mlogo

السياسة

سياسة

اتفاق (العسكري) و (التغيير)..(بشارة خير)!!

الخرطوم: نزار سيد أحمد
كانت الثماني واربعون ساعة الماضية حسوماً في تاريخ ثورة ديسمبر ابريل المجيدة التي قدمت مهراً غالياً في سبيل الحصول على دولة (الحرية والسلام والعدالة)، ذلكم الشعار الذي رفعته الجماهير كبرنامج عمل شامل لما هو آت من تاريخ الدولة السودانية، وبرغم حالة الاحباط والحزن الذي ساد اجواء البلاد الملبدة بالغيوم غير ان نسمات فجر أمس السبت حملت البشرى للسودانيين بالوصول الى اتفاق بين المجلس العسكري الانتقالي وقوى اعلان الحرية والتغيير حول بنود وثيقة الاعلان الدستوري التي اشفق الكثيرون على انها ستكون العقبة الكأداء امام قطار الثورة وموجها الجارف الذي ازاح حقبة مظلمة من تاريخ السودان امتدت لثلاثين عاماً، ومثلما تعاطفت السماء مع شعب السودان بهطول امطار غزيرة يوم توقيع الاتفاق السياسي، كذلك سبق اعلان الاتفاق على الوثيقة الدستورية هطول امطار متفرقة لتنبت في هذه الارض بذور الامل التي كادت تخبو.
ما قبل التفاوض
خلال الساعات التي سبقت اعلان الاتفاق على الوثيقة الدستورية عاش الشعب السوداني لحظات ترقب حذر خشية عدم الاتفاق، سيما ان الوثيقة الدستورية كانت تشتمل على ملفات ساخنة ومعقدة في ذات الوقت، هذا بخلاف التوتر الذي كان يسود الشارع العام في اعقاب مقتل الثوار في مدينة الابيض، حيث خرج سكان المدن السودانية جميعها في مسيرات هادرة منددة بالحادثة.
ساعات حاسمة
قبل بدء جلسة التفاوض المباشر بين المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير التي انعقدت في نفس اليوم الذي انطلقت فيه مواكب القصاص والعدالة لشهداء الابيض، سالت الدماء من جديد، حيث قتل اربعة ثوار في مدينة امبدة بأم درمان، غير ان وفدي التفاوض غالبا تلك الجراح ومضيا في مناقشة بنود الوثيقة الدستورية التي كانت قد شارفت على الاكتمال بعد ان نجحت اللجان الفنية في تحقيق اختراق كبير بالتوافق على معظم البنود المطروحة على منضدة التفاوض، وانتهت الجلسة الاولى التي استمرت لاكثر من عشر ساعات وخرج بعدها الوفدان والوساطة على وسائل الاعلام مؤكدين ان الاتفاق قد بات وشيكاً.
شائعات على جدران قاعة التفاوض
نهار يوم امس الاول (الجمعة) بلغت فيه التوقعات ذروتها بقرب التوقيع على الاتفاق حول وثيقة الاعلان الدستوري، حيث شهدت ردهات قاعة الصداقة حضوراً اعلامياً كبيراً، وفي خارج القاعة حضر المئات من المواطنين ينتظرون بشارة الفرح بتجاوز النقاط الخلافية، وبرغم التكتم الشديد على مجريات عملية التفاوض، غير ان التسريبات خرجت تؤكد ان الامور تمضي على ما يرام، وفي غمرة هذا الترقب تسربت معلومات تفيد بأن ملاسنات حادة قد وقعت بين ممثل الجبهة الثورية التوم هجو واحد اعضاء وفد التفاوض بقوى الحرية والتغيير، الامر الذي زاد من حدة التوتر وبدأ الناس يستفسرون عن حقيقة الامر، وقد انتقلت تلك التسريبات الى غرفة التفاوض مما دفع التوم هجو للاسراع في نفي الامر والتأكيد بأن التفاوض يسير بالشكل المطلوب، وقبل اشاعة احتداد التوم هجو من احد اعضاء وفد التفاوض عن الحرية والتغيير سرت شائعة اخرى سرعان ما تبددت مفادها ان نائب رئيس المجلس العسكري الفريق اول محمد حمدان دقلو غاضب، وانه رفض الحضور الى مقر التفاوض، والكثير من الشائعات التي نسجت اعتبرها مراقبون انها محاولة يائسة من جهات تريد ان تنسف عملية التفاوض التي اوشكت على الانتهاء.
الانتظار سيد الموقف
مضت الساعة تلو الاخرى والانتظار والترقب يتسيدان الموقف، حتى جاءت لحظة الحقيقة عند الثانية فجراً بدعوة وسائل الاعلام التي كانت حضوراً في القاعة المجاورة لقاعة التفاوض، فامتلأت باحة قاعة الصداقة بحشد اعلامي غير مسبوق وسط حضور كبير من قادة قوى الحرية والتغيير والمجلس العسكري، فانحبست الانفاس في انتظار ما تحمله كلمات الوسيط الافريقي البروفيسور محمد الحسن لباد.
اتفاق كامل او كما قال لباد
بدأ الوسيط الافريقي محمد الحسن لباد حديثه وقد علت قسماته علامات الغبطة والفرح، معلناً أن المجلس العسكري الانتقالي وقوى الحرية والتغيير قد اتفقا على وثيقة دستورية تمهد الطريق أمام تشكيل حكومة انتقالية، وقال لبا: (اجتمع وفد الحرية والتغيير والمجلس العسكري الانتقالي هذا المساء لمواصلة عملهما حول الوثيقة الدستورية، ويشرفني ان أعلن للرأي العام السوداني والوطني والدولي والإفريقي أن الوفدين اتفقا اتفاقاً كاملاً على الوثيقة الدستورية)، وزاد بالقول: (الجانبان يواصلان اجتماعاتهما هذا المساء للترتيبات الفنية لتنظيم مراسيم التوقيع الرسمي على الوثيقة مساء الأحد).
الجماهير تخرج فرحاً
وتفاجأ وفدا التفاوض والاعلاميون بحضور كبير للمواطنين خارج قاعة الصداقة في شارع النيل مرددين شعارات ترحب بالتوافق على تشكيل الحكومة المدنية، فيما اطلق بعضهم العنان لحناجرهم بالهتاف بأرواح الشهداء وسط صخب كبير بسبب أبواق السيارات والزغاريد، ومثلما كان المشهد احتفالياً امام قاعة الصداقة خرج المواطنون في جميع احياء العاصمة يحملون الاعلام وسط الهتافات والزغاريد.
التوقيع اليوم والاحتفال قريباً
عقب اعلان النبأ السار استنطقت (الإنتباهة) عضو وفد التفاوض بالحرية والتغيير الدكتور بابكر فيصل حول موعد التوقيع على الوثيقة الدستورية، مؤكداً ان التوقيع سيكون اليوم الاحد على ان تستمر الترتيبات خلال الاسبوعين القادمين للاحتفال النهائي الذي سيحضره ضيوف اقليميون ودوليون، وبشأن تأخير التوقيع من فجر السبت الى اليوم الاحد قال فيصل ان الامر مرتبط بالصياغة النهائية للوثيقة التي اوكلت الى لجنة فنية رفيعة.
ملاحظات الجبهة الثورية
ولمعرفة رأي الجبهة الثورية وعما اذا كان قد تم ادراج ملاحظاتها في الوثيقة الدستورية ام لا، قال القيادي بالجبهة الثورية التوم هجو لـ (الإنتباهة) ان انشغالات الجبهة الثورية قد ادرجت ضمن الوثيقة الدستورية، وانه خلال السياقات النهائية ستظهر كافة الملاحظات، ومضى ليقول ان الاتفاق جاء ملبياً لتطلعات الثورة السودانية في الحرية والسلام والعدالة.
جنباً إلى جنب
وفي تعليقه على الاتفاق قال رئيس المجلس العسكري عبد الفتاح البرهان إن الاتفاق انتظره الشعب السوداني منذ الاستقلال. وقال البرهان في تصريحات لقناة (العربية) إن أبواب السودان الآن مشرعة لاستيعاب جميع أبنائه ومكوناته. وأضاف رئيس الانتقالي قائلاً: (نحن جاهزون لاستكمال المشوار جنبا إلى جنب مع الحرية والتغيير). وأشار البرهان إلى أن الاتفاق أسس لبناء الحكومة المدنية لتصبح واقعاً بعد انتظار.
ملامح من الاتفاق
اهم القضايا التي كانت محل خلاف في الوثيقة الدستورية وحسمها الاتفاق أمس تمثلت في الاشراف على الاجهزة الامنية والعسكرية، حيث نصت وثيقة الاتفاق على تولي مجلس السيادة ومجلس الوزراء مهمة الاشراف على جهاز المخابرات العامة، على ان تتبع قوات الدعم السريع للقائد العام للقوات المسلحة، وهو منصب سيتم استحداثه ربما خصيصاً لهذا الغرض، وتضمنت الوثيقة ايضاً تشكيل لجنة تحقيق مستقلة حول فض الاعتصام، ونقل صلاحيات الرئيس التنفيذية لرئيس الوزراء، وإلغاء القوانين المقيدة للحريات ومحاسبة رموز النظام البائد، وإعادة المفصولين تعسفياً من الخدمة، ولعل القضية الوحيدة التي ظلت معلقة ولم يحسمها الاتفاق هي حكم الولايات بأن تظل كما هي أو العودة لنظام الاقاليم.
مبادئ وإجراءات
وبحسب عضو وفد التفاوض بالحرية والتغيير مدني عباس فإن اتفاق الطرفين حدد ثماني واربعين ساعة للبدء في تنفيذ الاتفاق الذي يضع اطاراً زمنياً لتعيين رئيس الوزراء، وعقد أول اجتماع لمجلس الوزراء.وبدورها اكدت عضو اللجنة الفنية للحرية والتغيير القانونية ابتسام السنهوري أن الوثيقة الدستورية استندت إلى مبادئ اساسية اهمها سيادة حكم القانون والالتزام بمبدأ المساءلة القانونية وعدم الافلات من العقاب، خاصة في ما يلي سوء استخدام السلطة.
ميلاد الحقيقة
وبالتوقيع على الوثيقة الدستورية اليوم تكتمل الحلقة مع (الإعلان السياسي) ايذاناً بتشكيل مجلس سيادة مدني مشترك مع العساكر، يؤسس لإدارة انتقالية في البلاد تستمر (39) شهراً، واذا كانت لحظة ميلاد الدولة المدنية التي نادت بها الثورة قد بدأت الآن، فإن لحظة الحقيقة التي تنتظر الحكومة القادمة قد بلغت الفطام، وظلت تنمو يوماً بعد يوم في شكل ازمات تلاحق المواطن في معاشه وتعليم ابنائه، وفي فاتورة الدواء والمستشفيات، والقائمة تطول وتكبر ومعها تكبر أحلام الدولة المدنية واقعاً ليس هتافاً (مدنياوووووو).

تواصل معنا

Who's Online

875 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

Search