الصادق الرزيقي

مهاتير .. عمر لبدايات جديدة..!

وهو يومئذ راضٍ عن نفسه وما أنجزه في بلاده التي انتشلها من القاع والوحل، وحكمها لأكثر من عقدين من الزمان من 1981 حتى 2003م، وحوّلها من بلد فقير متخلف الى بلد حديث متقدم و الى أحد أسرع الاقتصادات نمواً وتطوراً في آسيا والعالم، لكن ماليزيا التي تركها وهو قرير العين أقضت مضجعه بعد أن أحبطه خلفه، فعاد مهاتير لإصلاح ما خرّبوه، ولاستعادة ما نهبوه، رغم ان منطق السياسة والإصلاح لا يعضد ذلك، باعتبار ان مهاتير لا يمكنه جذب عقارب الساعة لتعود الى الوراء، ولا بمقدوره إرجاع العمر والسنين بعد المشيب ليغدو فتياً و قويًّا وحيوياً بما يكفي، لإعادة نضارة الاقتصاد الماليزي، وإنقاذ ما يمكن إنقاذه، وإصلاح ما يمكن إصلاحه ، فالعطار العجوز مصمم على إصلاح ما أفسد الدهر... وتلك قصة أخرى ستكون أكثر إثارة من العودة بعد الغياب ...!
> المهم هنا، أن مهاتير كان يمكن أن يطوي نفسه على نفسه، ويقبع بعيداً عن عالم السياسة وقد كان نجمها الأسطع والألمع منذ دخوله البرلمان لأول مرة في النصف الأول من عقد السنوات الستين من القرن الماضي وحتى مطالع العشرية الثانية من القرن الحادي والعشرين، وكان بإمكانه أن يقضي نهايات خريف العمر دون الانغماس في عالم ساس يسوس، لكنه وجد نفسه في هذه السن يحمل عصاه مرة أخرى ليدخل الحلبة ليؤدب تلاميذه وأبناءه وأحفاده، ويصلح المسار ويصحح الأخطاء، ثم ينصرف بهدوء ليرتاح هذه المرة... ولعمرك هذه عزيمة جبارة، وأمل واثق في الحياة، وعمل يتقارب مع حديث الفسيلة، فرجل تسعيني عتيق عاش السياسة بأهوالها وتحدياتها وأعطى ولَم يستبق شيئاً، ينتفض كجواد فتِيّ قوي يصارع الأجيالا... يدخل الحلبة مرة أخرى ليزرع ويغرس فسيلة مورقة زاهية يعتقد فيها ويؤمن بها الشعب الماليزي ..لهو أمرٌ عُجاب ...!!
> عجيب أمر هذا الرجل ، وما تنطوي عليه نفسه، في آخر مرة عند زيارته للخرطوم قبل سنوات وكانت بصحبته زوجته، التقيناه في فندق كورنثيا، بدا وهِناً، متعباً، مرهقاً، شيّبته ماليزيا و أخواتها، زهّدته في الدنيا والسياسة تجربته الطويلة المنتجة، بحديثه الهادئ وتفكيره العميق، قال لنا وكأنه لا يرضى حتى بأن يكون (صانع الملوك) :
« سأغمض عيني وأنا مطمئن على مستقبل بلدي « .
ظن السيد مهاتير بطبيعة الأشياء، وهو طبيب، أن الدولة في ماليزيا بعد أن نهضت من الفقر والعوز والتخلف وصارت قوة صناعية ونموذجاً للتطور، فإن جميع وظائف أعضائها تعمل بكفاءة عالية، ولديها جهاز مناعي قوي يحميها من فساد السياسيين، ويقيها من الإصابة بأمراض الدول ذات القابلية للسقوط عند السفوح، وكان واثقاً من الذين خلّفهم وراءه، ولَم يكن يعلم أن المؤامرة على بلاده يمكن أن تصل إلى درجة إزعاجه وإنهاضه من مرقده، ليمتشق حسامه، ويضع على صدره درعه، وعلى رأسه خوذته، ليخوض حربه ويستعيد ماليزيا من متاهتها، والكل يقول إنه سيصحح مسار تاريخها ويضعها مرة اخرى على الجادة ، ويأخذ بيدها من كبوتها...
> لم يكن السيد مهاتير يتصور أنه سيخالف شاعرنا السوداني الكبير صلاح أحمد إبراهيم، فقد احتاج السياسي الماليزي العجوز ليثبت بسهولة لشاعرنا الكبير صلاح ( أن في العمر ما يكفي لبدايات جديدة ) فها هو مهاتير إذن يبدأ من جديد ....!