الصادق الرزيقي

الصادق الرزيقي

دور السودان التاريخي

> يوم الأحد القادم، ستشهد الخرطوم حدثاً تاريخياً كبيراً، بتوقيع الفرقاء المتخاصمين في دولة جنوب السودان على اتفاق ينهي حالة الحرب والاقتتال ويعيد الأمن والاستقرار والسلام من جديد، وسيشهد الاتفاق عدد من الرؤساء الأفارقة من دول الإيقاد والجوار السوداني، ورئيس وبعض أعضاء المفوضية الأفريقية بالاتحاد الأفريقي، وسيكون هناك ممثلين لعدد من الدول الكبرى من شركاء وأصدقاء الإيقاد ومنظمات دولية وإقليمية، وهذا الحدث ليس مناسبة عابرة ولا احتفالاً طارئاً، بل هو تأكيد على الدور الحيوي الذي يلعبه السودان في القارة الأفريقية وفي إقليم شرق أفريقيا، انطلاقاً من مسؤولية كبرى تحمَّلها السودان تجاه شقيقه الأصغر جنوب السودان.
> لماذا يكون لهذا الاحتفال طعم ومذاق خاص ..؟ السبب يكمن في أن علة دولة جنوب السودان أعيت من يداويها منذ تفجر الأزمة في2013م واندلاع حرب ضروس أدت الى تشريد ولجوء نصف سكان هذه الدولة الوليدة وتشتتهم في دول الجوار والمهاجر البعيدة، وتدمرت بنية الدولة الضعيفة أصلاً وفقد شعبها الأمل في الحياة تحت ظلال الطمأنينة والأمان، وتصدي السودان بمبادرة من الرئيس عمر البشير أمام قادة دول الإيقاد وتحمّل التفويض وتم إنجاز هذا الاتفاق في مدى زمني قصير، عملت فيه الوساطة السودانية بحذق ودراية وتجرد ودأب، ولم يكن عند أكثر المتفائلين في الإقليم والقارة السمراء أن يتم اتفاقاً قبل نهاية العام الحالي، لكن حسن إدارة التفاوض وخبرة السودان ومعرفته بدولة الجنوب وشعبها وجميع الأطراف المختلفة، جعل التفاهم سلساً والاتفاق ميسوراً والطريق سالكاً والتوقيع واجباً .
> منذ البداية كانت الرؤية واضحة عندما احتضنت الخرطوم جميع الأطراف الجنوبية، وكان السبيل والطريق نحو الاتفاق وعراً في بداياته، لكن بالصبر والحكمة والدخول مباشرة في القضايا الحقيقية وطرح الحلول الواقعية الممكنة، مكّن القادة الجنوبيين من التحاور وحسم الملفات المعقدة مثل الترتيبات الأمنية والعسكرية ثم الاتفاق السياسي وأخيراً الكيفية التي تتم بها قسمة السلطة والمشاركة فيها، ولولا الخبرة والحرص والصراحة الكاملة والإحساس الحقيقي بما يعانيه الشعب الجنوبي من رزايا ومحن ومأساة، لما استطاع السودان أن يعبر بالجنوبيين إلى بر الأمان وإلى الضفة الأخرى بعيداً من نار الحرب وأهوالها .
> ومن الضروري أن يفهم ما الذي يعنيه هذا الاتفاق الذي بتوقيعه سيتغير الوضع في جنوب السودان؟ فجنوب السودان في التحولات الجارية في المنطقة صار هو البؤرة المشتعلة الوحيدة بالقتال فلابد من إطفاء نيرانه وانتشاله من قاع النزاعات والصراعات وإدماجه في محيط من الاستقرار توطئة لإعادته إلى الحياة الطبيعية التي ستنعكس على كل الإقليم، فإبعاده من شبح التمزق والتفتت الذي كان يواجهه سيجلب للمنطقة الهدوء ويحفظ شعبه من الضياع الذي بانت مطالعه مع حرب الإخوة الأعداء، ومما يجب فهمه أيضاً أن القوى الخارجية التي كانت والغة في الشأن الجنوبي، عجزت تماماً عن صناعة السلام في هذه الدولة الوليدة، وتركت الجنوبيين يواجهون مصيرهم المحتوم دون حتى رأفة بشعبه المغلوب على أمره.
حين لعب السودان دوره وقام بواجبه تجاه جنوب السودان، لم يخب المسعى ولا الرجاء، بل حقق السودان وبإشراكه لبعض القادة والدول في المنطقة، تحولاً هائلاً في مسار الأوضاع في جنوب السودان، ولاح برق الأمل في سماء الدولة التي كانت تسير إلى حتفها ويبتلعها الظلام، وتحقق حلم الشعب الجنوبي في إسكات صوت المدافع والبنادق وفتح النوافذ، ليشع ضوء السلام لتعود الحياة إلى سابق عهدها ويرتاح هذا الشعب الذي ظل يعاني من ويلات الحروب منذ العام 1955م وحتى اليوم .
> على الخرطوم أن تستعد إلى ما بعد التوقيع، وعلى السيد الرئيس البشير ضامن سلام جنوب السودان، مواصلة جهوده لإبقاء الاتفاق صامداً أمام الأنواء والأعاصير والعواصف، فهناك من يتربص حتماً بهذا السلام الذي وُلد بُرعماً في الخرطوم، وهناك من يشتعل قلبه حسداً وحقداً على ما حققه السودان ولا يريد هذا الدور الإقليمي والقاري الذي يعيد لبلادنا دورها التاريخي الذي لعبته في أفريقيا، وكيف نشرت فوق القارة بردة السلام والانعتاق والحرية والاستقلال . 

تواصل معنا

حالة الطقس بالخرطوم

Who's Online

716 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

Search