اجتماعي و ثقافي

شهيد المتاريس .. (يا وجعة القلب الحزين)

هادية قاسم المهدي
كان الطفل الأسمر محمد عيسى – 16 سنة - يبدو كطفل شقي وهو ( ينطط ) أمام المتاريس بساحات الاعتصام ، وكانت هذه الشقاوة هي التي لفتت إليه انتباه الثوّار خاصة أثناء ترديده : (شفّاتة بجاي ..كنداكة بجاي ) و (أرفع يدك فوق والتفتيش بالذوق ) وهو يتمايل مع إيقاع الهتاف ، وربما كان محمد أكثر الثوّار وضوحاً لجهة انه ظل ومنذ بداية الاعتصام مرابطاً أمام التروس وفي مداخلها . ولم يتوقّع هذا الفارس الصغير أن يغادر مكان حراسته قبل النصر ،لكن التوقعات كانت عكس ما حدث ،فاذا بالقدر يزفّه شهيداً في التاسع من رمضان بعد إصابته بثلاث رصاصات متأثرا بجروحه لترتقي روحه عند الثالثة صباحاً .
حينما نادت الثورة أبطالها للخروج من مأمن البيوت، كان محمد من أوائل الذين خرجوا من ديارهم ملبين نداء الوطن ، فخرج من منزله بالحاج يوسف الردمية مربع ( 5) لم تمنعه طفولته الغضّة ولا شقاوته تلك بل كان حلمه دافعاً كبيراً ،فحق لهذا الطفل وأنداده أن يعيشوا واقعاً أفضل من ذي قبل . حيث كان يحلم بالحرية والسلام والعدالة .
ثلاث رصاصات
كان وقع خبر استشهاد (الدودو ) قاسياً على الثوّار الذين ذرفوا لفقده الدموع ،فبعض شهود العيان أكدوا ان جسمه النحيل كان ملطخاً بالدماء بعد أن إخترقته ثلاث رصاصات أبت إلا أن تسرق حلمه الذي لم يكن بعيداً عن مرآه .فيما أوضحوا أن والدته والتي كانت بقربه في مستشفى دار العلاج انهارت باكية وكان هو يطلب منها ألا تتركه وإلا سيموت – بحسب الرواية .هي لحظات مؤثرة ومشاهد لا مجال معها للاستقواء والتجلّد .
وآخرون
فقطعاً محمد ليس وحده الذي غادر الدنيا مستشهداً وهنالك عدد من صغار السن الذين لم ترحمهم الرصاصات المقصودة والطائشة فرحلوا بأحلامهم التي كانوا يأملون لها التحقيق ،لكن اليقين : ( ولا تحسبنّ الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون ) صدق الله العظيم ، فالحلم هنالك واقع والجرح هنالك ملتئم إن شاء الله ،وتبقى جراح الشعب هنا مفتوحة ودموع الأمهات مسكوبة ومنهمرة كسريان النيل .نسأل الله أن يتقبّل شهداء الثورة وأن يربط الله على قلوب أمهاتهم وذويهم ،وأن تخرج البلاد من ضيق النفق الى مساحات الأمل الشاسعة .