الصادق الرزيقي

الصادق الرزيقي

كسلا مدينة تلد أخرى

> ربما تكون هذه الكلمات منزلقة في مدارها، أشبه بخاطرة خاصة ... أكثر من كونها كتبت لتقال، أو تنشر لتنتشر منها الضفائر والذؤابات!! لكن رائحة الوقت تجتاح المكان، وبيننا وبين المدن موثق عظيم، خاصة حين تتجاوز جغرافيتها إلى اللامرئي في منطق المكان والإحساس به، وتتحول المدينة إلى كائن حي يبكي ويصرخ ويضحك ملء شدقيه، ويسأم وينوح ويعشق وينام ويتألم.
> هكذا بدت مدينة كسلا نهاية الأسبوع الماضي، تختزل نفسها في نفسها، وتولد روحها من روح الأمكنة ومأساتها وضحكاتها، لم يجف دثارها وثوبها بعد من الغرق والخريف والسيول في أحيائها المنكوبة ولطمات القاش العتيد، حتى تجلس تطلق الضحكة التي تشق طريقها وسط الدمع وأنة المكروب والمنكوب، منظر المدينة في أحياء (مكرام وكادقلي) وبعض الأحياء الطرفية التي جرفت منازلها السيول واخترقت متاريسها هوج المياه والرياح، كان يوحي بأن كسلا طأطأت رأسها وأرخت أهدابها على عيونها المغرورقة وتركت الدمع المسفوح يجري على الخدين الموردين، لكنها في الحقيقة تأبى أن يضيع منها تماسكها، ترفض الإغاثات ويشمر أهلها عن سواعدهم وتتعاضد وتجمع شتيتها، وتضم المتضررين إلى صدرها، ثم تبدأ معهم رحلة الحياة من جديد، لم تدع اليأس يجرف مع السيول ذياك الأمل وبريق المطمح، فمثل هذه المدن عصية على الذبول، خاصة إن كانت رائحة الوقت هي رائحة الخريف وأمواه الفيضان.
> بين هذا وذلك .. ترى وجه المدينة مجلواً بملامحه الجديدة وروح العمل التي تسري، فهناك مبادرات مجتمعية لا تتوقف.. في يوم الخدمة تخرج المدينة لإصحاح بيئتها وتغسل ووجها وأياديها وأرجلها من طين الأمطار وأغبرة الملاريا وحمى (الشيكونغونيا)، وتتعود منابر المساجد في خطبة صلاة الجمعة على حديث واحد هو النظافة من الايمان وإماطة الأذى من الطريق وجعل المدينة خالية من الأوساخ والركام، ثم ينهض البنائون والمقاولون في مبادرة لا سابق لها، وهم أهل الحرف والصنعة، لمساعدة المتضررين من السيول في إعادة تعمير ما دمر وبناء المساكن الجديدة، ويفوق الحماس أربابه ووجوههم متهللة كأنها تُعطي الذي تَعطي!!
 >  هناك مدينة أخرى تنتعش ليلاً، كأنها المعادل الموضوعي لأضرار الخريف، ففي المساء يشرق ضوء آخر يبدأ ميلاده وتوهجه عصراً عندما تمتلئ الأرصفة والكورنيش على ضفتي القاش، وفي الخريف تكثر العصافير وأوراق الورد والسياح والعرسان، فتزهر الحدائق ويتزاحم زوارها، ويضوع عطر البخور ورائحة القهوة والبن المحمص والأغنيات، وتأتلق أسمار الواقفين على جسر المسافة ما بين الدعاء والشدو، والشجن والشجي، والأعجب أن ليالي المدينة وسهر الشوق في العيون الجميلة لا يجعل العشيات المبللة الثياب من المطر كما تقول شاعرتها روضة الحاج والليلات تغطي ببردتها النهارات، الليل ليل والنهار نهار.
> في متنزه وسط المدينة وهي حديقة غناء واسعة في لب وقلب كسلا، في ليالي وضيئة تخرج الأسر تروح عن نفسها والعديد من المبدعين قد اتخذوا أركانهم ومناطقهم المخصصة لهم، كل أنواع الإبداع كان هناك.. التشكيليون والمسرحيون وأهل الغناء والطرب والمداح وجمعية التصوير الضوئي، تجتمع المدينة بكل محمولها وثقلها الإبداعي، وجدنا ثلة من الشباب النضر الغض في مكان مخصص لهم يتحلقون في دائرة معهم وزير الثقافة والإعلام نائب الوالي وبعض رموز الوزارة والإعلام النشاط الابداعي، لديهم منتدى دوري، ويدخلون في حالة اهتيام أقرب للهيام الصوفي وهم يؤدون أجمل أغنيات الحقيبة والفرائد والقلائد في الفن الغنائي السوداني وأغنيات فناني كسلا في عصرها الذهبي، من لم يشاهد ويعيش كسلا كما يعيشها هؤلاء كأنه لم يعش، مزركشات الإبداع الغنائي تبدو كلوحة ساحرة أصوات وألحان وكلمات وأشعار، عشنا ليلة باذخة الثراء الفني ومعنا الشاعر الكبير تاج السر عباس وذاكرة كسلا الأستاذ عبد الجليل محمد عبد الجليل، نقتطف من بستان الإبداع الذي يجسد المدينة وتاريخها وأعصرها الزاهيات.
> ثم تجد للمدينة وجوهاً أخرى، نظارها وزعاماتها ووجوهها وقبائلها، وهمومها أيضاً، بينما تحاصر بنفسها جرائم التهريب السلعي وتهريب البشر، لا تشيح بوجهها ولا تأبى بأحضانها للقادمين، أما الأسواق فهي ضاجة بجلبة الباعة والمتبضعين، والمقاهي العتيقة ممتلئة بنقاشات (الكورة) والسياسة ومبادرات المجتمع، وكيف دلق الوالي آدم جماع روحاً جديدة في جسد الولاية، بينما الريف ينهض وفي مراعيه الخصيبة انتشر الرعاة بإبلهم وأبقارهم وأغنامهم  وحكاياتهم ودوبيتهم، وتلوح الجبال من بعيد كأن ضرع الحياة يرضع من أثداء الجبال الشامخة.. تلك هي المدينة في وجوهها المتنوعة التي يجب أن يراها الناس، والسياسة أحياناً تفسد على الناس مباهجهم.
 

شاركنا برأيك

هل تتوقع أن يتجاوز الطاقم الاقتصادي الحالي الازمة؟

تواصل معنا

حالة الطقس بالخرطوم

Who's Online

855 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

Search