الصادق الرزيقي

الجنائية قصص لم تروَ بعد (4)

> سيناتور مسن استقبل في مكتبه بمجلس الشيوخ الامريكي في مطلع العام 2009م، عدداً من الناشطين من أبناء دارفور من ذوي الصلات القوية بدوائر المؤامرة التي صنعت قضية دارفور وهيجت الأسر الدولية على السودان، وكان الناشطون الأربعة وهم حملة شهادات عليا من أرفع الجامعات الأمريكية على صلة وثيقة بالمدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية يومئذٍ لويس مورينو أوكامبو، ناقش السيناتور رؤية غير متشنجة مع ضيوفه، وتحدث عن مخاوف من تداعيات ما تقوم به المحكمة الجنائية الدولية على التركيبة الاجتماعية السودانية في حال تحقيقها أهدافها حتى بعد ذهاب النظام الحاكم في الخرطوم، ولم يكن الأربعة على استعداد لسماع أية مثبطات تجعل من تصميمهم يتراجع عما كانوا فيه، لكن يبدو أن تلك الجلسة الطويلة حسب ما أفاد أحد السياسيين من أبناء جبال النوبة كان مقرباً منهم، تركت أثراً لا يمكن تجاوزه عليهم مع تضافر عوامل أخرى لا علاقة لها بجلسة السيناتور العجوز، ثم تحول ذلك الأثر الى التفكير جهراً من أجل تسوية ما في قضية دارفور وموضوع المحكمة الجنائية الدولية بكل تعقيداتها في تلك الفترة. > وساهمت ظروف التضامن الإفريقي مع السودان الذي بدت ملامحه تتضح وحركة الدبلوماسية السودانية والمؤشرات الإيجابية لمنبر الدوحة الذي كان قد انطلق للتو، ومشاركة حركة العدل والمساواة، ثم ظهور حركة التحرير والعدالة كتحالف بين مجموعتين واحدة في أديس أبابا والأخرى في طرابلس، كما أن الدور الذي ظن إيجابياً لمبعوث البيت الأبيض الجنرال سكوت غرايشن وطريقته المغايرة لسلفه ويليامسون، أثارت مخاوف الدوائر المعادية للسودان في الولايات المتحدة، وبالضرورة جعلت الناشطين من أبناء دارفور المرتبطين بالمدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، ينتبهون إلى أن المتغير السياسي المتوقع قد يعصف بالمحكمة أو يضعفها الى حد بعيد. > وهنا لا يعرف على وجه الدقة تفاصيل المبادرة التي طرحت ثم تمت الموافقة عليها، للقاءات حدثت بين المجموعة الناشطة في المجال الدولي من أبناء دارفور التي أشرنا إليها ورسميين من الحكومة وأجهزتها، وأحيطت اللقاءات بسرية كاملة وأُطبق عليها ستار من التكتم الى درجة أن مخابرات الدولة التي احتضنت اللقاء في عاصمتها بفندق (هيلتون) لم تكن تعلم باللقاء الأول إلا بعد انفضاضه وسفر المشاركين من الطرفين، وتكررت اللقاءات خلال تلك الفترة أكثر من مرة وطرحت فيها كل القضية برمتها، وأهمها كان موضوع الأحد عشر شخصاً الذين تقدموا بالشكوى، والثلاثة وأربعون شاهداً الذين استجلبتهم المحكمة ومكتب المدعي العام من معسكرات اللاجئين في شرق تشاد ومراكز إيواء النازحين في ولايات دارفور. > وبالرغم من أن اللقاء كان سودانياً خالصاً، لم يكن هناك طرف ثالث فيه، كانت هناك شكوك من الجانبين في صحة كل المعلومات والحيثيات المطروحة حول موضوع الشاكين والشهود وإمكانية إرجاعهم وفضح المحكمة الجنائية ومدعيها العام أوكامبو ودوره في تقديم الرشاوى وصرف الأموال في تجميعهم وتوطينهم والحفاظ عليهم شبه رهائن في دول أوروبية وأستراليا والولايات المتحدة الأمريكية وكندا وفي أمريكا اللاتينية. > واتضح في هذه اللقاءات بالدولة الإفريقية التي كانت تعج بتحركات واتصالات مختلفة المسارات، أن عملية تحضير الشهود الشاكين تمت بطرق ملتوية وأكاذيب وتضليل تعمدته المنظمات الغربية ومكتب المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية بشكل لم يسبق له مثيل تجاوزت فيه المحكمة كل القيم الأخلاقية والمتعارف عليه في نظم العدالة، ومارست دوراً قذراً منافياً لطبيعة العدل والقانون، وكانت أداة رخيصة في يد السياسة العالمية والعمل الاستخباري الدولي. > ولم تسفر تلك اللقاءات عن شيء ملموس، وربما كان مكتب المدعي العام على اطلاع كامل وبتفاصيل دقيقة حول ما يدور فيها، او قد تكون هناك ظروف اخرى جعلتها تخفق في تحقيق أهم أهدافها وهي استرجاع بعض الشاكين والشهود وفضح المحكمة أمام العالم بأنها ضللت الرأي العام العالمي والمؤسسات الدولية ومنها الأمم المتحدة ومجلس أمنها بمعلومات كاذبة وأدلة مفبركة وبشاهدات شهود غير صحيحة، وكانت فكرة تأمين رجوع ثلاثة أو أربعة من الشاكين والشهود كافية لفضح المحكمة وكشفها أمام العالم، ومن ثم كانت الفرصة مواتية تعجل بطمر المحكمة الجنائية الدولية في لحدها العميق الضيق. > مع أنه توجد روايات مختلفة ومتضاربة حول هذا الموضوع، لكن لم تكن تلك آخر محاولة تبذل في موضوع شهود المحكمة أو ضحاياها المغرر بهم والمخدوعين بخدعتها، خاصة أن المنظمات التي كانت تستضيف وتحتضن جزءاً من هؤلاء الشهود والشاكين تواترت معلومات حول تقاعسها وتخليها عن التزاماتها بشأن إقامتهم والصرف عليهم.

تواصل معنا

حالة الطقس بالخرطوم

Who's Online

655 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

Search