mlogo

الجمعة

الجرتق .. تنصيب احتفالي بطقوس ملكية

هالة نصرالله
الجَرْتِقْ كلمة تطلق على مجموعة من الطقوس التي تُمارس في مراسم الزواج وبصورة اقل في ختان الصبيان ويخضع لها العريس. وهذه العادة تكاد أن تنحصر في المنطقة الوسطى من السودان النيلي ونجدها عند المجموعة الجعلية التي تشمل الجعليين والرباطات والميرفاب والمناصير والشايقية وفي المناطق النوبية في جزئها المتعلق بطقوس الحماية والخصوبة.. ولم ترصد هذه العادة عند القبائل البدوية مثل البجا وبدو كردفان ودارفور والبدو الآخرين في الوسط.. ولم ترصد أيضاً عند المجتمعات الأخرى في جبال النوبة وفي جنوب السودان.. وتنحصر إذا وجدت في هذه المناطق في المدن وفي مجتمع «الجلابة» المهاجرين من مناطق الشمال النيلي.
وهذه الطقوس ليست عربية قطعاً حيث إنها لم ترد في المصادر التي تشير إلى ممارسات طقوس الزواج عند العرب.. فهي لا تمارس في مصر أو في الجزيرة العربية أو في دول المغرب العربي وأيضاً ليست هناك إشارة إلى أنها تمارس في المحيط الأفريقي المجاور وبذلك يكون الجَرْتِقْ عادة أو طقس سوداني يكاد ينحصر في المنطقة الوسطى من نهر النيل والتي تعتبر قلب الممالك السودانية القديمة في مروي وسوبا وسنار.
أهم طقوس الزواج :
وتشير دراسة تم نشرها في احد المواقع الالكترونية الى ان الجَرْتِقْ أحد أهم الطقوس التي تمارس في مراسم الزواج ويعتبر من طقوس العبور الهامة. ويتضمن في داخله ثلاثة أنواع من الطقوس أولها خاص بالعريس ويتم في منزل العريس وقبل ذهابه ورهطه إلى مكان أهل العروس، وفي هذا الطقس تتم عملية محاكاة لتنصيب الملوك بحسبان أن العريس في هذا اليوم يعتبر ملكاً متوجاً له كل مظاهر الملك وسلطانه في المحيط العائلي للعريس.. أما بالنسبة للعروس فهناك العديد من الإشارات إلا أنه ليس هناك جَرْتِقْ خاص بها وإنما تشارك في طقوس الحماية وطقوس الخصوبة التي تجري في وقت لاحق في اليوم السابع عند البعض وفي اليوم الرابع عشر عند البعض الآخر.
والطقس الثاني الذي يجمع بين العروسين معاً هو ما يمكن اعتباره من طقوس الحماية من الشرور والعين التي قد تصيب الإنسان في هذه اللحظة من لحظات هذه الحياة التي يكون فيها الإنسان محور الاهتمام والنظر.. والطقس الثالث الذي يجرى للعروسين معاً يتعلق بالخصوبة والفأل حيث يعتبر العروسان في بداية إنشاء أسرة جديدة يتمنى لها الفأل في الإنجاب والخصب في العيش الوافر والحظ السعيد.
جرتق العريس:
وجَرْتِقْ العريس عبارة عن محاكاة تنصيب الملوك في الحضارات السودانية القديمة والتي اختزنها الذهن الشعبي في ممارساته وثقافته.. وقد أشار بعض الدارسين إلى أن مظهر العريس بعد إتمام طقوس الجَرْتِقْ وفي رأسه الضريرة وعلى يده الحريرة، وعلى عنقه عقداً من الذهب والخرز وفي يده السيف، يشابه بصورة كبيرة تلك التصاوير للملك المروي المرسومة في معبد الشمس وفي المصورات الصفراء وفي النقعة، وتكثر المقولات بأن "ود العرب دولته يوم عرسه" وتحول المقولة إلى حقيقة بالإجراءات الطقوسية، ومشاهد الاحتفال بالزواج الملكي يظهر في العديد من النقوش الجدارية المروية التي تبارك فيه الآلهة الملك والملكة.. وفي هذا السياق قد ننظر إلى كلمة جَرْتِقْ نفسها بحسبانها إرث من اللغات القديمة وقد تكون مكونة من اللفظ المروي (Qor) والتي تعني الملك بالإضافة إلى اللازمة  (Tig)  والمستعملة حتى الآن في منطقة الرباطاب وغيرها في كلمات مثل متِق، ومرتِق، وبتِق وتعني يفعل أو يجعَل ولعلها مروية أيضاً وبذلك يصبح لفظة Qortig و Jartig بمعنى يجعله ملكاً أو ينصبه ملكاً. ويتم جَرْتِقْ العريس كملك باستلهام الموروثْ الثقافي لرموز التنصيب عند الملوك والحكام في الحضارات المتعاقبة في السودان والتي شهدت استمرارية واضحة بشكل أو آخر في طقوس التنصيب ورموزه وشاراته التي تشير إليها
أدوات الجَرْتِقْ :
عنقريب الجَرْتِقْ: منذ مملكة كرمة كانت هناك أهمية للعنقريب في الطقوس الجنائزية ، وقد وُجد العنقريب في مدافن تلك المملكة، وقد اعتبر أحد الطقوس الجنائزية التي تميزت بها، وقد يكون أحد طقوس التنصيب أيضاً. وقد لاحظنا وجود العنقريب في إحدى اللقيات المروية فيما يمكن أن يمثل طقوس الجَرْتِقْ.
ومما ورد عن فترة الفونج عن أول ملوكهم "عملوا لملكهم عنقريباً من سرطان ولزوجته كذلك وحملوه حتى نزلوا بهم جبل موية". "ولما صار لهم الملك صار لهم عنقريب السرطان عادة". والعنقريب في الموروثْ السوداني يرتبط ارتباطاً كبيراً بجلوس الحكام والذين يشار إليهم بأصحاب العنقريب في مقابل صاحب التبروقة (السجادة) للشيوخ الدينيين.
وفي هذا الإرث التاريخي أصبح هناك عنقريب يسمى عنقريب الجَرْتِقْ، تتوارثه بعض الأسر ذات التاريخ العريق في الحكم أوالأسر الدينية، "كناية عن العزة والأصالة" وقد أصبح مؤخراً يتم صنعه بمواصفات خاصة تتبادله الأسر في المناسبات ، ويوضع هذا العنقريب في مركز الاحتفال ويوضع فوقه برش خاص (عتنيبه) أحمر اللون تم نسجه لهذه المناسبة ، وفي الآونة الأخيرة أصبح تفرش عليه ملاءة أو بساط أحمر. ويصبح هذا العنقريب بمثابة العرش للعريس حيث تبدأ بعد ذلك طقوس التنصيب.
التاج والعصابة والريش:
نلاحظ على رؤوس ملوك مروي تيجان تبدو للناظر إليها أنها عصابة تحيط بالرأس.. ونجد أن هذه العصابة تحمل رموز الملك في شكل ثعبان الكوبرا، وهذه العصابة جاءت في وصف أحد نواب ملوك النوبة في الفترة المسيحية والذي وصف بأنه لابس العصابة..في بعض الأحيان نجد أن الريش يظهر في جداريات مملكة مروي ومنها رأس شخص يضع عصابة وعليها ريشة.. وقد عرف الريش منذ مملكة كرمة حيث وجد على رؤوس الكباش في المدافن.. وقد ذكر عن سلطان الفور بأن "على رأسه تاج مزركش بالذهب تحف به سبع ريشات رهيفة من الذهب والفضة". وما زال الريش من أهم الطقوس في تنصيب رث الشلك ويمثل المكون الرئيس لتاج الرث.. ويطلق على العريس لقب "أب ريش" حيث إنه كان يلبس العصابة وفي مقدمتها ريشتان في الغالب من ريش النعام، وهي جزء أساسي من طقوس الجَرْتِقْ .
السلاسل والعقود:
من أبرز ما يلفت نظرنا في نقوش وتصاوير ملوك مروي لبسهم على أعناقهم وصدورهم عدداً من العقود والسلاسل من ضمن رموز الملك وفي فترات تاريخية أخرى نجد الإشارة إلى نوع من السلاسل والعقود من ضمن رموز الحكم.. وقد جاء عن العنج في أواخر الفترة المسيحية الإشارة لعقد الهيكلي الذي ورثه العبدلاب من ضمن ما ورثوه منهم من أدوات الملك "حيث استحوذ عبد الله جماع من العنج على تاج الملك المرصع بالجواهر وعقد الهيكلي المفصل بالدر والياقوت الذي ظل يتوارثه ملوك العبدلاب".. وهناك إشارة إلى حكام المناطق النيلية الذين يطلق عليهم اسم "مطارق جعل" الذين حكموا المنطقة في فترة الفونج والذين من المرجح أنهم كانوا يلبسون هذا العقد "المطرق" كرمز من رموز الحكم.. وفي فترة الفونج حكى أحد رجال الدين عن تنصيبه للولاية "أنهم ألبسوه عقد سوميت كنار". وهناك إشارات إلى أن حكام المجموعات والقبائل في وسط السودان كانوا يحلون أعناقهم بأنواع خاصة بهم من المرجان والكهرمان وكذلك السبح ومنها سبحة اليسر.
وفي محاكاة العريس للملوك نجد أن من ضمن أدوات الجَرْتِقْ هذا العقد فعند الرباطاب "تحضر النساء من أهل العريس عقداً من السوميت يسمى كنار، ونجد عند المناصير رمزية هذا العقد.. والمناصير في هذه الحال لا يبتون في أي أمر حتى يصل الخال حيث يقوم بإنزال المطرق أو سلسلة الذهب على رقبة العريس" وهو إشعار بالتتويج وبدء المراسم الأخرى عندهم.
السوار:
لبس السوار كرمز من رموز الحكم نجده عند ملوك مروي وقد ذكر في الفترة المسيحية عند وصف صاحب الجبل أحد نواب الملك لابس العصابة "والسوار الذهب".. وفي فترة الفونج نجد ذكره عند أحد رجال الدين عند تنصيبه للولاية "البسوني سواراً من الذهب".
السوار للعريس قد جاء ذكره تقريباً عند كل المجموعات التي تمارس طقوس الجَرْتِقْ مثل الرباطاب والجعليين والمناصير والشايقية وهو من أهم رموز السلطة في جَرْتِقْ العريس.
السيف والسوط:
السيف واحد من رموز السلطة والمُلك نجده في كل الفترات التاريخية منذ مملكة مروي وما بعدها من فترات تاريخية وظلت الأسر الحاكمة تتوارث بعض السيوف التي أصبحت مشهورة بأسمائها مثل النَمنم، والمَطَقْ، ولا بد للملوك والحكام وحتى زعماء الأسر الدينية من سيف يرمز لسلطتهم وعزتهم.. ومثل السيف كان للسوط  رمزيته ويبدو أن السوط الذي أشتهر بسوط العنج - الذين حكموا المنطقة في أواخر الفترة المسيحية - أصبح من أهم رموز السلطة يتمثلها العريس الذي ينهض في نهاية مراسم الجَرْتِقْ "وعلى كتفه سيف داخل غمده وفي يده سوط من جلد العيسيت (فرس النهر)". وسوط العنج يرد كثيراً كرمز للسلطة فقد ورد في الطبقات عن تنصيب أحد أقطاب الصوفية "جاءه ملوك الجان السبعة بالطاعة والانقياد وجابوا له ككر دهب وسوط عنج" وفي طقوس الجَرْتِقْ عند المناصير تظهر أهمية السوط كرمز للسلطة في عادة مَدْ السوط حيث يطوف العريس بالبيوت والسوط في يده ينقر به جدار البيت ويقول "مدينا السوط" حيث تعطى له الهدية المناسبة .
لبس العريس:
يشير الموروث بأن مسألة اللبس كانت تحدد المركز الاجتماعي للفرد وتعتبر من شارات التمايز بين النبلاء والعامة. وفي فترة الفونج ترد الإشارة إلى أن العامة كانوا ممنوعين من بعض الألبسة مثل الطاقية على الرأس، والألبسة المخيطة ويعاقب مرتكبها بالغرامة . وهناك أنواع من اللباس خاصة بالملوك ومنها لبس الحرير..وتشبّه العريس بالملك يظهر في لبسه لثوب السرتي، وقرن العلج من الثياب المخصصة للملوك وارتداء العريس لهذه الملابس يرمز إلى أن العريس من العظماء والملوك الذين يتميزون بالحق في ارتداء الملابس الفاخرة.
السيَرة:
كان ملوك مروي عند التنصيب يقومون بمسيرة طويلة إلى أماكن المعابد في جبل البركل المقدس ويطوفون على بعض المعابد الأخرى الهامة كجزء أساسي في مراسم التتويج ، وقد ذكرت مثل هذه المسيرة عند ملوك الفونج حيث يحملون السلطان الجديد على عنقريب ويسيرون به مسافة طويلة إلى مكان فيه عوائد لهم يتفاءلون بها.
وفي طقوس الجَرْتِقْ نجد العريس يقوم بسيَرة يزور فيها ضرائح الأولياء في المنطقة طالباً لمباركتهم ويقوم أيضاً بزيارة النهر لإرضاء ما فيه من كائنات وأرواح يعتقد فيها الناس.
عادة فرعونية
ولمعرفة المزيد عن عادة الجرتق حدثنا د.أمير النور ابراهيم  متخصص في الموسيقى والتراث بقوله : الجرتق يقال انها عادة ترجع الى عادات فرعونية قديمة جداً ، والفراعنة اصلاً هم سودانيون ولونهم أسود، وتتم عادة الجرتق في عنقريب مفروش بلون أحمر وبه برش أحمر، وهنالك أدوات للجرتق مثل (عنقريب الجرتق وعضم سمك وخرز السوميت والعطور الجافة واللينة ويتم تلبيس العريس خرزة السوميت وهنالك الضريرة وهلال من الذهب يتم تلبيسه للعريس أيضاً ، وغصن سعف وسيف داخل جفيره والعريس يكون لابس عراقي وسروال)، والجرتق عادة تسبق يوم العرس بيوم، وهنالك عادة الذهاب الى زيارة البحر وهي عادة فرعونية قديمة كفأل حسن ويتم فيها بعد الجرتق اخذ العريس في حصان الى البحر.
وبعد إتمام طقوس الجرتق هنالك عادة أخرى اسمها (السيرة) ويتم خلالها أخذ العريس الى زيارة البحر كفأل حسن ، وهنالك أغاني خاصة بالجرتق مثل أغنية ( ياعديلة يابيضاء ) ، وأغنية (عريسنا مرق البحر وقطع جرايد النخل   ) .

Who's Online

607 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

Search