الصادق الرزيقي

العزلة الدستورية

ولم يشأ أن يترشح بعدها، مما أفسح المجال للرئيس الحالي ماكرون للفوز بالرئاسة، ودلق هولاند مفهوماً شديد الأهمية عن حالة يعرفها القادة والرؤساء عندما يتحملون وحدهم مسؤولية قرارات مصيرية كبرى، وتقع على عواتقهم أعباؤها ثم كيفية التعاطي معها، وأطلق هولاند على هذه الحالة (العزلة الدستورية) وهو توصيف غريب الدلالة والمدلول، عندما يعرف تلك الحالة التي يمارس فيها أي رئيس سلطاته وصلاحياته الدستورية ويتخذ القرار الصعب وحده ويواجه أكلافه الكبيرة، ففي حالات كثيرة عدد الرئيس الفرنسي السابق أوقات عزلته الدستورية وشرح فيها الكثير.
> واليوم يثور جدل كثير في الرأي العام السوداني وانتقل إلى مؤسسات الحكم، حول سحب الجيش السوداني من اليمن وإنهاء وجود القوات السودانية ضمن التحالف العربي لإعادة الشرعية لليمن وعاصفة الحزم التي شنت حربها على الحوثيين الذين اغتصبوا على حين غرة السلطة في اليمن السعيد.
> إذن كان قرار المشاركة قد تم اتخاذه من قبل وفق مبررات ومسوغات مقبولة في حينها ومعقولة في تقديراتها، وجاء قرار المشاركة وفق (عزلة دستورية) حيث أن قرار المشاركة في الحرب في الدستور ترك لتقديرات السيد الرئيس ولم يكن وارداً عرضه على البرلمان، رغم أن المجلس الوطني أوغل نفسه أكثر من مرة في مناقشة هذه المشاركة واستمع لبيانات من وزير الدفاع ووزير الدولة بالدفاع، ولإجابات حول أسئلة مستعجلة عن جدوى مشاركة قواتنا في حرب اليمن بعد تصدع التحالف العربي وتحول مسارات الحرب إلى اتجاهات أخرى، وعدم التفات دولتي التحالف الكبيرتين السعودية والإمارات للتضحيات الكبيرة بالأرواح والدماء التي قدمها السودان، وعدم الإيفاء حتى بالتزامات ومستلزمات وجود هذه القوات وهي تقاتل على الأرض وعدم تنفيذ كامل بنود ما تم الاتفاق عليه من قبل الجهات العسكرية المختصة بهذا الشأن.
> أمام ضغط الرأي العام السوداني الذي يرى عدم تحقيق حرب اليمن لأهدافها وتحول أجندتها، مع ضغط عالمي وإقليمي ودعوات لإيقافها وتغليب الحل السياسي، وكون السودان يقدم خيرة أبنائه ولا يتم تقدير ما يقوم به بما يليق، ولا يتم الإيفاء بالعهود المتفق عليها في احتياجات القوات المقاتلة، وغض الطرف عما يعانيه السودان من صعوبات مقابل مكافأة من رفض وأصرَّ على عدم المشاركة في التحالف، ليس أمام الحكومة إلا الحزم والعزم الفوري لسحب القوات من هذه الحرب التي لا طائل من تحتها، فهي لن تحقق نصراً ولن تجلب السعادة التي فقد نضارتها اليمن للأبد.
> قد يقول قائل أليس الرئيس بحاجة إلى (عزلة دستورية) كما قال الرئيس الفرنسي السابق؟ الإجابة بالطبع سهلة، ليس هناك ما يصعب ويشتكل على الرئيس، ولا أحد له مصلحة في عدم التوافق معه وتأييده إذا تقرر سحب الجيش وقوات الدعم السريع من اليمن اليوم قبل الغد، فلهذه الحرب آثارها على المدى الطويل في علاقة الشعبين السوداني واليمني، فالشعب اليمني متفهم لمشاركة السودان ونواياه الحسنة في إعادة الشرعية وانتشال اليمنيين من براثن الحوثيين، وفي ذات الوقت يعلم الشعب اليمني كله المحصلة النهائية للحرب، ويعرف جيداً وجيداً جداً، من الذي شجع الحوثيين منذ البداية على الخروج من قمقمهم واجتياح صنعاء منعاً لنتائج الحوار الوطني وإجهاض ما فعله الربيع العربي وتخليص اليمن من علي عبد الله صالح؟؟ من دفع بالحوثيين في الأصل هي الجهات التي عملت على وأد الربيع العربي اليمني وإبعاد القوى السياسية الحقيقية الشعبية عن سلطة القرار وتوحيد اليمنيين في إطار وطني ديمقراطي ينهي حالة الشقاق والخلاف التاريخي في هذا البلد الشقي بعد أن كان سعيداً.
> قرار سحب القوات من اليمن لا يحتاج إلى عزلة دستورية لأنه قرار يتشاركه السودانيون جميعاً الآن، خاصة بعد أن تحولت عاصفة الحزم إلى عاصفة من الاستفزازات وطعن السودانيين في كرامتهم الوطنية وسيادتهم وإبائهم وإهانة كبريائهم العنيد العتيد.