mlogo

الثقافة والفنون

اجتماعي و ثقافي

مخرج (ساموت في العشرين) بعد فوزه بجائزة (أسد المستقبل):

الفيلم السوداني الجميل «سأموت في العشرين» لأمجد أبو العلاءالفيلم من الأعمال السينمائية التي أثارت الانتباه في الدورة الحالية من مهرجان البندقية، بعيد عرضه على الصحافة والجمهور ضمن قسم «أيام فينيسيا» وبعد فوزه بجائزة «أسد المستقبل» التي تكرّم العمل الأول. هذه الجائزة يترأس لجنة تحكيمها هذا العام المخرج الصربي الكبير أمير كوستوريتسا. الفيلم يتعقّب مصير الصبي مزمّل الموعود بالموت عند بلوغه العشرين من شيخ صوفي في القرية التي يعيش فيها بعمق السودان. يمضي وقته في انتظار تلك اللحظة، إلى أن يتعرّف إلى العمّ سليمان (صديق والده الغائب بداعي السفر) فيدخل عالمه، ليكتشف أن الحياة ليست فقط تلاوة قرءان في انتظار الموت. فيلم أبو العلاء ساحر، يحمل براءة العمل الأول وصفائه وصدقه، ويؤمن بالسينما كأداة تواصل بين البشر، مقدماً صورة غير مسبوقة عن السودان. في الآتي، مقابلة «الاندبندنت» مع أبو العلاء، أُجريت معه في مهرجان البندقية.
*كيف ولدت فكرة "ستموت في العشرين"؟
بعد وفاة جدتي التي كانت خلف تربيتي، سافرتُ من دبي إلى السودان للمشاركة في العزاء. الساعات الأربع التي استغرقتها الرحلة خصصتها لقراءة المجموعة القصصية "الموت عند قدمي الجبل" لحمور زيادة. وجدتُ نفسي مشحوناً بهاجس الموت، وعلاقة الإنسان به. فأنا لا أتحمّل فكرة الموت، لا أفهمه ولا أستوعبه. سألت نفسي: كانت جدتي سيدة تحب الحياة ومليئة بالمرح. لماذا ماتت؟
*هل تعاونتَ مع كاتب الرواية على الاقتباس؟ وكيف تصف التجربة؟
كانت علاقتي بحمور زيادة سلسة وبسيطة، فهو ككاتب كان منفتحاً على الاستكشاف ويمتلك فضولاً كبيراً ليرى كيف يمكن لقصة من تأليفه أن تتحول نصّاً سينمائياً عبر كتّاب آخرين، وقد أبدى سروراً من تطويرنا أنا ويوسف إبرهيم (كاتب السيناريو مع المخرج)، وإضافتنا لشخصيات جديدة. وقرأ كلّ مسودات النصّ من دون أي تدخل منه، بل على العكس كان مستمتعاً بعملية كتابة النصّ السينمائي وتطوّرها.
*كم استغرق التصوير؟ وفي أي مناطق تحديداً؟ وما المشكلات التي تعرضت لها خلاله؟
استغرقت عملية التحضير للتصوير ما يقارب العامين. باشرتُ البحث عن أماكن مميزة ومناسبة للتصوير في ولاية الجزيرة، ثم جاءت المرحلة الأهم والأصعب: البحث عن ممثّلين في دولة لا تمتلك أي صناعة سينما. ثم عام كامل من البروفات مع الممثّلين المحترفين والجدد، لكن التصوير في حدّ ذاته استغرق شهراً فقط. أكبر المشكلات التي واجهتنا أنه ما من وجود لصناعة سينما في السودان، ممّا ينعكس سلبياً على الخبرات في كلّ المجالات السينمائية، على الرغم من أن هناك العديد من المواهب، لكنها لا تمتلك المواهب المتراكمة من حيث التجربة والتخصص، وأغلب الفنيين المحليين يعملون في مجال الإعلانات. هذه النقطة تحديداً كنت مدركاً لها، وجعلتني أكثر تفهّماً للوضع العام. لكنهم كانوا شغوفين بالتجربة وبفكرة أن يصنعوا فيلماً روائياً سودانياً. وكانت النتيجة مرضية جداً بالنسبة إلي وإليهم.
*صوّرتَ وقت الاحتجاجات هل كان لهذا تأثيرٌ ما في الفيلم؟
تزامنت أولى أيام التصوير مع اندلاع شرارة الثورة السودانية. أذكر لحظة إخباري بحرق مقر حزب المؤتمر الوطني الحاكم في مدينة عطبرة، شعرنا ونحن نواجه كلّ هذه الصعوبات الفنية والاجتماعية أننا نشارك بعملنا في صنع ثورة موازية. لكن التأثير الأكبر للتظاهرات هو أنها شغلت السلطات، بكلّ تعنتها وعرقلتها، عنّا. فكان آخر هم السلطات الأمنية هو وجود فريق تصوير في إحدى القرى بولاية الجزيرة. كان الجو مشحوناً بسعادة غامرة، لا بين السودانيين فحسب، بل أيضاً بين الفريق الفرنسي المشارك في التصوير الذي كان قادماً من باريس حيث تظاهرات السترات الصفر،
وفي كلّ الأحوال، أن تصنع فيلماً سينمائياً في بلد مثل السودان هو ثورة في ذاته.
هذا أول فيلم لك. هل كانت لك مخاوف من الوقوف خلف الكاميرا؟
هذا ليس فيلمي الأول، بل هو أول فيلم طويل من إخراجي، فقد تعمّدتُ طوال السنوات الماضية أن أعمل بشكل دؤوب خلف الكاميرا كمخرج ومنتج أو أمامها كممثّل. أخرجتُ ستّة أفلام قصيرة، وأنتجتُ خمسة أفلام قصيرة، اكتسبتُ بعدها الشجاعة لتحقيق فيلمي الطويل وهو لم يكن أبداً بالأمر السهل.
*دول عدة شاركت في الإنتاج، هل أملوا شروطاً معينة عليك؟
إطلاقاً. بالعكس، كانوا في حالة من الفضول لمعرفة ماذا أريد أن أحكي عن عالمي الخاص، عن هذا البلد الذي أتيتُ منه، والذي لا يمتلك صناعة سينمائية، وعلى الرغم ممّا يمثّله هذا من سوء، فكان من الجيد أن يُصوَّر الفيلم فيه، لإلقاء الضوء على مكان يزدحم بالقصص التي لم تُروَ بعد.
*إذا كان لا بدّ من اختزال الفيلم في تيمة واحدة…!
الموت والتحرر. الثورة على القيود والخروج من الصندوق ومن القوالب التي يجبرك المجتمع بعاداته وتقاليده أن تخضع لها وتقبع في داخلها.
*ثلاثة أفلام سودانية ظهرت فجأة. هل مدّك هذا بالأمل؟
لم أفكّر في الأمر بهذه الطريقة، أنتَ لا تنظر إلى مَن هم بجوارك في المركب ذاته، بل تنظر أمامك! ربما بالنسبة إلى مَن يرى حضورنا في المهرجانات الآن يبدو الأمر مختلفاً، لكن وقتها لم يكن لدينا أمل. في الوقت الذي كانت مروة زين تعمل فيه على فيلمها الوثائقي "أوفسايد الخرطوم"، كانت أيضاً تعمل معي كمساعدة مخرج، لكن الأوضاع الصعبة في فيلمينا والتأخير والعراقيل التي واجهناها لم تسمح لنا بترف الأمل. إلا مع عرض فيلم مروة، وصهيب قسم الباري "التحدّث عن الأشجار" في مهرجان برلين الماضي، حيث كنت وقتها في مرحلة المونتاج في القاهرة.
*ولكن، ما الذي كان يمنع قيام سينما سودانية في الماضي؟
ببساطة شديدة، كان النظام السياسي الإسلامي يحارب الفنون بشكل عام، والسينما بشكل خاص. أنتج ذلك بيئة لا تشجّع على صناعة أو مشاهدة السينما، وبدأ هذا منذ الحقبة التي كانت فيها الدولة الداعمة الوحيدة للسينمائيين في بلد لا توجد فيه سينما تجارية، وتالياً لم يتّسع الأفق للإنتاج المشترك ومفهوم السينما البديلة الذي أخذ وقتاً طويلاً حتى جاء جيلنا ليتعامل معه بأريحية كواقع جديد مفروض عالمياً.

تواصل معنا

Who's Online

523 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

Search