الصادق الرزيقي

الصادق الرزيقي

نهار مع (البدوي)

>  أمس ونهار الخرطوم الماطر لا يتيح فرصة أبداً للإنجرار وراء السياسة ورزاياها التي لا تطاق، كنا وكأننا نعيش خارج الزمن، حلقنا بأجنحة من شعاع، في علياء الأدب والتراث والشعر وجيد الكلام وفريده وأنيقه، فعلى غير موعد وجدنا صدفةً (الأمين البدوي كاكوم) يتهادى كالنيل في قلب الخرطوم، وهو يقضي بيننا عطلته السنوية، نضواً جاء من مهجره الخليجي، مشوقاً مستهاماً ببلده وأهله وأحبابه، وقد شُرق بحب جارف لتراب وطنه ونضيد لسان أهله وآدابهم، ذهبنا نضرب معاً في الأرض، نتجول في شوارع الخرطوم الغارقة في وحولها، وكانت هناك بعض أمكنة تليق بسرد كاكوم الشائق وحديثه الذي يتدلى كثريات الذهب.
> ليس هو المثقف المتأدب الذي جمع في جنانه وجوفه كل صنوف الشعر والأدب والفن، بل بحاثة لا يشق له غبار في اللسانيات واللغويات والتاريخ، ونسابة من طراز فريد، عرف الأعراق ومنابتها وأصولها، ووثق للمرويات مشافهةً وتحقيقاً وخطاً، وهو من ثلة باتت قليلة في سماء السودان وأرضه، تعرف إنسان هذا البلد أصله وفصله، أدبه ونسبه، حياته من صبحه لعشيه لمباته، وكاكوم كالبحر الزاخر، جمع اللآلئ من كل وجه من وجوه المعرفة والإبداع وعلقها كالتمائم والقلائد في صدر حياتنا، يفرح بها وتفرح به .. عشق البادية بقيمها وأخلاقها، لتجدنه وهو يحدثك بعيداً عن هيئته العصرية التي كان عليها بالأمس بنطاله وقميصه ومظهره المتفرنج، كأنه نمة قادمة من جوف الصعيد، أو حداء من دار الريح أو رباعية دوبيت سقطت من جراب مسدار الصيد للحاردلو، أو شخب حلب من ضرع ناقة حنت لمخرف في أقصى بوادي الشمال في دارفور.
> لكنه في ذات الوقت عالم مدقق وعارف ملم بثقافة أم درمانية مترعة بغريب الخبر وجديد الرواية ومتصل السند، خاصة الشعر وفحوله، والغناء وطلوله، ونادراً أن تجد عالماً مثله في مجال فقه اللغة وأسرار العربية ومخفياتها ومطوياتها، وبين حديث النظم من أغاني وأهازيج هابطها وعاليها وسافلها وسفيهها، وكل ذلك ليس من باب احتطاب ليل ولكنه من حذق الصنعة وواجب الدراية، كان الإمام مالك رحمه الله على علمه وفقهه عليماً بالغناء في المدينة، مدركاً لأقضية العصر وهموم الناس وشواغلها، وهكذا كان حال العلماء والفقهاء والمفكرين وأهل النظر والخبر..
> تجولنا مع كاكوم .. لكن تجوالنا بدأ من باحة الشعر والأدب، وحطت بنا الرحال في الشعر الجاهلي، لكن سرعان ما أنخنا إبلنا عند المتنبي شاعر العربية والإنسانية الضخم الذي يعده بعض كبار العلماء والنقاد أكبر شاعر عرفته البشرية جمعاء، طوفنا في دوحات قصائده العتاق الباسقات السامقات، ثم قليلاً توقفنا عند الشعر العربي الحديث وموجات الحداثيين وتصديات الأصوليين الذين ردوا الجائحة عن النظم العربي، لكننا ونحن نعبر شوارع الخرطوم لأم درمان، أوقفنا الشاعر الكبير محمد مفتاح الفيتوري عند منعرج اللوى، تبادلنا حوله الآراء وسمعنا تسجيلات من قصائده داخل السيارة، ودائماً ما نفتن بطريقة الإلقاء الباهرة عند هذا الشاعر السوداني الفحل التي وصفه فيها الشاعر العراقي الكبير عبد الرزاق عبد الواحد بقوله: (عندما يصعد الفيتوري المنبر لإلقاء شعره يتحول إلى غول إفريقي مهول..) .
> من الفيتوري اتكأ كاكوم على صوت عثمان الشفيع، تجادلنا في أغنية (القطار المرَّ) هل هي شعر خالص لمحمد عوض الكريم القرشي، أم صحيح ما قيل أنها لملكة حاج أحمد قالتها بحنين دافق ولوعة واشتياق، وهي تخاطب القطار الذي سافر بزوجها المقدم يومئذٍ في مطلع الخمسينيات في الجيش وهو في طريقه لجنوب السودان، فالتقط الأغنية ومطلعها الشفيع، وعندما قابل ود القرشي أعطاه له مع لحنها، فجاراها الشاعر الكبير فودلت هذه القصيدة، وتناولنا المتشابهات في الغناء السوداني، وعند تشريح الأغاني تستطيع معرفة النفس الأنثوي في الأغاني التي كانت الشاعرات يتخلين عنها ويهجرنها فيضيع نسب القصائد، أو يتنازلن عنها للشعراء الرجال.
> في ألسنة أهل السودان كان كاكوم ينثر الدرر، وعندها حان مغرب الشمس ومغيبها، وشمس يوم أمس كانت متدثرة برداء من الغمام شفيف وخفيف، يشبه قول (ميسون بنت بحدل الكلبية) زوجة معاوية بن أبي سفيان:
 وللبس عباءة وتقرُّ عيني
 أحبُّ إليَّ من لبس الشفوفِ
 كسيرة في كسر بيتي 
 أحب إليَّ من أكل الرغيفِ
وكلب ينبح في الطراق دوني
 أحب إليَّ من قط أليفِ
 خشونة عيشتي في البدو أشهى 
إلى نفسي من العيش الطريفِ
 

شاركنا برأيك

هل تتوقع أن يتجاوز الطاقم الاقتصادي الحالي الازمة؟

تواصل معنا

حالة الطقس بالخرطوم

Search