الحوارات

الحوارات

الإنتباهة مع الخبير الاستراتيجي أبوصالح بعد الاستقالة2

حوار: مريا سليمان
قضايا كثيرة تلك التي زحمت الساحة السياسية هذه الأيام وكل منها يحتاج لملفات مختصة ليتسنى الوقوف على حلول جذرية نهائية لكل من القضايا الشائكة والمصيرية التي ظلت عالقة بالشأن السوداني لفترات طويلة، من أهمها جانب التخطيط الاستراتيجي الذي تبلور مؤخراً وبانت جوانبه عبر التخطيط الاستراتيجي الذي يقف على رأسه الخبير الاستراتيجي بروفيسور محمد حسين سليمان أبوصالح  صاحب الإنتاج المعرفي والمهارات في علم التخطيط الاستراتيجي، معلم ومحترف استطاع أن يُفسح المجال لدراسة علم التخطيط الاستراتيجي القومي في مراكز البحوث والجامعات والمعاهد العليا. وقدم نموذج الخرطوم الاستراتيجي، كما إنه كان أنموذجاً حينما قدم استقالته أخيراً عن إدارة التخطيط الاستراتيجي بولاية الخرطوم فكان أيضاً نموذجاً لأدب الاستقالة.. التقيناه ووضعنا على طاولته عدداً من التساؤلات حول الوطن والوطنية والأزمة الاقتصادية والموقف الاستراتيجي والتزام الحكومة بها، بجانب تداعيات الاستقالة التي تقدم بها للسيد عبدالرحيم محمد حسين والي ولاية الخرطوم... فإلى مضابط الحوار:
> هل أزمتنا أزمة تخطيط أم أزمة وطنية؟ وهل يعتبر هذا أحد أسباب استقالتك التي تقدمت بها؟
< نحن في حاجة لتحقيق التكامل والتناغم للنشاط الوطني السياسي، الاجتماعي، الثقافي، الاقتصادي، الأمني والإعلامي، من جهة، وبين النشاط الوطني الذي تمثله الاستراتيجيات والخطط مع السياسات، وكذلك بين الاستراتيجيات والتشريعات من جهة ثانية، مع تحقيق الارتباط الأهم بين النشاط الوطني بكل أبعاده مع مفهوم القوى الشاملة التي تحقق الأمن القومي من جهة ثالثة، حيث عانينا كثيراً منذ الاستقلال من انفصام مناهج تخطيطنا وبالتالي خططنا الوطنية عن مفهوم الأمن القومي، الشيء الذي أسهم في تهديد الأمن القومي، ليتم إكمال هذا العمل عبر نصوص الدستور من خلال النص على التوافق الوطني حول الفكرة الوطنية كوثيقة تعبر عن المصالح الوطنية العليا للدولة والنص كذلك على الاستراتيجية القومية التي تنبثق عن وثيقة المصالح كخطة للدولة لتصبح حاكمة للجهاز التنفيذي، والنص دستورياً على المسار الاستراتيجي للدولة الذي يتبلور من خلال وثيقة المصالح الوطنية. والنص على تحريم الخروج على الاستراتيجية طالما أنها تعبر عن مصالح كل السودانيين، وأخيراً النص على تأسيس العقل الاستراتيجي للدولة كجهاز مهني مستقل، يشكل المصب الآمن لإنتاج المعرفة المطلوبة لتحقيق النهضة، ويحصن الدولة من الوقوع  في فخ الأزمات المعروف بالإدارة بالأزمة. وبالتالي فإن إكمالنا لتأسيس نظام الاستراتيجية في ولاية الخرطوم الذي يعبر عن كل ما ورد من موضوعات أعلاه، يعني انتهاء المهمة التي جئت من أجلها ليصبح وجودي كاستراتيجي في الخرطوم ذا جدوى محدودة في ظل المعطيات أعلاه، ومن ثم فإن دوري كأستاذ وخبير استراتيجي ومدرب على مستوى الخرطوم والسودان والمستوى الاقليمي، للعمل للترويج لهذا النموذج والحشد له أهم من دوري كوزير في الولاية .
 > ما مدى التزام المسؤولين بتنفيذ الاستراتيجية وهل تمت معاقبة أولفت نظر لأي وزير وفقاً لقانون الاستراتيجية؟
< هناك انضباط على مستوى مناسب بعدم الخروج من الاستراتيجية فيما عدا الصرف المالي الذي اضطرت الولاية للقيام به في اطار التعامل مع آثار الأزمة الاقتصادية الراهنة، أي أن هذا النشاط جاء للاستجابة للسلبيات والتشوهات التي نجمت عن السياسات الاقتصادية الأخيرة. وكان خصماً على التنمية بالولاية وستظل كذلك ما لم نتوصل لرؤية وطنية تراعي الأولويات تنطلق من فلسفة واحدة.
> ما هي المعادلة الصحيحة التي تضمن استقرار الدولار؟
< تضرر موازنة الولاية بارتفاع أسعار الدولار حيث خفض الموازنة من حوالي 800 مليون دولار إلى حوالي 300 مليون دولار، ولهذا أثر سلبي على تنفيذ خطة الولاية التنموية وبالتالي في قدرتها على الانتاج. أما سؤالك في كيفية السيطرة على صعود قيمة الدولار فهذا يحتاج لرؤية استراتيجية شاملة وليس اقتصادية فقط. كما أن الترتيبات التكتيكية لبنك السودان والإجراءات الشرطية لن  تكفي وحدها لأن ارتفاع الدولار ناجم عن عدد من العوامل أبرزها الخلل في الميزان التجاري اذن حنستورد أكثر مما نصدر ونستهلك أكثر مما ننتج وكان يجب أن نقلل الواردات بإحلال بديل لها داخلياً؛ وللأسف معظمها منتجات غذائية أومنتجات بسيطة يمكن إنتاجها محلياً وهذا عيب كبير في حقنا. الشق الثاني هو التصدير للخارج؛ وفي كل الأحوال لابد من الإنتاج، والإنتاج لابد أن يكون بالمستوى العالمي فلا يعقل وقف استيراد الاثاثات الا بتوفرها محلياً بذات المستوى وهذا يتوقف على تطوير قدرات ومهارات المنتجين. عموماً هذا يعني اننا نحتاج للآتي : بنى تحتية، مورد بشري بمهارات عالية، تطوير الأنظمة وتطوير السياسات المالية والاقتصادية والنقدية المطلوبة لدعم وتشجيع الإنتاج والتصدير وتعزيز الثقة في النظام الاقتصادي.
> هذا يقودنا إلى التساؤل عن فوضى الأسعار فإلى أين تمضي ؟
< أنا أخشى أن يدخل علينا العام 2019 بموازنة بنفس فلسفة الموازنات السابقة التي تقوم برفع الدعم دون رؤية واضحة مسنودة بسياسات واضحة لدعم وتشجيع الانتاج لأن غياب ذلك ظل يقود الى ارتفاع الأسعار والتضخم وانخفاض للقوة الشرائية وتشريد العاملين ومن ثم استمرار عدم توازن الميزان التجاري لتتأثر الموازنة وليتجه الدعم نحو معالجات آنية مخلفة فوضى في الأسواق في ظل ضعف آليات التحكم في السوق، وهكذا تدور الدائرة الخبيثة لنستمر في رفع دعم دون جدوى. كما نحن نحتاج لرؤية وطنية من منظور عالمي حول السياسات المالية؛ مايجري الآن رسوم مزدوجة تكبل الاقتصاد .. نحن لا زلنا نعمل بعقلية زيادة الدخل بزيادة النسبة المئوية للرسوم دون الانتباه لربط ذلك بزيادة الانتاج، بينما التجربة الإنسانية تشير إلى العكس حيث 5% من 1000 أفضل من 50% من 100، وبرأيي  فإن "كربريتر" الاقتصاد السوداني مكتوم وهذا لا يتأتى إلا عبر إعادة تخطيط السياسات والاستراتيجيات في إطار متكامل أفقياً ورأسياً ومن منظور عالمي يستصحب أوضاع التنافس العالمي فلا يعقل أن يكون كيلو الطماطم بعشرة أضعاف سعره في مصر ونحن في كوكب واحد، الوضع الحالي هو سياسات تكتيكية تأتي في حال رد فعل دون رؤية استراتيجية مجرد جزر معزولة بين المركز والولايات والمحليات نحن نحتاج لرؤية واحدة في إطار فلسفة واحدة. كما أن هناك حاجة لترتيبات سياسية وخارجية ورؤية استراتيحية حول إدارة الموارد الطبيعية تؤسس لتبادل استراتيجي للمصالح يؤمن الأسواق والتمويل والسند السياسي والتقني والأمني ويؤسس لحقوق الأجيال القادمة. 
> إلى أي مدى يمكن أن تنجح الحكومة في القضاء على ما يُعرف بالقطط السمان؟
< الفساد بنظري يمثل فيروس التنمية وعقبتها الأساسية؛ لذا فإن أهم الترتيبات لنجاح الاستراتيجيات في دول العالم هي تلك المتعلقة بالسيطرة على نزعات النفس البشرية ليسود نظام ومصالح الدولة وليس المفسدين؛ وأنا أتمنى أن نحارب الفساد عبر رؤية استراتيجية وليس نشاطات وقرارات مؤقتة فهذا مطلوب دون شك؛ ولكن يجب الاهتمام كذلك بترتيبات استباق الفساد ومنعه مسبقاً وذلك من خلال الفلسفة والتربية وإرساء الشفافية في كل نشاط الدولة وإعمال المحاسبة ليسود القانون على الكبير والصغير وتقليل الحصانات وحماية السلطة المهنية الخ.. بالقدر الذي يمكنها من التأسيس لسيادة نظام الدولة. وعلينا أن ننتبه بان إحداث تنمية في السودان يحتاج لتمويل ضخم وإلا فإن الأمر سيطول والتمويل متوفر لدى السودانيين، ولعل شراء السودانيين لما يزيد عن ربع مليون شقة وعقارات خارج السودان بما يفوق العشرين مليار دولار، يشير لخلل في سياساتنا وقدرتنا على ادارة وجذب وتوجيه المال السوداني دعك من المال الأجنبي فهناك تمويل لدرجة رجال الاعمال ومؤسسات الأعمال في الساحة الدولية لكن عبور هذه الاموال السودانية والأجنبية للبلد يحتاج للمناخ الذي تسود فيه الثقة يحتاج لمناخ يسود فيه النظام والقانون والمؤسسية والمهنية اي عدم الفساد، بجانب المناخ الذي يتيح التنافس الشريف واستقرار السياسات والتطبيق الحازم للتشريعات فنحن نهتم بإنتاج التشريعات لكن نحتاج الاهتمام أكثر بالتطبيق.. نحن في مرحلة مفصلية تحتاج كما ذكرت لتفكير جديد جريء وارادة جادة في التنفيذ ومناخ محفز، نحتاج اكثر لتطوير العقل الاستراتيجي للدولة فهو يشكل نقلة البداية الصحيحة لاعادة هندسة المستقبل السوداني ومواجهة التحديات الراهنة.
> ماهي رسالتك للمجتمع في ولاية الخرطوم للمساهمة في تنفيذ حلم النيل؟
< آن الأوان لأن نرتقي فوق مرارات واخطاء الماضي وأن نرتقي فوق الأنا نحو رحاب الوطن الحبيب، وأن نوقد شمعة الأمل والتحدي مستلهمين عبر التاريخ ولو تعلق قلب المرء بالثريا لنالها لابد أن يكون هناك حلم واحد يجمعنا جميعاً ويبقى أن يعرف كل منا دوره  تجاه الوطن.
 

شاركنا برأيك

هل تتوقع أن يتجاوز الطاقم الاقتصادي الحالي الازمة؟

تواصل معنا

Who's Online

545 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

Search