الصادق الرزيقي

الصادق الرزيقي

لا تغامــر إذ ينــاديك الســـراب

(أ)
كانت الشمس تميل بذؤاباتها الذهبية إلى الزوال، حين بدأت المدينة تفيق من سكرتها ونشوتها المحرمة، ومازال الصاخبون يتقافذون على أرجلهم يراقصون ساعات الزوال تلك، وبقية القصة لم تنته بعد، وقد أذن مؤذن في الناس: (ها قد جاء وقت الرحيل)، لم يعد ثمة من يخرج من تابوت الصمت إلى ساحة الصراخ، كانت المدينة تنام على كلتا أذنيها وسدَّت الصخر إحداها والأخرى حشتها من طين وعجين الكلام البذيء، حين كانت الكلمات قد تبرجت تبرج الجاهلية الأولى..!
حكى صاحبي حكاية حملتها الريح المتعجلة سريعاً إلى سلة مهملاتها، تاهت كلماته وراء السراب البعيد، لم يكن هناك من يبتاع سمعه ببضع دريهمات من نقد الكلام، لكنني وحدي كنت هناك التقط بعض نثار الكلمات وشتيتها، وألملم حصى الحكم الضالة التي عافتها المسامع.
قال صاحبي .. والشمس تسخر من ضوئها الشارد وأشعتها الذابلة في ما بعد الظهيرة:
 (كنت في تلك المدينة الإفريقية الصغيرة التي تشبه مدينتها حتى في تعرجات وتشوهات وجهها القميء، حين رأيت الزمن يزحف منهوكاً، وقد تصبب عرقاً من مسيره الطويل ووراءه السنوات والعصور والأيام والدهور والليالي المثقلات بالأنين والشجى والنحيب والأغنيات.. كان كل شيء يشبه تلك الأسطورة الطازجة اللزجة كلسان الثور الخشن.. حين رأيت الزمن يمشي مشيته الهوجاء تلك أيقنت أبواب السماء التي لا توصد في وجه طالب وتائب، ستطرق طويلاً بأيدي هؤلاء العصاة حتى تكل أصابعهم ...).
(ب)
ثم صمت الصاحب.. حين رأى برقاً يشع في عيون سامعيه، وشهاباً من استغراب لمع طويلاً في أعين الجالسين، ثم ازدرد ريقه بصوت مسموع وبانت تفاحة آدم في أعلى عنقه وطفق يحكي حكايته:
(هاجرت بعيداً عن بلدي، أخذتني قدماي إلى العمق الإفريقي بلا تخطيط، كنت في صباي لاهثاً وراء الدنيا، جاثياً في عتبات الملذات غير المقدسة، كل شيء حولي كان برهاناً على نفسي المجاهرة بكل سوء، كنت مسافراً على ظهر شاحنة يقودها سائق عربيد من بلدي هرب لتوه مع إعلان نميري الشريعة الإسلامية، وما أن وصلنا أول مدينة في ذلك البلد الإفريقي الموشى بالرغبات المحرمة، حتى توقفت الشاحنة ونزل سائقها وقال لصاحب البار بعد أن ابتاع عشر قنينات من الخمر الرخيص: ادع لي النادل، وقال للنادل القبيح الوجه:
ــ أولاً أسكب هذه القنينات على رأسي حتي يتروي شعري ومسام جلدي .. ثم  فض لي ختم هاتيك الزجاجات السمر  اللائي شمخن على الرفوف...!!
واستحم بالخمر قبل أن يشربه وما انتشى..!!
وكلما توغلنا في ذاك البلد، توغلت الرغبات المحرمة في نفسي، عشت سنوات من التيه والضياع، غادرت نفسي من نفسي، هجرت روحي في روحي، فتشت عن ذاتي في ذاتي فلم أجد إلا  فراغ في فراغ يحتويني، مرت الأيام والشهور والسنون، وأنا من بلد مخبول إلى آخر معلون، لم أدر من نفسي إلا اسمي وبعض ذكريات غائمات كسماء تلك البلدان الاستوائية اللاهية حتى وصلت إلى القاع .. وذات يوم ..!!!
(ت)
لم أدر وأنا ذات يوم بين صاح ونائم، وحسبت أن المدينة التي أعيش فيها بلا قلب ولا روح، وأنها مجرد ليل وخمر ونساء، هي ذاتها التي تعيدني إلى نفسي وذاتي وروحي، بين صاح ونائم، سمعت أصوات آلفها كأنها جاءت من بعيد من فجاج الأرض أو من بين طيات السحاب ومن شرفات السماوات العالية، ملأت الأصوات أذني، كأنها كانت تمشي في دمي تخالط خلاياي وتعيش في صفائحي الدموية، كالنار سرت في جسمي كله، أحسست برعشة عظيمة تجتاح جوانحي وتحيلني إلى عصفور رقيق بلله ماء الخريف الثقيل..
اقتربت الأصوات من النافذة، كان بضعة رجال ونساء يمرون في الطريق، بزيهم الأبيض الناصع الفضفاض، يتراكض وراءهم أطفال كغرر السحائب، وهم يرددون: (لبيك اللهم لبيك .. لبيك لا شريك لك لبيك .. إن الحمد والنعمة لك والملك .. لا شريك لك لبيك ..).. وطوال وجودي في هذه المدن الضالة لم أسمع شيئاً يردني إلى صفاء فطرتي وروحي الظامئة.. فزعت أيما فزع .. أحسست بخوف لا يوصف، وطمأنينة مازجته في ذات الوقت وكأن يداً تنتشلني من بئر عميق مظلم امتلأ بآلاف الأفاعي إلى وجه السماء المشرق وفوق الأشجار السامقة، ابتل جسمي من العرق، وجدت دمعي المسفوح على خدي يجري بلا انقطاع كينبوع فتي.. 
(ث) 
 تعالت الأصوات في مسمعي، كأنها تحاصرني تدغدغ روحي العطشى، تروي فجوات نفسي الفارغة، أنبتت في تربتي القاحلة زهراً من سنوات عمري ظلت مختبئات في أغوار نفس شرود، لم أك أدري أن عيد الأضحى قد حل، مرت علي أعياد ومواسم حج وأشهر من رمضان وأعياد فطر وأنا في بلاد بعيدة لا هدى، كنت في صحراء مجدبة في تطواف كثير، وربما مررت بمئات المساجد في البلدان الإفريقية ولم انتبه، وربما كانت حولي أصوات لأذان ومآذن لم تلتقط أذني شيئاً منها، وربما قابلت رهطاً من مسلمين فلم انتبه لهم، لكن هذه اللحظة التي احتشدت في دواخلي ويا لها من لحظة، أيقظت ما نام من حسي وأشعلت في قلبي آلاف القناديل المضيئة، وأنارت بوهجها الكهوف المظلمة في جنبات فؤادي المختطف!!
شعرت بميلادي الثاني، فميلاد المرء الأول لا يحس به ولا يتذكره ولا يدركه بوعيه فهو مولود حدث، لكن لحظة الميلاد الثانية لا تدانيها لحظة ولا تقربها حالة، ترى نفسك وأنت تخرج من رحم الابتلاء إلى ساحة الحياة الذكية من جديد، تشعر بصرختك وأنت داخل إلى حياتك الثانية، تحس بأيديك تغسلك من خطاياك كما غُسلت وأنت مولود لأول مرة، أجنحة من نور ترفرف حولك وتحلق بك وأنت تراها.. بين أعطافها وريش النور في وجهك ونعومته تصافح جبينك وخديك ورموش عينيك، ترى بيارق من ضياء في أعلى جبال السماوات تلوح من بعيد وتلوح لك، وبصوت من وراء الغيب ينادي قلبك ويحثه على المجيء..
لا يرفرف فقط عيد الأضحى وموسم الحج حولي في تلك المدينة الإفريقية القصية، ولا نداء التلبية فقط كل شيء صلاة العيد والدعاء والتبريكات والخلوص لله عند ذاك النفر الإفريقي من المسلمين في تلك الأنحاء النائية، حتى ثغاء خراف الأضحية شعرت به وبصداه يجلجل خلجاتي ويحملني إلى بهاء عالم كريم مبارك تركته ورائي في بلدي المحبوب..    
(ج)
جمعت نفسي على نفسي، رددت قلبي إلى قلبي، شعرت وأنا أخطو خارجاً من غرفتي التي شهدت ظلماتي وظلامي الكئيب، كأنني من قبري وجدثي ورمسي أعود إلى الحياة مجلواً بنار التوبة، لم أك أعلم أن طعماً كشهد الجنان يجده التائبون هو هذا المذاق الذي أتذوقه، فكثير من الناس يسمع أصوات الملبين في بيت الله الحرام فلا ينتبهون لها إلا لماماً ولا يقفون عندها كثيراً، وكثيرون يرون ملايين الحجاج كل عام، دون أن تترقرق أمواه الإيمان في قلوبهم الغُلف، لكن عندما تشتد الظلمة ينبلج الفجر، وعندما تعلو أمواج الظلام يبزغ خيط الفجر والإشراق من بين تلاطمها..
 كنت هناك أراقب طوفان هذا الجحفل المضيء في ذاتي، كنت أظن أنني وحيد بلا نصير سُدت أمامي دروب الإياب، شاب في مقتبل العمر ضائع في غابات إفريقيا وظلماتها ولذائذ الدنيا حولي تحفزني على المسير في ساحات الضلال، لكن لطفاً من نور إلهي أنار طريقي وجعلني أمد يديَّ متضرعاً، وحولي الدنيا والأرض تشرق بنور ربها، وهبت عليَّ ساعتئذٍ عاصفة من بلدي ومن منطقتي.. الناس في أعيادها وأفراحها وكباشها، كنجوم في سماء عريض..
 

شاركنا برأيك

هل تتوقع أن يتجاوز الطاقم الاقتصادي الحالي الازمة؟

تواصل معنا

حالة الطقس بالخرطوم

Who's Online

617 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

Search