mlogo

الثقافة والفنون

اجتماعي و ثقافي

ربما أنا أكتب أدباً جميلاً من حقه أن يصبح أدباً عالمياً

أجرته: فائزة مصطفى
أحلام مستغانمي، كاتبة وروائية جزائرية، ابنة مناضل إبان الثورة التي شهدتها البلاد ضد المستعمر الفرنسي. وعملت في بداياتها في الإذاعة الوطنية مما خلق لها شهرة كشاعرة، إذ لاقى برنامجها (همسات) استحسانًا كبيرًا من المستمعين، ثم انتقلت إلى فرنسا في سبعينيات القرن الماضي، حيث تزوجت من صحافي لبناني، وفي الثمانينيات نالت شهادة الدكتوراة من جامعة السوربون. وهي تقطن حالياً في بيروت، وحازت على جائزة نجيب محفوظ لعام 1998م عن روايتها (ذاكرة الجسد).
ومن أعمال أحلام مستغانمي (على مرفأ الأيام) 1972. (كتابة في لحظة عرى). (ذاكرة الجسد) 1993، التي تحولت إلى مسلسل بالعنوان نفسه (فوضى الحواس) 1997، هي عبارة عن الرواية الثانية في ثلاثيتها (ذاكرة الجسد، فوضى الحواس، عابر سرير) تتحدث عن خالد رسام جزائري وعلاقته بابنة رفيقه المناضل (عابر سرير) 2003 (نسيان com) (قلوبهم معنا قنابلهم علينا) (الأسود يليق بك) 2012م. وديوان شعري بعنوان (عليك اللهفة) 2014م بالمشاركة مع الملحن مروان خوري.
صاحبة (فوضى الحواس) أكدت أنها كاتبة الرغبة وليس الإثارة تماشياً مع عبارتها الشهيرة (الحب هو ما حدث بيننا، والأدب هو ما لم يحدث)، واعتبرت أن ثنائية الموت والحب هي أكثر الغرائبيات التي يلهمانها للكتابة، كما وصفت نفسها بالوطنية والمؤمنة بقضايا الأمة والمناضلة على كل الجبهات، حيث رفضت المتاجرة بالقضايا التي قد تجلب إليها أضواء الغرب:
* هل تفكرين في تنظيم لقاء تلتقين فيه مع الجمهور الفرنسي من القراء والنقاد والكتّاب أيضاً، حتى تكون هناك حوارية وأيضاً تبادل وجهات النظر حول المواضيع التي تطرحينها رغم أنك تراهنين على القارئ العربي أكثر؟
ــ سأقول شيء ربما يعتبر كلاماً غبياً. أنا حسب تركيبتي حرصت دائماً على الكتابة للقارئ العربي، هو هاجسي الأكبر، حتى ولو كتبت باللغة الفرنسية، لأني توقعت بأن القارئ الفرنسي ليس معنياً بهمومي وبأشيائي الصغيرة، فالقضايا الكبيرة التي توجعني ليست قضاياه، لكن حالياً بدأت أفكر جدياً في هذا الموضوع عندما صدرت أعمالي مترجمة إلى اللغة الإنجليزية في بريطانيا، إذ صادفت في بعض التعليقات الموجودة على ظهر الكتاب عبارة مفادها بأنه ليس من حق العالم العربي أن يحتفظ بأحلام مستغانمي لنفسه. ولعلها شهادة صادقة، ربما أنا أكتب أدباً جميلاً من حقه أن يصبح أدباً عالمياً. صحيح أنا لا أملك هاجس العالمية وجنونها، وكنت سأصبح كذلك لو خضت في مواضيع معينة أو أدليت بتصريحات تستهوي جهات ما فتتسارع على تبني كتاباتي وهناك أنطلق بسهولة نحو المجد والأضواء، إلا أني أحرص على احترام مبادئي وقناعاتي التي دافعت عنها لمدة خمسة وأربعين سنة، وهذا أمر صعب ومكلف جداً، ولكن بإمكان الكاتب أن يوازن بين الحالتين.
* في روايتك الصادرة باللغة الفرنسية والتي تتحدثين فيها عن قصة حب ليست عادية بين مغنية أمازيغية مكابرة ورجل أعمال لبناني ثري يبدوان كخطين متوازيين لا يلتقيان رغم لهيب المشاعر بينهما، فهل تعتقدين مثل هذه القصة في رواية «الأسود يليق بك» (2012) تستهوي فعلاً القارئ الفرنسي؟
ــ لا.... ولكن أجد أن أسلوب هذه الرواية بالذات هو أخف ولغته جميلة وشاعرية مقارنة بأعمالي الأدبية السابقة التي خضت فيها مواضيع معقدة مثل تاريخ الجزائر على مدى خمسين سنة، ومآسي الحرب الأهلية والاغتيالات. وعملي الأخير المترجم هو مبني على تأملات عميقة ونفسية، لأن العمق الإنساني هو ما يجعل الرواية تعيش، فالقارئ يذهب إلى الكتاب بحثاً عن نفسه وليس تنقيباً عن كاتبه، القارئ لا يحتاج الى أن نحكي له قصة قد يشاهدها على التلفزيون، بل هو ينقّب عن حوار داخلي أو مونولوج ليغوص في غمار النفس البشرية والخيارات الصعبة أمام كل المواقف، ثم الحب يبنى على التناقضات وليس على التوافق، فلا بد أن يكون الرجل ثرياً جداً في القصة وأن تكون المرأة عنيدة ومكابرة جداً، فلم يكن هناك جدوى من إعطاء أنصاف حلول في هذا الموضوع بالذات. ولذلك اعتمدت في كتابتها على إعطائها بعداً فلسفياً، وتكلمت عن الصوفية وهناك توظيف لنصوص ابن عربي فيها.
* نلاحظ أن الجزائر هي الحاضرة الأكبر في كل أعمالك الأدبية، وحرصت أكثر على الحديث عن العادات المحلية أو العربية في هذه الرواية بالذات التي دخلت السوق الفرنسية؟
ــ تحضر القيم العربية بشكل دائم من خلال جد بطلة الرواية «هالة» الذي كان يقول لها: «الكرم يسترنا»، وهي تنحدر من قرية مروانة وهي منطقة أمازيغية بالشرق الجزائري، هذه القرية قد تبدو غريبة إذا ما عرفنا أن أهلها يدافعون عن ثرائهم بمدى جمال وقوة أصواتهم وليس بممتلكاتهم، حيث يفرد واحدهم يديه بالدعاء قائلاً: «اللهم قوّي لي في الصوت ونقّص لي في القوت» أنا أجد علاقة هؤلاء الناس مع الغناء عجيبة بالفعل. وهذا ما وظّفته في الرواية.
هل تقاطعت الشخصية الرئيسة في روايتك مع المطربة الجزائرية «زوليخة» التي تنحدر من نفس المنطقة وكانت نهايتها مأساوية، إذ لم تحضر عائلتها جنازتها بعدما تبرّأت منها لاختيارها الغناء، هذا قبل أن يغتال المتطرفون الفنانين في التسعينيات؟
ــ لقد استمعت إلى أغاني هذه الفنانة في سنوات الثمانينيات لكن لا أعرف قصتها هذه، يمكن تقاطعت شخصيتي المتخيلة معها صدفة بدون علم مني، وما يشدني في قرية «مروانة» التي تحدثت عنها في ورايتي هو غناء الناس في الجنائز، وهو تعبير عن معزتهم للميت وتكريم لذاكرته، وفي تراثهم إذا احتقروا شيئاً أو شخصاً لا يغنون عنه، فالمرأة تغني عند حافة القبور فيما يشبه نحيباً طربياً، وحدثت حوادث تاريخية حيث ماتت نساء وهن يغنين كرباً على من فقدنهن. هناك حكاية عياشية مامي، الأم التي ماتت وهي تنتحب على قبر ابنها، الذي قتله أحد الباشاوات بعد رفضها الزواج منه. فهذه الأصوات الجميلة التي تنطلق من جبل إلى آخر، لإعلام سكانه بقدوم دبابات العدو، كما أن الرجل يغازل المرأة بصوته ليكسب قلبها، تجعلنا ندرك أن علاقة الجزائريين البسطاء بفن الغناء والطرب قوية، ولم يكن الصوت عورة بل جاهاً للتباهي. فالحياة عندهم لا تساوي شيئاً أمام الفن، فأولاد سلطان كانوا يباهون بثروتهم التي بددت بفضل كرمهم الكبير، ولما أصبحوا فقراء فقدوا زمام الحكم، ولكن ظلوا خالدين بما يملكونه من جاه الكرم.
تحققين خلال مشاركتك في معارض الكتب العربية دائماً رقماً قياسياً في مبيعات أعمالك الأدبية، الأمر الذي دفع القائمين على صناعة الكتاب إلى تصنيفك بأنك الروائية الأغنى في منطقتنا؟
ــ كل الأرقام حول مبيعات الكتب في الوطن العربي مزوّرة، فلولا القارئ لما وجدت أسواق للكتب، وكانت كتبي لا تدخل إلى المكتبات السعودية إلى فترة قريبة جداً، كما لم تسلم من التزوير والسرقة الأدبية، حيث لم أبع نسخة واحدة في حياتي في سوريا بسبب القرصنة. فلو كان هناك احترام لحقوق المؤلف لأصبحت اليوم أثرى كاتبة بالتأكيد، لكني أعتاش من كتابة المقالات، فلو لم تكن هي مصدر دخلي لتوقفت عن الكتابة منذ فترة طويلة.
* هل تعكفين حالياً على كتابة رواية جديدة لك، وإذا كان كذلك فما هي تفاصيل هذا العمل ومتى يكون في متناول القراء؟
ــ أعمل حالياً على إصدار جزء ثانٍ من كتاب «نسيان كوم»، وهو فصل يكمل هذا العمل الأدبي حول موضوع الفراق، أنا أستعجل لإتمامه، وسبب تأخري هو ما يجري في العالم العربي من حروب والأحداث التي أتعبتني نفسياً كما ترين. وأرى أن هذا الفصل مهم جداً لأن الفراق يحضر دائماً في حياتنا بأوجهها المختلفة، ونقضي نصف أعمارنا في مواجهته. وبعد صدورها قريباً في بيروت، سأتفرغ لعمل روائي كبير موجود في ذهني، وأعتقد أنه سيكون الأهم في مسيرتي الأدبية كلها، يتمحور موضوعه عن أبي وعلاقته بالجزائر، أستحضر فيه تجربة شخص في مواجهة وطنه الذي يلحق به الكثير من الأذى حتى يصبح مريضاً بسبب الجراح دون أن يقوى على البوح بالسبب لطبيبه الفرنسي حتى لا يضاعف شعوره بالخيبة، لاسيما أنه كان مناضلاً خلال الثورة الجزائرية. وطبعاً سأبقى محصورة في هذه التيمة ولن أتخلص منها لأنها موضوع حياتي، لكن سأكتب هذا العمل بطريقة مختلفة تماماً.
أجري الحوار في باريس ونشر فى صحيفة (الاتحاد) الاماراتية.

تواصل معنا

Who's Online

614 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

Search