mlogo

الصادق الرزيقي

الصادق الرزيقي

لقاء علي ونافع

فمع خصوصية هذا اللقاء وعدم الإفصاح عنه رسمياً، فإن مجرد ظهور خبر عنه أشاع مناخاً من الارتياح والتفاؤل والرضاء وسط قواعد الحزب الحاكم والحركة الإسلامية وأحزاب وقوى سياسية أخرى، فقد كان يُنسب إلى الرجلين ما لم يكن دقيقاً بشكل كامل، ولم يصل ما يقال أنه حادث بينهما إلى حد القطيعة ونقطة اللاعودة، بأنهما على خلاف وتنازع، وتمدد هذا الخلاف وانتشر في جسم الحزب وكاد يشل أطرافه أو يمزق وحدته.. فما الحقيقة حول هذا الخلاف واللقاء الذي طواه كطي صفحات كتاب منكور؟
> أولاً من الطبيعي أن تكون هناك خلافات في وجهات النظر بين المشتغلين في مجال السياسة وأية مجالات أخرى، وأن تصل إلى مرحلة سوء التفاهم بالمطلق وتتحول إلى دائرة من النزاع تتسع كل يوم، ومن الطبيعي أن يكون بين أصحاب الفكرة الواحدة وقيادات الحزب الواحد مثل هذا النوع من الاختلاف، لكن في حالة علي عثمان محمد طه ود. نافع علي نافع، إذا بحثت ودققت ستجد صورة مختلفة عن تلك التي تم تضخيمها إلى درجة إثارت الإحباط وجلبت خلف كل منهما أتباعاً وشيعة يؤيدون كلاً منهما ويناصرونه، كما أن سلوكهما السياسي بترك الحبل على الغارب لمن أراد التزيد عليهما معاً ضاعف من حجم التضخيم، فضلاً عما صدر من تصريحات أخيراً للدكتور نافع في حوار مع صحيفة (مصادر) لم ينظر إليها على أنها أقوال يمكن فهمها في سياقاتها، وتم تأويلها إلى أقصى حدود التأويل لم تراع دواعيها وسلط الضوء على تداعياتها!!
> المهم في الأمر أن الرجلين كقياديين، لم تصل الاختلافات في وجهات النظر في بعض الأمور بينهما إلى حد الخلاف والقطيعة، وظلت العلاقة غير المعلنة متوفرة وسالكة نوعاً ما، مثل الزيارات العائلية أو اللقاءات التي تتم في اجتماعات الحزب الحاكم في مستويات مختلفة أو العمل معاً في إطار الحركة الإسلامية.
> ونظراً للعلاقة القوية جداً بين الرجلين خلال سنوات الإنقاذ كلها، حيث كانا أقرب اثنين إلى بعضهما البعض وعملا معاً في تنسيق وتواصل مستمر، لم تشب شائبة في صلتهما الشخصية وانشغالاتهما التنظيمية والسياسية، إلا خلال السنوات القليلة الماضية التي أعقبت خروجهما من دائرة السلطة إلى الفضاء العام الفسيح، حيث سعت مجموعات هنا وهناك للترويج عن طموحات ربما متخيلة لكل منهما، بطمعهما في العودة إلى مقاعد السلطة من جديد، ومن المؤكد أن بكتريا الفتنة تجد في مثل هذه الأجواء حاضنة تتكون فيها وتنتشر.
> ومن المؤكد أيضاً أن الجو السياسي والتنظيمي المسموم بالقيل والقال وهو موجود في كل زمان ومكان، أضعف المناعة النفسية وأوهن الثقة في القليل من الأوقات، وكادت تسيطر بسبب الشائعات والأقوال المنقولة نسبة من التصديق لدى طرف حول ما يفعل الآخر، وتلك خصلة مذمومة في العمل السياسي إذا تكاثر المشاؤون بنميم.. لكن الذي كان يعصم من الخلاف الظاهر والمعلن أن الرجلين يعلمان أن ما يجمعهما أكبر من عرض الدنيا الزائل وبهرجها الزائف.
> لذلك رئيس المؤتمر الوطني كان حاضراً بوعيه وحكمته وتوجيهاته عندما أسرَّ إليه نائبه في الدولة حسبو محمد عبد الرحمن بنيته في كبح جماح ما يقال عن خلافات بين (علي ونافع) وقطع دابر الشائعات، ولجم من يسعى لفتق الرتق، وكذلك نائب رئيس الحزب الدكتور فيصل ظل على إطلاع بما كان ينتويه ويقوم به حسبو، والجميع قد أُخذ بما يُشاع وما يُقال، لذلك الرغبة كانت جادة وصادقة في تصفية أية بؤرة من بؤر الخلاف وزيادة تماسك الحزب ووحدته وعدم تعريضها لأي نوع من الاختلال والاعتلال، فأي اهتزاز داخل المؤتمر الوطني لن تسلم منه الدولة ولا الوطن بأكمله، والدليل ما أصاب السودان جراء الخلاف بعد المفاصلة.
> وكما هو متوقع بعد تحركات محدودة للغاية وقليلة وبسيطة ودون أية تعقيدات، اكتشف الجميع أنه لا خلاف بين الرجلين ولا نزاع، فاللقاء تم في زيارة عادية وطبيعية وحميمة من الدكتور نافع إلى منزل علي عثمان، فهما زميلان في جامعة الخرطوم هذا يدرس القانون والثاني يدرس في كلية الزراعة، وترافقا في العمل العام لما يقارب خمسين عاماً، ولديهما رصيد مشترك من الأعمال والاجتهادات والذكريات عبر حقب مختلفة، وعاشا مرارات الأيام ومبهجاتها، لذا كان اللقاء دافئاً برابط الإخاء الصادق ورحلة العمر المشتركة، فلم يغرقا خلال اللقاء في التفاصيل الصغيرة وقيل وقال، فوجدا أن المسافة بينهما في الآراء والأفكار قريبة جداً أكثر مما تصورا، فهما حريصان على مشروع الإنقاذ والحركة الإسلامية، ويتمتعان بمسؤولية إضافية كونهما قائدين فاعلين فيه، وهما أيضاً مدافعان عن البلاد واستقرارها وسلامتها ووحدتها ونهضتها، ويدعمان في ذلك ترشيح رئيس الجمهورية للمرحلة المقبلة، ويصدران عن قوس واحدة في نظرتهما لمستقبل البلاد وتجنيبها الصراعات والخلافات، وأياديهما معاً في مجابهة التحديات والصعوبات التي تواجه البلاد.
> ولعل السيد نائب الرئيس وهو ثالث ثلاثة، فوجئ عندما وجد أن العلاقة بين الرجلين أقوى بكثير مما يُقال عنها، وأن الفتنة وحدها هي التي شوشت عليها وعليهما وشوهت صورتها، فبعد ساعات طويلة من الحديث الحريص تحفه المسؤولية الوطنية والآصرة الفكرية والتنظيمية، وأشرق أمام الثلاثة في حلكة تلك الليلة أمل براق حول مستقبل الحزب والدولة، فاللقاء سيكون له ما بعده، وستظهر تجلياته على كل مستويات الحزب من أعلاه إلى أدناه، ولن يكون المؤتمر الوطني ولا الحركة الإسلامية بمثل هذا الأسلوب والمبادرات التي ابتدرها الأخ حسبو وبتشجيع السيد الرئيس .. كما كان.. فيا بشراهم أهل المؤتمر الوطني.

Who's Online

601 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

Search