الحوارات

الحوارات

في ذكرى مايو اللواء الركن (م) عمر محكر يواصل جديد الاعترافات (2):

هذه هي حكاياتنا مايو هذا النشيد الذي انطلق مع البداية الحمراء لتلك الثورة من ذاك العهد الذي عُرف بالمواجهات والصراعات الدموية التي جرت بين مفجّري الثورة ومناهضيها, انقلب العسكر على أنفسهم وانتصر فريق على فريق وضُرب اليسار المتحكم في مجلس قيادة الثورة آنذاك ضربة قاضية لم يفق منها طوال عقود مضت من الزمان, انقلب السحر على الساحر وانطفأت الشمعة الحمراء لتدخل مايو بمن تبقى في مجلس قيادة ثورتها مرحلة جديدة من عمرها قوامها الوسطية والقومية العربية وما عُرف بتحالف قوى الشعب العاملة, مرحلتها تلك شهدت هي الأخرى عدة انقلابات وحركات دموية مسلحة ومواجهات عنيفة منها انقلاب المقدم حسن حسين وحركة يوليو 1976م والتي أُطلق عليها اسم (المرتزقة).. لتدخل مايو من بعد ذلك مرحلة المصالحة الوطنية والتي لم تصمد الأحزاب لانعدام الثقة بين الجانبين (مايو والأحزاب) وانتهى جوهر ومضمون المصالحة, وفي أواخر عهدها انتهت مايو بالحقبة اليمينية تلك الفترة التي عُرفت بتطبيق قوانين الشريعة الإسلامية, التقت مع الإسلاميين الذين انخرطوا في مؤسسات مايو منذ المصالحة بدءاً بالقصر الجمهوري والاتحاد الاشتراكي والبرلمان, ولكن سرعان ما انقلب جعفر نميري عليهم وزج بهم في السجون وهي الفترة التي تزامنت عفوياً مع الانتفاضة الشعبية التي اقتلعت حكم مايو في العام 1985م.. بين يدي الذكرى جلسنا مع اللواء (م) عمر محكر مدير مكتب جعفر نميري.. وفي حوار امتد لحلقتين كشف حقائق تنشر لأول مرة حول محطات ومواقف واجهتها مايو وجعفر نميري.. وفي الحلقة الثانية من الحوار بدأنا بالسؤال:> مايو عندما ودعت خط الاتحاد السوفيتي سابقاً وسارت في طريق أمريكا هل تعتقد أن الخط الأمريكي هو الذي أطاح بمايو لاحقاً؟< للحقيقة والتاريخ نقول إننا لم نعادِ الاتحاد السوفيتي على الإطلاق ولكن بقيام انقلاب هاشم العطا ربما أثر ذلك, والسودان فكرياً لا يقبل أن يحكمه حزب شيوعي ولا يقبل أيضاً أي حزب منفرد يحكمه, أما حول العلاقة مع أمريكا فأقول لك وقائع مهمة جداً في احتفالات ثورة مايو في العام 1976م حضر للسودان وقتها والي ولاية تنيسي الأمريكية ويُدعى بلينتون وهو جاء بدعوة ليشهد احتفالات مايو, فكان أن حضر جلسة افتتاحية لمجلس الشعب القومي وذهب معنا لجوبا وشهد احتفالات البرلمان هناك واستمع لخطابات جعفر نميري هنا وهناك, وعندما جاء لوداع الرئيس جلس معي في المكتب وقال لي إن شخصية جعفر نميري مختلفة عنكم فأنا استمعت لخطابه في أم درمان وفي جوبا ورأيت الاستقبالات الحاشدة له, وقال لي لقد وصلت إلى قناعة بأن هذه البلاد ديمقراطية ونحن كأمريكا نريد التعاون معكم (ثورة مايو) ومع أطروحاتها, وأنا سأقدم الدعوة للرئيس لزيارتنا في أمريكا, وبالفعل تمت الزيارة والتي التقينا فيها بكل شركات البترول في لوس أنجلوس وسانفرانسسكو بل وحتى إحدى الجامعات الأمريكية العريقة هناك منحت نميري وشاح الإنجاز, ومن هنا بدأت العلاقة مع شركة شيفرون التي جاءت وأخرجت البترول, فذهابنا لأمريكا كان بقناعة فكانت العلاقة اقتصادية وبعيدة جداً عن السياسة ومن ثم جاءت السياسة لاحقاً.> هناك مواضيع فلسفية قد تكون قريبة مما حدث مؤخراً "انفصال الجنوب" فمن الملاحظ أن الجنوبيين الذين ناصروا مايو ربما كانوا صادقين في الحديث والحفاظ على الوحدة بين الشمال والجنوب عكس الجنوبيين في حقبة الإنقاذ فهؤلاء لم يشكلوا رصيداً حقيقياً لصالح الوحدة بل تبخروا جميعاً وجاء الانفصال ما رأيك هنا؟< الجنوبيون في عهد مايو كانت ثقتهم كبيرة في شخص جعفر نميري, فمايو استطاعت أن تجمع حولها الجنوبيين الصادقين بل وكل الجنوبيين ومنذ أن كان جعفر نميري قائداً لحامية توريت في العام 1966م بدأت العلاقة الطيبة والايجابية مع الجنوبيين الذين بادلوه وداً بود ومواقف بمواقف وعرفاناً بعرفان.> من الملاحظ أن جعفر نميري طوال فترة حكمه لم يتخلَ عن البذة العسكرية "الكاكي" رغم وجود المدنيين من حوله فلماذا لم تفلح كل التأثيرات والمؤثرات في أن يخلع نميري "الكاكي" ويصير شخصاً مدنياً؟< لقد كانت هناك محاولات وعمليات مدبرة موضوعة بخطط ومراحل من سياسيين أكفاء وذلك لإبعاد نميري من الزي العسكري "خلع الكاكي" وكانت كل جهود هؤلاء هي فصل القائد من القوات المسلحة وعندما يحدث ذلك يكون القائد حينها عرضة لأي عمل عدائي لأنه حينئذ يكون غير مسنود من القوات المسلحة.. فهناك جهات بوعي ودراية وبخطة موضوعة وعمل سياسي حاولت جاهدة إبعاد نميري من قيادة القوات المسلحة "خلع الكاكي", وهذه المخططات بدأت منذ العام 1976م أي بعد المصالحة الوطنية مباشرةً فمجموعات ذات مصالح مختلفة كانت تحاول الانقضاض على مايو, وحقيقة بعد العام 1982م بدأت مايو في النزول والتراجع.> تلك الفترات شهدت ظهور د. حسن الترابي وزيراً للعدل ثم مستشاراً لرئاسة الجمهورية كيف كانت علاقتك به؟< حقيقة في تلك الفترة سبق وأن تحدثت مع جعفر نميري وقلت له إن د. الترابي بعد دخولهم مايو بدأ يخطو مشواراً طويلاً بإدخال كوادره في كل المواقع الحيوية, فقال لي نميري وقتها هل تخافونه -د. الترابي- فقلت لا نخافه ولكنها محاذير فقط, كان رد جعفر نميري الأخير هنا هو ضرورة أن يعمل الترابي في القصر الجمهوري حتى يكون قريباً من عينه, وبالفعل تم إعفاء الترابي من وزير وترفيعه إلى مستشار بالقصر الجمهوري. والرجل كانت تربطني به علاقات يسودها الاحترام (د. الترابي) وكنت أزوره من وقتٍ لآخر, وعندما انتهت خدمتي في يوم 14/ 6/ 1982م وأنا مودع الموقع دخلت وقتها لمكتب د. الترابي لوداعه أيضاً وعندها قال لي يا عمر محكر نميري (طيرك) زي ما (طيرني) (أنا) فقلت له الأمر ليس كذلك وأنت الآن في موقع استشاري مرموق وكبير, فقال لي هل في يوم من الأيام تمت استشارتي في هذا الموقع والحديث لدكتور الترابي فأنا (بلا عمل وقاعد ساكت بلا استشارة), كان ردي له أنني ذكرته بعهد الشاه في إيران والخميني في فرنسا حيث أمضى الأخير فترة خمس عشرة سنة هناك وهو (قاعد ساكت) وهذه المدة كانت بالنسبة له فرصة لتفجر الثورة في إيران.> كيف كان نميري يقيّم الوزراء؟< نميري كان يفهم شغل الوزير في الوزارة أكثر من الوزير نفسه وكانت له مقدرات واضحة هنا لتلمس الأوضاع في أي قطاع وأي وزارة.> عند المصالحة الوطنية كان من المفترض أن يتم إسناد منصب كبير للصادق المهدي حسب التوقعات فلماذا أدار جعفر نميري ظهره لذلك رغم دخول بعض العناصر من حزب الأمة في مواقع وزارية مرموقة وما يدلل على هذا القول هو أن الصادق المهدي كان رده لأعوانه هو (أضاعوني وأي فتى أضاعوا) في إشارة لعدم وفاء مايو تجاهه فماذا أنت قائل ومعلق هنا؟< الأخ الصادق المهدي رجل محنك سياسياً وله تجارب ثرة وكبيرة, وأذكر أنه عندما تم اعتقاله في بداية ثورة مايو وأنا وقتها كنت سكرتيراً لرئيس مجلس قيادة الثورة, فقال لي جعفر نميري (ناس الأمن اعتقلوا الصادق المهدي) وتم ترحيله لجبيت وأنا أريد منك أن تتولى مشروع تأمينه حتى لا يصاب بأذى وقال لي لا أريد له أن يمسه سوء إطلاقاً, وبالفعل ذهبت إلى جبيت ووجدته موضوعاً في مكان لا يليق به فقمت بنقل الصادق المهدي من ذاك الموقع إلى منزل واسع وقلت إن توجيهات جعفر نميري هي تنفيذ كل ما تطلبه وترغب فيه, فقال لي الصادق المهدي أريد حضور زوجتي وأبنائي وبالفعل نقلناهم له بالطائرة.> هل كان نميري يستشعر خطراً من الشيوعيين تجاه الصادق المهدي؟< نميري كان يعرف الشيوعيين عن ظهر قلب ولاحقاً أيضاً نميري كان يعلم أنه عندما قامت أحزاب الجبهة الوطنية بحركة يوليو 1976م المسلحة وتم غزو البلاد, وقتها كان الشيوعيون فعلوا المستحيل في أنهم يتبنوا هذه الحركة, وفي صبيحة يوم الغزو كنا عائدين من أمريكا مع الرئيس وعندما بدأ النزول من الطائرة في الساعة الخامسة صباحاً, وفي سلم الطائرة والنميري بدأ في النزول وأنا كنت بجواره فصعد إلى سلم الطائرة محمد أحمد منور مدير الاستخبارات الذي قال لنميري نحن سنتحرك بسرعة منذ هذه اللحظة إلى خارج المطار مباشرةً, فسأله لماذا فكان رده أن هناك أصوات مدافع بعيدة فرفض نميري فكرة التحرك مباشرةً بقوله نحن أمضينا زمناً في أمريكا والشعب يريد معرفة نتائج هذه الزيارة وبالفعل نزل إلى المطار ودخل غرفة كبار الزوار وصرح للإعلاميين حتى من بعد ذلك تحرك, ونحن توجهنا على الفور للمدرعات وهي كانت محتلة فجمعنا القوات وذهبنا إلى سلاح الذخيرة وحررنا عدداً من المواقع العسكرية منها المدرعات والقيادة العامة وغيرها.> كيف اقتنع نميري برتبة المشير؟< حقيقة نميري ما كان راضياً بترفيع رتبته إلى مشير على الرغم من التوسع الكبير الذي طرأ على القوات المسلحة فهو كان رافضاً لأن يكون في رتبة مشير.> عندما تعلق على مواضيع الساعة كيف تنظر للحوار الوطني؟< للأسف الحوار الوطني الذي هو مفردة الساعة الآن جاء مبنياً على مصالح شخصية وذاتية وهذه هي الوتيرة التي سار عليها الحوار, فلا يمكن أن يكون هناك أكثر من مائة حزب في هذه البلاد ولا يمكن لحوار وطني أن يجمع عدداً كبيراً من الأحزاب في حكومة.> منذ الاستقلال وحتى الآن لماذا لم ننطلق؟< السبب في ذلك أنه بعد الاستقلال توحدنا لم يكن سياسياً ولم تكن هناك نظرة قومية بل ما ساد هو النظرة العاطفية والدينية أكثر.

شاركنا برأيك

هل تتوقع أن يتجاوز الطاقم الاقتصادي الحالي الازمة؟

تواصل معنا

Who's Online

836 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

Search