزاب التي عقدت مؤتمراتها العامة خلال السنوات الماضية لن تتجاوز
 الـ 20 من جملة أكثر من 100 حزب سياسي، الأمر الذي يشير الى أن ثمة فوضى في ممارسة العمل السياسي. 
مواعيد سراب
وعلى مدار السنوات الأخيرة ظل المهدي وقيادات حزبه يبشرون بعقد مؤتمرهم العام دون تحديد موعد قاطع وكل ما سئل أحد قيادات الأمة عن تاريخ المؤتمر العام، كانت إجابته تؤكد قيامه ولا تستطيع الجزم بمواعيده، ولكن ثمة عراقيل وأسئلة حائرة تبحث عن إجابات شافية حقيقية، قد تواجه الحزب ذو الخلفية الأنصارية إذن.. ماذا سيطرح الحزب في مؤتمره العام وهل سيترشح المهدي الذي لوح باعتزال السياسة في أكثر من سانحة قبل أن يتراجع عنها، أم سيتيح الفرصة لوجوه جديدة تعتلي منصة العمل السياسي التنظيمي للأمة؟.
وعاش حزب الأمة كغيره من الأحزاب السياسية موجة من الانشقاقات خلال العقد الأخير، فخرج مبارك الفاضل وأنشأ حزباً، وكذلك عبد الله مسار وآخرون، الأمر الذي أبرز فجوات تنظيمية كبيرة، وبالمقابل ظل المهدي يتذبذب في مواقفه السياسية وتارة مع الحكومة وتارة أخرى ضدها، فيما ينشط حالياً بالعمل السياسي خارج البلاد بعد أن اختار القاهرة منفاه الاختياري في فبراير الماضي قبل أن ترفض مصر وجود الرجل الذي غادر بعدها مطار القاهرة وظل يتنقل ما بين العواصم طارحاً أفكاره وحلوله ورغم المفاوضات التي خاضها الرجل مع أحزاب الحوار الوطني بشكل الخاص بغية إرجاعه للبلاد وممارسة عمله السياسي والانضمام لركب الحوار، إلا أنه رفض وغادر البلاد ليكرر ذات السيناريو الذي كرره حينما بقي بالقاهرة لأكثر من عامين من قبل. 
فيما يتناقل الضجر داخل الأمة من أن يؤرث المهدي أنجاله زعامة الحزب رغم مؤشرات قربه الشديد من ابنته د.مريم نائبته بالحزب والملمة بأدق تفاصيل والدها السياسية، في حين يبقى عبد الرحمن المهدي مثار جدل، فالرجل رغم معارضة والده إلا أنه في القصر مساعداً للرئيس، وتتطرأ تسريبات ما بين الحين والآخر أنه المرشح لخلافة والده رغم نفي الأخير الأمر وتأكيده على أن عبد الرحمن الآن ليس بحزب أمة. وبالنظر لما ورد أعلاه يبقى عقد مؤتمر الأمة القومي تحدياً كبيراً للأمام وقيادات حزبه خاصة وأنها حال انعقدت ستأتي في توقيت تشهد فيه البلاد متغيرات كثيرة خاصة على المشهد السياسي والانفتاح الكبير في أطروحات الشباب الذين قد يشكلون معضلة للرجل الثمانيني في طرح أية أفكار يعتبرها هؤلاء تقليدية. 
مقترحات تلوح في الأفق
حسناً.. فإن هنالك مقترحات لتعديل قانون الأحزاب السياسية سيلوح في الأفق قريباً ولعل واحدة من توصيات الحوار الوطني تنظيم العمل السياسي وفي يوليو الماضي أثار مقترحاً لتعديل القانون جدلاً واسعاً. المقترح الذي حوى 10 تعديلات كانت مادة دسمة للصحف، ولعل أبزر النقاط الواردة فيه على تجميد نشاط اي حزب سياسي حال فشله في عقد مؤتمره العام بعد مضي خمس سنوات، وذلك من آخر مؤتمر عام أقامه، فضلاً عن يكون الحد الأدنى لأي حزب 2 ألف عضو بدلاً عن 500 وأن تكون قاعدته في 10 ولايات بدلاً عن ولايتين او 3. 
اندماج
الأمين العام لمجلس الأحزاب عبد الرحمن ضرار طالب في تصريحات صحافية سابقاً القوى السياسية المتشابهة في الأفكار الى الاندماج وذلك في إطار تطوير الممارسة السياسية. وأشار الى أن الواقع العملي لتطبيق القانون أبرز عدداً من الإشكالات القانونية، وذلك لجهة أن الأحزاب المسجلة بلغت (93) حزباً سياسياً. ويرى مراقبون أن المشهد السياسي الحالي بحاجة ماسة الى ضبط الممارسة السياسية التي لن تكون إلا بتنظيم عمل الأحزاب وفق ممارسة ديمقراطية مرتبة وذلك بضرورة تقليص عدد الأحزاب والضغط بقوة لدمج الأحزاب ذات الأطروحات المتشابهة في سبيل سيطرة مجلس الأحزاب على المشهد وتنظيمه بصورة أكثر مواكبة للحداثة السياسية، فضلاً أن يجبر مجلس الأحزاب القوى السياسية لعقد مؤتمراته العامة لضمان انسياب مبدأ تبادل الأفكار والقيادات داخل التيار الواحد، الأمر الذي قطعاً سيكون له مردود إيجابي على المشهد السياسي، فيما يرى آخرون إنه ينبغي الإسراع في تنفيذ تعديلات على قانون الأحزاب السياسية، وذلك لفرض رقابة أكثر على القوى السياسية في ممارستها، خاصة وأن كثرة عددها بات يسبب سخرية واسعة وصلت لحد أن يتفوه البعض بعبارات (تشيل ليك شنطة و500 عضو يوقعوا في ورقة وتعمل حزب)! واعتبروا مثل هذه الإشارات تدل على الفوضى وأنها تعزز أن تكون الممارسة السياسية لغرض الاستفادة من المناصب المرموقة، الأمر الذي يلغي بصورة تدريجية مبدأ أن تكون الأحزاب السياسية هي الحارسة لبوابة الوطن وتشكيل الوعي العام. واعتبر مراقبون بأن خطوة إعلان المهدي لعقد مؤتمره العام مبادرة في الاتجاه الصحيح لترتيب أوراق حزبه، غير أنهم طالبوه بأن ذلك لن يكون بإطلاق الوعود من الخارج، وإنما ضرورة عودته لترتيب هذا الأمر من الداخل. ودعا مراقبون الأحزاب السياسية لضرورة أن تعقد مؤتمراتها وأن يلجأ مجلس الأحزاب لفرض عقوبات سياسية وجزاءات على القوى التي ترفض الامتثال لهذا القرار.
 المراقبون اعتبروا أن الأزمات الاقتصادية التي تمر بها الأحزاب السياسية، ظلت واحدة من الأسباب الرئيسة التي أدت الى عدم قيام مؤتمرات عامة لغالبية الأحزاب السياسية، وأشاروا الى أن الحلول تقتضي أن تتدخل الدولة وتدعم المكونات السياسية.

شاركنا برأيك

هل تتوقع أن يتجاوز الطاقم الاقتصادي الحالي الازمة؟

تواصل معنا

حالة الطقس بالخرطوم

Who's Online

826 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

Search