سياسة

"العسكري" أدار لها ظهره.. المبادرة الإثيوبية تدخل غرفة الإنعاش

حالما تظهر أية مطبات سياسية في السودان تستدعي تدخل العقلاء والنخب السياسية، إلا وتتكالب عليه الدول كل في إطار أجندته لطرح مبادرات للحلول، وظاهر هذه المبادرات قيادة السودان نحو حل يوفق أطراف الخلاف للوصول الى حل سياسي شامل يرضي الجميع، وباطنها التمحور حول مصالح ضيقة ليس للسودان فيها لا ناقة ولا جمل، أو هكذا يبدو المشهد في بعض تفاصيله.
بعد ثورة 19 ديسمبر التي أنهت النظام السابق وأتت بقوى الحرية والتغيير على رأس القوى السياسية السودانية، وبالمجلس العسكري الانتقالي على رأس الأجهزة الرسمية التي تدير البلاد الى حين تكوين حكومة انتقالية تعقبها الانتخابات, حاول الطرفان الوصول الى حالة النقاء السياسي المنشود التي تنتشل البلاد من حالة الفوضى التي عمت بالفراغ الدستوري الذي عقب الثورة وظلت البلاد تعاني من ويلاته حتى الآن, إلا أنهما لم يتفقا وتم تعليق المفاوضات بينهما عدة مرات لاختلاف الأجندة وتشتت الرؤى وهنا بدا الصراع والتكالب الأجنبي يستعر لالتقاط الكرة السودانية وتسديد هدف لصالح الدول المبادرة، حتى ولو في الدقيقة التسعون، فنشطت الجارة إثيوبيا والتقطت القفاز وقدمت مبادرة عبر زيارة مباشرة من رئيس وزرائها آبي أحمد، وأصبحت المبادرة الإثيوبية قيد النظر بعد تعليق المفاوضات بين المجلس العسكري وقوى التغيير الأخيرة والتي اتفق فيها الطرفان وباعترافهما الى نسبة أكثر من 90% ولم يتبقَ إلا الشيء القليل، حيث اتفقا على أن تمنح قوى الحرية والتغيير 67% من المجلس التشريعي وتتم مشاورتها في بقية
الـ 33% المتبقية وأن يكون لها كل مجلس الوزراء إلا أن الاختلاف البسيط والذي أدى الى هذه التدخلات، هو رئاسة المجلس السيادي الى من تؤول؟ هل الى قوى التغيير ام للمجلس العسكري الانتقالي؟ وهنا تدخلت إثيوبيا وترك آبي أحمد مبعوثاً في الخرطوم للقيام بمهمة التوسط بين الطرفين وطرح مبادرته التي تمسكت بالاتفاق السابق والبداية من حيث انتهت المفاوضات السابقة, لكن يبدو أنها لم ترضِ الطرفين او على الأقل قوى التغيير في البدء ثم المجلس العسكري لاحقاً ..
الفريق ياسر العطا قال في حوار أجرته معه (الإنتباهة) أن الاتفاق حينما تم في السابق لم تكن هناك قوى سياسية أخرى في الساحة غير قوى التغيير، لكن الآن استجدت أمور وظهرت قوى سياسية جديدة لم تكن موجودة في السابق، وقد اختلفت بعض القوى من قوى التغيير الأم وقامت بتكوين تكتلات جديدة كقوى شباب الثورة وغيرها, خاصة وأن الاتفاق لم يكن مكتوباً ويمكن التنصل عنه بكل سهولة كما قال بروف محمد عثمان زين العابدين القيادي الاتحادي وعميد كلية الدراسات العليا بجامعة الزعيم الأزهري فقد قال لـ(الإنتباهة) إنه حين طلب وثيقة الاتفاق بين قوى التغيير والمجلس العسكري ليطلع عليها من قوى التغيير، لم يجدها وتفاجأ بأن الاتفاق لم يكن مكتوباً، بل كان شفاهة وأن قوى التغيير لم تسجل حتى محضر الاجتماعات. وقد أثار هذا عدة تحفظات لدى المراقبين مما دعا البعض الى وصف المتفاوضين من قوى التغيير بأنهم ليسوا على قدر من الكفاءة والحنكة السياسية.
من جهة أخرى فقد تقدم الاتحاد الأفريقي أيضاً بمبادرة لحل المشكل السوداني والعودة للمفاوضات، إلا أن المجلس العسكري طالب بدمج المبادرتين الإثيوبية والأفريقية في مبادرة أفريقية واحدة وطرحهما معاً لمناقشتهما مما يعني ضمناً إعطاء ظهورهم للمبادرة الإثيوبية وأنها انهارت رغم إعلان قوى الحرية والتغيير الموافقة عليها، إلا أن ذلك قد تأخر كثيراً وكانت قوى التغيير قد أكدت أول أمس قبولها بكل بنود المبادرة، وكانت قبل ذلك تضع شروطاً لاستئناف الحوار تشمل تحقيقاً دولياً في فض الاعتصام، ومحاسبة كل من شارك فيه، والإفراج عن كل المعتقلين السياسيين، وإعادة خدمة الإنترنت التي قطعت منذ ما يقارب الشهر..وتنص المبادرة الإثيوبية التي وافقت عليها قوى التغيير على تشكيل مجلس سيادي من 15 عضواً يشرف على المرحلة الانتقالية، على أن يضم سبعة مدنيين ومثلهم من العسكريين، في حين يكون العضو الخامس عشر مدنياً ويعين باتفاق الطرفين..
لكن لسوء الحظ فإن هذه الموافقة الأخيرة على المبادرة الإثيوبية من قبل قوى التغيير جاءت متأخرة بعض الشيء، كما يرى المراقبون جاء بعد الانتقادات الحادة التي وجهها المجلس العسكري للمبادرة الإثيوبية وعدم التعامل معها إلا من خلال بوابة الاتحاد الأفريقي وقوله إنه تفاجأ بوثيقتين من الاتحاد الأفريقي وإثيوبيا بدلاً عن وثيقة موحدة تجمل كل المقترحات. وقال الفريق شمس الدين كباشي رئيس اللجنة السياسية بالمجلس العسكري في مؤتمر صحافي أمس إنه تم الاتفاق مع الجانبين على تقديم ورقة واحدة تحوي رؤيتهما المشتركة ومقترحاتهما لتقريب وجهات النظر بين المجلس وقوى التغيير، وقال إن اجتماعاً تم بين الطرفين والمجلس العسكري في الخرطوم تم من خلاله إخطارهما بتقديم مقترحاتهما في ورقة واحدة، ونوه كذلك الى اجتماع منعزل في إثيوبيا بين قوى التغيير مع مسؤولين إثيوبيين في أديس أبابا دون إشراك المجلس العسكري، وفيما يبدو أن المجلس العسكري من خلال هذه الملاحظة يرى أن هناك سوء نية من قبل الوسيط الإثيوبي وإلا لما انفرد بقوى التغيير بأديس دونه؟!. وأضاف كباشي إن الأولوية في المبادرات التي كثرت على السودان للاتحاد الأفريقي.
من كل ذلك يبدو جلياً أن المبادرة الإثيوبية قد تم تشييعها من قبل المجلس العسكري الانتقالي وأنه لا مجال لها رغماً عن تخوف البعض من أن ذلك ربما كان مدعاة لتدخلات أجنبية أخرى متخذة من ذلك ذريعة لأن المبادرة الإثيوبية كانت تحظى بتجاوب من المجتمع الدولي، فضلاً عن المبادرة الأفريقية.