mlogo

الثقافة والفنون

اجتماعي و ثقافي

نقد القصة والرواية عند معاوية محمد نور

عز الدين ميرغني
نشأ معاوية محمد نور وسط أسرة دينية اشتهرت بالأدب وتدريس الفقه  في مدينة أم درمان , وقد التحق بالخلوة منذ صغره  وقد ساعده في ذلك في تقوية ملكته اللغوية .. وبعدها واصل دراسته الثانوية في كلية غردون , وهي التي قوّت من لغته الإنجليزية .. ثم سفره ودراسته للطب , وهي دراسة لم يكن راغباً فيها .. وقد تركها بعد عامين , لأنه كان راغباً في الأدب ودراسته .. وقد ساعدته تلك السنوات البسيطة في دراسة الطب والعلوم في تقوية ملكة المنطق والاستقراء والبحث الصبور الدءوب .. وأيضاً وجوده في بيروت وفي الجامعة الأمريكية , زاد من اتصاله بالعلماء والأدباء وبالثقافة الآنجلوفونية  .. وحياته بعد ذلك في القاهرة , وسط بيئة ديمقراطية , بعد ثورة 1919م , وظهور المدارس الأدبية الجديدة , ثم مجايلته لفطاحلة الأدب في مصر , من أمثال المازني والعقاد وطه حسين , ثم وجود الصحف والمجلات الرصينة , كل ذلك قوّى من ملكاته الأدبية في القصة والنقد ومعرفة الرواية .
   كانت مصر في الفترة التي عاش فيها معاوية محمد نور , تعج بالتيارات الأدبية المختلفة , فنشأت مدرسة الديوان , والتي أسسها المازني والعقاد وشكري , وهم أبناء المدرسة الأنجلوسكسونية في الأدب .. أما طه حسين وهيكل والحكيم , فقد كانوا يمثلون جماعة أبولو والتي تأثرت بالمدرسة الفرنسية اللاتينية .. لقد تميزت هذه الفترة عند معاوية نور بالقلق الفكري والنفسي وبحثه الدائم عن التماهي بين ثقافته العربية وحبه للثقافة الأوروبية .
نمت القصة القصيرة في مصر في أحضان الصحافة , وخاصة بعد ثورة 1919م والتي أتاحت حرية الكتابة والتعبير , وقد بدأها القاص محمود تيمور , والأخوان عيسى وشحاتة عبيد , ومحمود طاهر لاشين وهيكل الذي كتب رواية زينب بعد ذلك في عام 1914م والتي كتب بعدها قصتين ثم توقف . وكتب بعدها جبران خليل جبران ( الأجنحة المتكسرة ) , ويقول معاوية نور بحسه النقدي القوي عن هذين الكتابين , ( في هذين الكتابين , تجد مساحات ضوئية متولدة من الإحساس بالطبيعة , ترف عبرها , كآبة نابعة من ملامسة الواقع وحنين دافق إلى ما وراء هذا الواقع وتتكرر فيها المنولوجات التأملية , فتضعف حدتها وتبطئ إيقاعها ) , ونلاحظ بأنه من أوائل النقاد الذين استخدموا مصطلح المونولوج في كتاباته النقدية .. وهو مصطلح فرنسي يعني الحوار الداخلي أو الخارجي .. نستطيع القول بأن أدب القصة , وفي تاريخه من بداية القرن وحتى منتصفه , قد اتخذ ظاهرة أدبية , تجديدية , تحمس روادها , لما أسموه بظاهرة الأدب الجديد , أو أدب المستقبل .. وهو مصطلح يعني الشكل الأوروبي في معيار كتابة القصة القصيرة .. وهو المعيار التقليدي في كتابتها والذي ما يزال مستمراً حتى الآن رغم الدعوة للتجريب والتجديد .
كانت هنالك بدايات متواضعة في نقد القصة القصيرة , في بدايات القرن العشرين .. والتي بدأها ( محمد فريد وجدي ) , في العام 1910م في مقالات في صحيفة ( العلم ) , وهي بمقاييس النقد الحديث تعتبر من الخواطر والانطباعات الذاتية يقول فيها : ( هذه العادة الجديدة في الكتابة ( القصة ) , لا تلائم أحوالنا الاجتماعية , ولا تناسب أسلوبنا في الشؤون الحيوية , فيخشى أن تحدث تأثيراً في عاداتنا تعود على الروابط الأصيلة لمجتمعنا ) . وكذلك كتب ( محمد عبد الله عنان ) مقالاً عن أدب القصة والرواية وقد قال في مقال له في مارس 1930م في صحيفة السياسة الأسبوعية والذي يقول فيه ( كانت أوروبا أسبق إلى الإنتاج في القصة القصيرة , لأنها أتاحت الفرصة للمرأة أن تشترك في مجالات الحياة المختلفة وأن تقف جنباً إلى جنب مع الرجل .. أما الدكتور هيكل الذي سبقت كتاباته معاوية محمد نور , الذي جاء في كتابه ( ثورة الأدب) , الذي صدر في العام 1925م بأن تخلف فن القصة القصيرة يعود إلى تخلف مجتمعاتنا , وتخلف دور المرأة في الحياة الاجتماعية . والمتمعن في هذه الآراء النقدية والتي سبقت كتابات معاوية محمد نور يجد مدى السذاجة والآراء الفطيرة حول القصة القصيرة , وتكشف اللا معرفة واللاعمق في قراءتها ومعرفتها .. ما يصب في مصلحة ناقدنا الكبير ودوره الرائد في هذا المجال .
عرّف معاوية محمد نور بأن القصة القصيرة ما هي إلا ثورة الديمقراطية في عالم الأدب وقد وفق أيما توفيق في تعريفه للقصة القصيرة الذي ما يزال يختلف الناس حوله , وهو في ذلك قد تأثر بالمدارس النقدية الإنجليزية في تأطيره لمصطلحاتها , فقد جاء بمصطلح القصة القصيرة وبمصطلح الرواية, وهو الذي أطلق على نص هيكل مصطلح الرواية فقد كان يطلق عليها النقاد مصطلح ( القصة ) .. وقد فات ذلك حتى على النقاد المحدثين أمثال الدكتور محمد يوسف نجم , والدكتور عبد المحسن بدر , وهم يطلقون مصطلح القصة حتى على الرواية .. كان معاوية محمد نور على دراية كبيرة بالمصطلحات السردية الحديثة والتي تفرق بين الرواية والقصة القصيرة والطويلة . الذي يرى بأن القصة القصيرة تترك أثراً واحداً قوياً, بخلاف الرواية والتي تترك آثاراً متعددة وتسهب في الوصف وتعدد الشخصيات , وهي آراء لم يسبقه اليها واحد من معاصريه من النقاد العرب . والرواية في رأيه عكس القصة القصيرة والتي تقلل من شخوصها وتكثف لغتها الساردة .. وتجعل من الحدث الواحد محورها .. وفي رأيه بأن الرواية تمثل الحياة الواسعة والعريضة مع التاريخ يعرضهم المؤلف في وصف دقيق وتحليل عميق لشخوص روايته , وهذا الأسلوب لا تسعه طاقة وبنية القصة القصيرة . فطبيعتها لا تقبل ذلك, والتي لا تقبل الإسهاب ولا الإطناب السردي .. ويقول بأن القصة القصيرة تحتاج إلى الفردية في الوضع والتأليف , وقد أطلق عليه النقد الحديث ( الصوت المنفرد ) , وقد سبقهم في ذلك الناقد معاوية محمد نور .. والنقد الحديث يتفق مع آرائه النقدية فيقول بأن المسافة والطاقة المحددة للقصة القصيرة تجعلها لا تتحمل كثرة الشخصيات , ولا تزاحم الأحداث , فهي تعبر عن الصوت الواحد المنفرد والمتوحد والمتألم من ما حوله .
يخالف معاوية نور رأي معاصريه من الذين كتبوا في نقد القصة , أمثال هيكل وعبد الله عنان ومحمد أمين حسونة , والذين أجمعوا بأن تخلف المرأة , وبعض القيود الدينية الصارمة , هي السبب في تراجع أدب القصة القصيرة في العالم العربي .. ومعاوية نور يرى بأن المرأة ليس من المفترض أن تكون محور القصة الرئيسي , وهنالك كتاب كبار لها في أوروبا مثل موباسان وتشيكوف وديستوفيسكي , لم تكن المرأة هي محور القصة الرئيسي فيها ,. ومن آرائه  النقدية الصائبة , أنه يرى بأنه ليس بالضرورة أن نقلد كتابة الغرب عن الحب والعواطف المكشوفة حتى تكون قصصنا ذات مضمون عميق وقوي .. وهو كان من الذين يرون بأن عاداتنا وتعاليمنا الإسلامية يمكن أن تصاغ في دنيا الرواية وعوالم القصة القصيرة .. والذي أطلق عليه البعض حديثاً بـ( الأدب الإسلامي ) . والناقد معاوية , يعزو تخلف القصة القصيرة في العالم العربي لعدم وجود تراث عربي وميراث أدبي لهذا الجنس الأدبي .. ثم عدم وجود القارئ المواكب والمشجع لمثل هذه الكتابات السردية .
من آراء الناقد معاوية محمد نور القوية والجريئة والمواكبة , نقده للمدرسة التاريخية في الأدب ( التاريخانية ) , والتي تنادي ولا زالت , بدراسة عصور الأدب التاريخية والبيئية التي أنتجته , ويرى بأنها مدرسة تشرح ولا تفسر , ولا تقدر العمل الأدبي الذي أنتجه الأديب , ولأفقه النقدي الواسع , فهو لا يعيب هذه المدرسة عيباً كاملاً , فهو يؤكد فعلاً بأن الأديب هو فعلاً ابن عصره وابن بيئته . كما يعيب على المدرسة النفسية تلك التي تعني بدراسة الأديب , طفولته ومساره النفسي والاجتماعي , ويرى بأن هذا لا يعين في دراسة وتذوق النص الأدبي , ويعتبر هذا من الأمور التافهة وأن النقد يتعالى عليها .. وبذلك فهو ينادي بأن ينصب النقد على دراسة النص وبنيته التكوينية ,وهو بذلك من أوائل الذين دعوا بنظرية ( موت المؤلف ) .. ومن خلال دراسة النص حسب رأيه نستطيع أن نستشف الصدق العاطفي عند كاتبه , وهل عبر عنها تعبيراً جيداً , وما هو تأثر القارئ به ( لذة النص ) , ومن خلاله أيضاً يمكننا أن نقيس قوة الخيال عند الكاتب .. وهل هو بعيد وغائر في النفس , أم سطحي لا يترك أثراً . وحديثاً يتفق الكاتب الطيب صالح مع رأي معاوية محمد نور فلا يوافق على موت المؤلف فيقول : ( لا أؤمن بفكرة موت المؤلف إطلاقاً لكني اتخذت من هذا البلد مسرحاً لكتاباتي وعبرت عن أفكار معقدة لكني مثل أي كاتب يتأثر بالبيئة التي نشأ فيها وتربى ثم غادرها إلى أوطان الآخرين فيظل الحنين دائماً لهذا الوطن في القلب ومن خلال القلم بالإضافة إلى أن البيئة السودانية غنية جداً وتعد مسرحاً ممتازاً لنسج أحداث شتى فهي تقع على وادي النيل وفي ذات الوقت هي امتداد لبادية كبيرة في السودان تعيش فيها قبيلة بدوية عربية تسمى ( الكبابيش ) , وهذا العادي بكل تراكماته الحضارية إلى جانب ما في البادية من ثراء يجعله مشهداً عظيماً لمعظم أحداث رواياتي ) . ومعاوية محمد نور كان يهتم في نقده بأسلوب الكتابة في القصة وهو ما يسمى حديثاً بالأسلوبية . وهو يرى بأننا في نقدنا للقصة يجب أن نلاحظ بدقة هل أحدث الكاتب بنصه هذا قالباً وشكلاً جديداً ؟ وهل استخدم اللغة استخداماً جيداً في توصيلها للمتلقي ؟ وبذلك يرى بأن يكون الناقد واسع الشعور والفكر وعميق الإحساس ودقيق النظر والتقدير وواسع الاطلاع والثقافة , بأحسن ما أُنتج من كتب الفكر والأدب في عصره والعصور السابقة .. وبهذا يكون الناقد معاوية قد وضع المبادئ الأساسية للناقد الحديث .. فهو يرى بأن الناقد يجب أن يكون الناقد مجرداً من العواطف الشخصية في نقده فلا يحابي ولا يعادي ولذا عاب معاوية نور نقد ( المازني ) العدائي الانطباعي وقد صدق في ذلك .
لقد كان الناقد معاوية محمد نور أعمق  في نقده للقصة والرواية من العملاقين العقاد وطه حسين , اللذين مالا لنقد الشعر والشعراء في دراساتهم النقدية . فالعقاد يرى بأن القصة الجيدة هي التي تركز على فن التعبير اللغوي , أما طه حسين فهو يرى بأن قوتها هو تأثيرها القوي على المتلقي .. وقد تجاوزهما معاوية نور , بمناداته في التعمق في تحليل النص.. فالنقد عنده هو همزة الوصل بين النص الغامض والصعب وبين المتلقي.. وأن لا يدخل إلى النص من مدخل ضيق وذي اتجاه واحد .. وقد طبق ذلك في كل مقالاته النقدية , فقد التقط بوعي وثقافة عميقة التحولات الجديدة في الإبداع الأدبي من الرومانسية , وحتى الواقعية الطبيعية , ومنها إلى الواقعية التسجيلية , ويبدو تأثره البين والواضح بمدرسة التحليل النفسي للأدب , ورغم ذلك لم ينكفئ على مدرسة واحدة , بل كان من أصحاب المدرسة الشمولية في النقد .. والتي تسعى إلى ما يمكن أن نطلق عليه النقد التوصيلي التوطيني , الذي يسعى إلى توطين مستجدات الفكر والثقافة بالبحث لها عن موطن مناسب تقيم فيه داخل البيئة المحلية لتنطلق منه إلى رحاب العالمية , وهو ما نادى به الروائي الكبير الطيب صالح وطبقه في نصوصه الروائية .

تواصل معنا

Who's Online

401 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

Search