الحوارات

الحوارات

في ذكرى الإنقاذ مقرر اللجنة الإعلامية لمجلس قيادة الثورة العميد (م) د. عبد العظيم نور الدين:

تمر هذه الأيام ذكرى ثورة الإنقاذ ذاك التغيير الذي تم في الثلاثين من يونيو 1989م، والذي بدأ بحسب مراقبين ومشاركين بملامح مختلفة، ولكنه من ذات المنابع (المؤسسة العسكرية), هكذا عُرفت الإنقاذ في بدايتها كتيار إسلامي، ولكنها بدأت من بعد ذلك في أن تسلك الطريق نحو ماهو أوسع من حيث المشاركة السياسية. لقد سبق الإنقاذ تاريخياً أكثر من عدة انقلابات في العالم العربي, ففي مصر نجد انقلاب 23 يوليو الذي كان بقيادة محمد نجيب الذي أطاح به جمال عبد الناصر والذي أصبح فيما بعد قدوة لكل الانقلابات التي حدثت في العالم العربي, في العراق وسوريا والجزائر والمغرب وموريتانيا وليبيا ولبنان, فما كان السودان شاذاً من تلك الدول العربية ولا من تلك الدول الإفريقية وما كان أيضاً الانقلاب في تلك الأوقات في الخمسينات والستينات أمراً غير مقبول أو غير معهود ولا مرفوض، بل أن الذين كانوا يقومون بالانقلابات يصبحون أبطالاً كما حدث في مصر عندما أصبح عبد الناصر بطلاً وفي إفريقيا نكروما, هذا هو أمر الانقلابات التي سبقت الإنقاذ بكثير، ليرى مراقبون من هذه الزاوية أيضاً أن مجيئها لم يكن أمراً شاذاً لا في المناخ الذي كان يومها ولا في القارة الإفريقية ولا في القارة الآسيوية ولا في أمريكا اللاتينية. وفي السودان كانت هناك بعد الاستقلال أكثر من عشر محاولات انقلابية سبقت أيضاً الإنقاذ نجحت اثنتان منها هي مايو جعفر نميري والفريق عبود, لكن أهل الإنقاذ عموماً وصفوا مجيئها ودواعيها ولا زالوا يقولون عنها بأنها كانت هبوطاً اضطرارياً.. بين يدي الذكرى نقف مع العميد (م) د.عبد العظيم نور الدين مقرر اللجنة الإعلامية لمجلس قيادة الثورة الذي سألناه بدايةً:
> في العام 1989م هل كانت هناك مبررات ودواعي قوية لقيام ثورة الإنقاذ (الإنقلاب) لأن الشواهد في ذاك الوقت كانت تقول إن الحركة الإسلامية (الجبهة القومية الإسلامية) كفصيل سياسي ما كانت تحتاج لذلك باعتبار أن موقفها على الخارطة الانتخابية ووجودها البرلماني كان متقدماً وربما تزايد بقيام أية انتخابات ديمقراطية قادمة أخرى فيما تعلق على هذا؟
< في الواقع إذا ما تحدثنا عن الأجواء السياسية في تلكم الأوقات فأنا أعتقد وربما يشاركني في ذلك الاعتقاد كثيرون، أن هناك حتمية كانت للثورة وكان التغيير في ذهن أي شخص، بل ربما كان مطلباً شعبياً نتاج ما وصلت إليه الأوضاع من نفق وأفق مسدودة، بل أن كل الشعب كان يترقب حدوث تغيير وحتى في القوات المسلحة هناك أكثر من جهة كانت مستعدة للقيام بانقلاب وهذه النواحي كانت واضحة ومعروفة, وبالفعل فإن البعثيين كانوا يخططون لانقلاب, وكذلك المايويين الذين قاموا بمحاولة أيضاً قبل مجيء الإنقاذ, وأيضاً كان الكل يتوقع تسلم قيادة الجيش وقتذاك ممثلة في الفريق فتحي أحمد علي للسلطة كاملة على قرار ما حدث للفريق عبود من استلام للسلطة, فالأحزاب وقتها وصلت بالبلاد إلى طريق مسدود وكانت الأوضاع التي مرت بها البلاد شاهدة على ذلك في كل المجالات, لذلك كان الشعور بالثورة والتغيير هو في داخل كل إنسان، ونحن كضباط بالقوات المسلحة كنا نشعر بمعاناة الكل وآمالهم ورغبتهم في التغيير فشاركنا في ذلك وبالفعل كان التغيير الذي تم وجد القبول والترحيب من كل الناس وكانت الثورة والوثبة والانطلاقة في كل المجالات من خلال تفجير الطاقات للإنتاج والعمل والبناء والاستقرار.
> إلى أي مدى حققت الإنقاذ في بواكير عهدها الثوري طموحات الذين كانت لهم أشواق في تقدم السودان واستقراره وازدهاره؟
< حقيقة خلال العقود الثلاثة التي مرت بها الإنقاذ نقول إن الطريق لم يكن سهلاً، بل هناك عقبات كثيرة واجهتها، منها العقبات الاقتصادية والتحديات الداخلية والخارجية إضافة لانفصال الجنوب وهذا كله رمى بظلاله على المسيرة بأكملها, مما جعل هناك عثرات واضحة تمثلت في عدم المضي قدماً في البرامج والأهداف والإستراتيجيات التي تم وضعها وبالتأكيد هناك أشياء كثيرة لم تكن موضوعة في الحسبان خلال السنوات التي مضت لم تجعل الأشواق والآمال تتحقق جميعها. فالاندفاع نحو التغيير والأمل الذي كان مرجواً تأثر كثيراً بفعل السياسة وتقلباتها والتغيير الذي حدث على الناس وعلى دفتر أحوال السياسة.
فهناك الكثير من الاحباطات التي جاءت لاحقاً والتي سببها أن الناس لم يستطيعوا تحقيق كل ما هو منشود ومطلوب من ذلك التغيير.
> الملاحظ أن الإنقاذ عندما قامت وفي سنواتها الأولى كان هناك تأرجح وعدم ثبات في السياسة الخارجية بدءاً بشعار لا شرقية ولا غربية ومروراً بالعديد من المحطات هذا عالمياً, أما على المحيط العربي فكانت محطة غزو العراق للكويت مكان امتحان أول واجه الثورة وهي بكر فكيف كنتم تتعاملون مع ذاك المناخ الخارجي؟
< حقيقة في البداية لم تكن هناك إشكالية ولكن عندما تم غزو العراق للكويت حدث تباين في الأفكار والآراء بين أعضاء مجلس قيادة الثورة وكان هذا أول تباين يحدث, لكن بعد ذلك امتدت العلاقات على الصعيد العربي والإفريقي بصورة ثابتة وواضحة ومتقدمة، خاصة على مستوى الجوار رغم أن المسار الخارجي هنا مع بعض دول الجوار مر ببعض المحطات المتأرجحة في العلاقات من تحسن إلى توتر ثم تحسن وهكذا وربما للمحيط الدولي يد في ذلك.
> وأنت أحد المسؤولين بحكم التخصص عن تسويق الثورة وأهدافها إعلامياً فالملاحظ أن الخطاب الإعلامي في السنوات العشر الأولى للإنقاذ كان ملمحة أما دفاعياً أو هجومياً أو تبريرياً أو اعتذارياً. فبماذا ترد على ذلك؟
< أنا أعتقد أن الخطاب الإعلامي للثورة في أيامها الأولى كان هو خطاباً متوازناً، لأن الجهة كانت واحدة والهدف والوسيلة كانت معروفة، أيضاً في إيصال هذا الخطاب, ولم يكن هناك تباين في وجهات النظر في الخطاب الإعلامي للإنقاذ وكان هذا الخطاب مجمع عليه ومحدد الاتجاه. والخطاب الإعلامي للإنقاذ في بواكير عهدها كان هو خطاباً توعوياً وإرشادياً وتوجيهياً واندفاعياً للأمام بحيث يحمل معه تحقيق طموحات الجماهير فهذا كان هو ملمح الخطاب الذي هدف فيما هدف أيضاً لرفع الروح المعنوية والتكاتف وبالفعل تلك الوثبة والملحمة الأولى آتت أكلها.
وكل المشاركات الشعبية سواء في التنمية أم الإنتاج أم الدفاع عن السودان، كانت هي نتاج الخطاب الإعلامي الواضح المعالم والأهداف.
> الجنوبيون الذين كانوا حول مايو وجعفر نميري، من الملاحظ أنهم صدقوا العهد مع مايو في الحفاظ على الوحدة بعكس الجنوبيين وخاصة الإسلاميين منهم الذين التقوا مع الإنقاذ والتفوا حولها حيث لم يكونوا كذلك والشواهد واضحة بحيث أنهم ذابوا مع الانفصال ولم يشكلوا رصيد وذخيرة كان يمكن الاعتماد عليها في الترجيح بخيار الوحدة كما أن الإسلاميين منهم لم يكونوا أيضاً رأسمال الحركة الإسلامية عموماً في بسط الدعوة الإسلامية ونشرها بالصورة المطلوبة هناك فماذا ترى في هذا القول؟.
< حقيقة الصيغة السياسية للتنظيم السياسي لمايو والتي كانت قائمة على تحالف قوى الشعب العاملة، لم يكن هناك تباين فكري في تلكم المنظومة السياسية لمايو في ذاك العهد وكان الجميع في بوتقة واحدة يعملون من أجل الوحدة الوطنية, أما في عهد الإنقاذ فالكل أتى بأيدولوجيته فشارك الجميع من ألوان الطيف السياسي وحتى من أهل الدين المسيحي كانوا موجودين في نظام الإنقاذ, وحقيقة ورغم الاجتهاد هنا وهناك، إلا أننا لم نلمس أي تأثير للعناصر الجنوبية التي عملت طوال تلك الفترة ولم نرَ لهم جهداً كبيراً في هذه النواحي لا بعد الانفصال ولا قبله, مع العلم أن الناس كانوا يعولون عليهم كثيراً في أن يكونوا حبل الصلة والرابط بين الشمال والجنوب بما في ذلك وصول الدعوة الإسلامية إلى أصقاع الجنوب ويستمسكوا بلحمة الوحدة الوطنية الموجودة. ففي ذلك لم يكن لهم تأثير مع العلم أن وزنهم وثقلهم السياسي كأشخاص كان كبيراً، ولكن كمجموعة يمكن أن تقوم بعمل موحد ذو أبعاد وأهداف إستراتيجية ما كان موجوداً.
> معلوم أن الإنقاذ التزمت منذ وقت مبكر بالمشروع الحضاري كفلسفة ونهج، ولكن سرعان ما تبخرت الأحلام نتاج اصطدام المشروع بالعديد من التحديات الداخلية والخارجية وأيضاً كان للخلافات وسط الإسلاميين دور في ذلك. فهل نتفق مع هذا القول؟
< بالطبع الظروف المحلية والإقليمية والدولية كان لها بالغ الأثر على هذا المشروع، وكذلك الظروف الاقتصادية والاجتماعية، مضافاً لذلك انفصال الجنوب. فهذه جميعها عوامل رمت بظلالها وجعلت من هذا الشعار مجرد أشواق. فالمشروع الحضاري ما استطاع الناس أن يحملوه ويقودوه للهدف المنشود ولهذا افتقدناه في الواقع.
 

شاركنا برأيك

هل تتوقع أن يتجاوز الطاقم الاقتصادي الحالي الازمة؟

تواصل معنا

Who's Online

633 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

Search