السياسة

سياسة

التقارب الإثيوبي الإريتري..تحــــولات فــي ميـزان القـــوى

لم تكن العلاقات الاثيوبية الاريترية أفضل مما هي عليه اليوم في بدايات فترة حكم رئيس الوزراء الاثيوبي الجديد أبي أحمد، الذي أكد ان اهتماماته هي الخروج بإثيوبيا من نفق الصراعات إلى الامتياز والتخصص في الرفاه الاقتصادي بتغيير نمط الناس من البؤس والشقاء إلى دولة الاكتفاء والتصدير الخارجي.  وقلبت أول زيارة له خارجية جميع الأصعدة على سبيل المثال لا الحصر، النظرة المعادية التي كان يجدها حاكم اثيوبيا لدى بعض الدول، فاعتبرت تلك التحولات بالتاريخية .. ويجد التحول في مسار العلاقات بين اثيوبيا واريتريا اهتماماً ملحوظاً من المتابعين للاوضاع الاستراتيجية والسياسية في منطقة القرن الافريقي التي تواجه صراعاً محموماً لمجموعة من القوى الدولية باعتبار أنها من أهم المناطق الاستراتيجية لإطلالها على البحر الاحمر والنافذة على أكبر المضيقات الحيوية في العالم باب المندب وغيره من المناطق التي تشهد اكتظاظاً لحركة التجارة العالمية والدولية واماكن لسطوة الدول العظمى التي اتخذت من بعض موانئ هذه الدول مقرات مدفوعة الأجر او جراء تفاهمات اقتصادية معروفة يتمكن الطرف الآخر من الوجود عليها لتحقيق تلك الأغراض التي دفعته لهذا الاجراء.  وقد شهدت المنطقة تدفقات لطلبات دول كثيرة صاحبة نفوذ وحاجة إلى طلب تأجير موانئ دول عدة في منطقة القرن الافريقي كجيبوتي والصومال وكينيا والسودان ومصر التي تشغل تلك المساحة بتكتلات إقليمية ودولية خاصة مع دول الخليج، واخيراً دخول الامارات العربية إلى موانئ دولة إريتريا بقوة مما يجعل للتحول في سبيل العلاقات بين اثيوبيا وجارتها علاقة وطيدة بهذا التدفق في هذه اللحظات من عمر الحكومتين، بعد أن وجدت الامارات رفضاً لوجودها على موانئ كل من جيبوتي والصومال واستنفاد اغراضها هناك.
أرجوحة المصالح
لهذا كله تجد الزيارة التي يقوم بها الرئيس الاثيوبي هذه الايام لدولة اريتريا اهتماماً ومتابعة من المهتمين بشؤون المنطقة من محللي السياسة والخبراء الاستراتيجيين. وتجد زيارة ابي أحمد لاريتريا باعتبارها أول زيارة لرئيس اثيوبي منذ قطع العلاقات بين البلدين في عام 1998م ترحاباً كبيراً من الحكومات الاريترية التي رحبت بالزيارة وقامت باستدعاء حشود كبيرة لأجل إنجاحها. ويقول الخبير العسكري والاستراتيجي الفريق أول ركن عبد الباقي كرار لـ(الإنتباهة) إنه يرى في المجمل أن الموضوع معقد وتدخل فيه مختلف الجهات التي لها مصلحة كبيرة في هذا الذي يجري من وفاق ووئام بين البلدين مثل الامارات والسعودية، فالإمارات كثيراً ما تميل للاعتداء في تعاملها مع الدول الاخرى في القرن الافريقي خاصة مثل جيبوتي والصومال التي قامت بطردها من موانئها، والموقف الدولي بالنسبة للامارات يرتبط بالمصالح أكثر من الصداقة وغيرها من التعاملات الثنائية. لذلك تجد الامارات ظاهرة في كل العمليات التي تجرى في المنطقة خاصة خلال أزمتها مع دولة قطر التي تمت محاربتها من قبل دول المقاطعة الاربع. ولكن قطر لا دور سلبي لها، فدورها ودي أكثر ويتعلق ببناء العلاقات بين الدول، في وقت تميل فيه الامارات والسعودية إلى تحقيق مصالحها الخاصة وتتبع النهج الغربي، لذا هي موجودة في القرن الافريقي وساعدت في تعتيم الاوضاع في الكثير من هذه الدول.
من المستفيد
وربط كرار بين الوجود الاماراتي في منطقة ميناء مصوع والعداء الذي وقع بين السودان واريتريا ومصر العام الماضي. ويقول إن الامارات هي صاحبة الدور الاعلى في هذا التقارب مع السعودية، وعلاقتهما حتما مبنية على مصالح. ويشير إلى أن التحول السريع في علاقة اثيوبيا باريتريا على خطى زيارة أبي أحمد لاريتريا هذه الايام قد تكون مدفوعة من قبل الإمارات والسعودية التي توجود في خندق واحد ضد قطر. ويقول كرار ان الحرب بين اثيوبيا واريتريا ممتدة وانتهت في أوقات سابقة، وكان الميل الاثيوبي هو الاقرب والافضل للجيش السوداني رغم مساعدة السودان للاريتريين، وادى ذلك إلى تحقيق استقلالهم من إثيوبيا رغم ان الرئيس الاريتري وبعد أن تحول لدكتاتور قام باظهار العداء للسودان، وتحمل زيارة أبي أحمد الوجهة الاخرى له، وهي أنه رجل توافقي رغم امتلاكه أكبر كتلة موجودة في اثيوبيا وهي (الارومو)، فيما اعتبر تسوية الخلافات مع الجارة الشمالية له اريتريا هي الافضل لطي الخلافات مع المكونات الأخرى في اثيوبيا. ويؤكد عبد الباقي كرار إن الوضع في شكله العدائي بين الدول الثلاث اثيوبيا واريتريا والسودان إنما الدولة الأكثر فائدة منه هي مصر لتراكمات الازمة التي تتعلق بقسمة مياه النيل وقيام سد النهضة وغيرها من مسائل الحدود. وقال إن تغيير النظام في اريتريا من شأنه أن يدفع بالهدوء للمنطقة لتقلبية الرئيس الاريتري الحالي بين الدول مما يفضح الدول ذات النفوذ والمسيطرة على التحولات التي تجري الآن.
ميزان القوى
وفي تحليلهم للشأن بالمنطقة عقب الازمات الأخيرة التي اطلت برأسها هناك، يقول محللون سياسيون إن قطر خسرت مشروعها تماماً بالمصالحة بين إثيوبيا وإريتريا، معتبرين المصالحة بين البلدين تفقد الدوحة الأرضية والبيئة المواتية لتحقيق أجندتها. ولم تخف بعض المواقع الالكترونية التي تتبع لبعض الدول ذات النفوذ على المنطقة وتحاول فرض وجودها من خلال ما تدفعه من مساعدات لدول مثل إريتريا، أن التقارب الإثيوبي ــ الإريتري يعتبر «نقطة تحول تاريخية ستحدث انقلاباً في الميزان الإقليمي»، معتبراً أن «الخسارة ستكون لدول تعمل على تأجيج الصراع وصناعة الأزمات بالمنطقة لتمرير أجندتها الخاصة وتحقيق مكاسب معينة». وقالت هذه المواقع في قراءتها للوضع، إن «الاتفاق حال اتمامه سينعكس على المنطقة بأسرها أمناً واستقراراً، ويحقق استفادة كبرى لشعبي البلدين، حيث يعجل بدفع عملية التنمية وبسط الحريات». وأضاف: «لأن الأجواء الخالية من التوتر والنزاع، تزيل القيود على حركة المواطنين في الدولتين». واعتبر أن «إكمال التقارب سيشكل مكسباً وإنجازاً تاريخياً لرئيس الوزراء الإثيوبي أبي أحمد، الذي بادر بقبول اتفاقية الجزائر»، مضيفاً أن «جميع رؤساء إثيوبيا السابقين نجحوا في تحقيق التنمية، لكنهم فشلوا في ملف السلام مع إريتريا، مما يعزز تميز أبي أحمد، الذي بدا واثقاً من إكمال عملية التطبيع مع أسمرا».
تطبيع كامل
وتمضي أديس أبابا وأسمرا بخطى ثابتة نحو التطبيع الكامل للعلاقات الثنائية؛ لإنهاء قطيعة امتدت زهاء (20) عاماً، الشيء الذي زلزل عرش بعض الدول الطامعة في إثبات نفوذها على المنطقة، بينما وضعت قوى أخرى إقليمية في المناطق الرمادية في إطار صراعها المحموم مع تلك المبعدة، في وقت عصفت فيه بمشروعها «الاحادي» في المنطقة. ووصل وفد إريتري إلى أديس أبابا، قبل أيام، لإجراء محادثات إعادة العلاقات الثنائية، وذلك في أعقاب إعلان أبي أحمد، موافقة بلاده على اتفاقية الجزائر عام 2000 بشأن سلام البلدين. وتمهيداً لزيارة رئيس الوزراء الاثيوبي اليوم بعد ان اكتملت كل الاعدادات لها. وتوصل الوفد الذي مازال موجوداً بأديس أبابا، إلى استئناف الرحلات الجوية بين البلدين كخطوة أولى للتطبيع الكامل، وبدوره قال الناشط السياسي الإريتري وادي نوري نقلاً من صحيفة الخليج: (إن قطر أكبر الخاسرين من التقارب الإريتري ــ الإثيوبي، فهي ظلت تراهن طوال الفترة الماضية على أن تكون أقلية التقراي مسيطرة على السلطة في إثيوبيا، والتنسيق مع أطراف إقليمية أخرى لتضييق الخناق على النظام الحاكم في إريتريا لإسقاطه» بيد إن الرئيس الاثيوبي قد تعرض لمحاولة اغتيال إثر تفجير قنبلة محمولة في حشد جماهيري أثناء مخاطبته أنصاره الاسبوع الماضي بالعاصمة الاثيوبية أديس أبابا، وشملت الاتهامات العديد من الجهات المناوئة للرئيس الاثيوبي وهو يحاول الخروج عن الخطط التي ظلت ترسمها في إطار الدولة العميقة. ويربط بعض المحللين ما يجري على الاوضاع هناك بتلك الحادثة التي من المحتمل أن يكون لها ارتباط وثيق بكل التحولات التي تشهدها المنطقة والدولتان إثر الصراع المحموم بينهما في ظل العداء التاريخي.

شاركنا برأيك

هل تتوقع أن يتجاوز الطاقم الاقتصادي الحالي الازمة؟

تواصل معنا

حالة الطقس بالخرطوم

Who's Online

691 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

Search