الثقافة والفنون

اجتماعي و ثقافي

مواجهة الذات

في كثير من مواقفنا الشخصية نواجه بعبارة (احترم نفسك)، وربما يعتبرها الجميع نوعاً من الإهانة وترتفع فيها النبرات وفي بعض الأحيان يحدث اشتباك عنيف بين الأطراف بحجة أنها تقليل من الاحترام.
الحقيقة أن هذه العبارة هي من العبارات التي تتركنا مع أنفسنا للحظات في مواجه الذات، وهي دعوة ضمنية لمواجهة الذات.
تعتبر مواجهة الذات من الأمور الشديدة الصعوبة على الإنسان ولا يجرؤ الكثير منا على مواجهة نفسه، والسبب في ذلك يعود الى خوف الإنسان من تلك المواجهة التي تكون فيها جميع الحقائق واضحة وماثلة بدون تزييف..
ولكنها من الأهمية بمكان لنجاح الإنسان في حياته، فمواجهة الشخص لذاته فيها الكثير من الشجاعة والفوائد التي تعود على الشخص في تحقيق ذاته وتطلعاته واستثمار قدراته.
تعود الأهمية في ذلك أن الشخص يعي تماماً نواقصه وخبايا نفسه ومساوئه التي يخشاها ولا سبيل للتخلص منها، سوى بمواجهتها بوضوح..
إن الكثير من الناجحين والمتفوقين في مجالاتهم العلمية والعملية هم أشخاص نجحوا في مواجهة ذاتهم واكتشفوا نواقصهم فأتموها او عملوا على معالجتها والتقليل من أثرها في مجالاتهم التي برعوا فيها..
والكذب على الذات فيه مضار جمة تحيق بالنفس وتتركها عرضة للاضطرابات النفسية المختلفة.
كثيراً ما نجد عبارات لدى المعالجين النفسيين ولدى المهتمين بالتنمية البشرية، على أمثلة:(تنمية الذات) (اكتشف قدراتك) او (تقدير الذات) وهي كلها عبارات مواجهة لمواجهة الذات بطريقة او بأخرى.
ولربما من الأفضل للشخص معرفة عيوبه والعمل على علاجها حتى لا تؤثر على مجمل حياته..
والكثير من الناس يلجأ الى الظهور بمظهر غير الذي يكون فيه من الداخل وهو ما يسبب صراعاً خفياً بين ما تطلبه ذاته وبين ما يريد أن يظهر به أمام الناس، حتى يزداد الصراع يوماً بعد يوم الى الدرجة التي قد يتسبب لذاته بالكآبة والحزن الشديدين، وهو ما يسمى بالمعيار الخارجي للحكم على الذات، وهو أن ينتظر الشخص الحكم على ذاته من الآخرين مدحاً وإشادة وهو قد ما لا يجدة دوماً من حوله..
إن الراحة النفسية تكون دائماً في الرضى الذاتي عما يقوم به الشخص لذاته وليس فيما يتلقاه الشخص من مدح وثناء..
ولا نلغي هنا فضيلة إسعاد الآخرين، ولكن يجب أن يكون العمل موجهاً في البدء لإسعاد الذات وتكون النفس راضية بما قامت به..
إن انتظار الثناء من الآخرين تصنع في الإنسان الخيلاء والكبر، وهي صفات مذمومة في الإنسان.
ومما يستدل به في اهتمام القرآن الكريم بمعرفة النفس، هو أن يستمر الإنسان في تربية ذاته وصلاح نفسه. وحث الإسلام المسلمين على مواجهة الذات في آيات كريمة قال تعالى:
«يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ ۖ لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ۚ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (105)» المائدة
وقال جلَّ من قائل:
{وَفِي أَنفُسِكُمْ ۚ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (21)} الذاريات
يلحظ القارئ للآية الأولى من سياقها دعوة الله للمؤمنين أن يلزموا أنفسهم بحيث لا يضرهم ضلال الآخرين إذا هم كانوا ملتزمين بالهداية والطريق القويم، وهو معيار ذاتي للحكم على الذات وهي كذلك دعوة ضمنية لعدم الحكم على ذاتهم من خلال ضلال الآخرين والله تعالى أعلم.
ومواجهة الذات وتشخيص قدراتها ومواهبها لها أهمية بالغة من وجهة نظر القرآن الكريم تساعد الإنسان في مسيرة حياته على أن يختار الطريق الأصح والمتوافق مع تركيبته الفطرية ليصل إلى السعادة.
اما في الآية الثانية فهي دعوة للتبصر في النفس وهي دعوة اكتشف العلماء فيها الكثير من المعجزات في جسم الانسان من تنظيم وتركيب دقيق لا يضاهيه تنظيم وهي كذلك دعوة لاكتشاف النفس ومعرفة خباياها وكلمة نفس تشمل الجانبين الروحي والجسدي ولو تبصر الانسان في نفسه لاكتشف قدرات قد يظن الشخص انها خارقة ولكنها هي هبات من الله تظهر مع تبصر الإنسان بنفسه.
فكل منها لديه جوانب نقص وضعف فيجب عليه مواجهتها ومعالجتها وكذلك لدينا جوانب موهبة وتفوق وابداع في ذاته عليه اكتشافها ومعرفتها وتنميتها.
إن مواجهة الذات ضرورة حتمية لكي نتمكن من النهوض بأنفسنا وتحقيق ما نصبو ليه..
خالص تحياتي
 

شاركنا برأيك

هل تتوقع أن يتجاوز الطاقم الاقتصادي الحالي الازمة؟

تواصل معنا

حالة الطقس بالخرطوم

Who's Online

756 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

Search