الثقافة والفنون

اجتماعي و ثقافي

د. عز الدين هلالي يحكي لـنجوع عن هموم الدراما والمسرح

حاورته: هادية قاسم المهدي
 الدكتور الأكاديمي والشاعر المرهف عز الدين هلالي، واحد من المهمومين بقضايا الدراما والمسرح وما تمر به من تحديات جسام ، وهو أحد الأكاديميين البارزين في هذا المجال، إذ استطاع أن يقدم طوال مسيرته العملية فيضاً من العلم والمعرفة التي أفاد بها طلاب الموسيقى والدراما. وتعرفه المحافل الداخلية والخارجية، وله اسهامات نقدية أضافت الكثير، وتمت دعوته بصفته الاعتبارية للمشاركة في مهرجان المسرح المصري في دورته الحادية عشرة، حيث اختتمت فعالياته أخيراً بجمهورية مصر.. (نجوع) أجرت معه حواراً متنوعاً وخرجت منه بالكثير.. فإلى مضابطه.
= على ماذا يعكف د. عز الدين هلالي هذه الأيام؟
ــ لأكثر من عام تقريباً أعكف على تأليف مناهج جديدة موازية لكل المواد الصدئة التي تدرس في معظم معاهد الفنون المسرحية والجامعات اﻵن، وبدأتها بكتاب سميته (الحتمية التاريخية والفنية للدراما في العالم) .
وفتحت شهيتي لهذا المشروع الحفاوة التي استقبل بها المسرحيون في الوطن العربي إصداري اﻷول عام 2002م  الذي صدر تحت اسم (رحلة النقد المسرحي من النص إلى العرض) الذي صار من المراجع المهمة التي يُعتمد عليها في الكثير من الجامعات ومعاهد الفنون .
= خلال مشاركتكم الأخيرة بمسرحية (كتمت) التي أقيمت عروضها بمصر.. حدثني عن مدى القبول الذي وجده هذا العمل؟
ــ (كتمت) مسرحية من تأليف نصر الدين عبد الله وإخراج حاتم محمد على بنجوم من الفرقة القومية للمسرح هم: نصر الدين عبد الله المؤلف نفسه ومحمد صالحين وأمنية فتحي وأمل محجوب والنجم الصاعد ابراهيم شنتو .
وجاءت مشاركتهم في المهرجان باعتبارهم أعضاءً في الفرقة القومية للمسرح القومي السوداني، وجاءت مشاركتي باعتباري فناناً مسرحياً أكاديمياً له كلمته واعتباره في المهرجانات والمؤتمرات المسرحية، وصادف أن الدولة المستضافة في دورة المهرجان لهذا العام هي السودان بمحض الصدفة، فكنت شاهداً على الحفاوة الكبيرة التي استقبل بها اﻹعلام العرض، حيث فتحت له كل الصحف صفحاتها وغطته معظم القنوات التلفزيونية، وكان الحضور يومها من السودانيين والمصريين أكثر حفاوةً به .
= المسرح السوداني خارج الحدود.. ما له وما عليه؟
ــ كانت لنا أيام.. فقد كان السودان يوماً صنواً للمسرح المصري في ريادة المسرح العربي وذلك منذ عام 1967م، ولم تكن تسبقنا مصر إﻻ في السينما فقط. ولكننا ومنذ عام 1989م غبنا عن الوجود تماماً ولم يعد لنا صوت .
= ما تقييمك للواقع المسرحي اليوم وفيم اختلف عن سابقه؟
ــ كانت لنا حياة مسرحية منذ عام 1967م، وكدنا نصير الدولة الثانية التي لها ممارسة اجتماعية للمسرح بعد مصر. حيث كانت لنا مواسم مسرحية كاملة يرتادها الجمهور وفق جدول زمني معلن سلفاً في جميع الصحف والمجلات، وكانت جل هذه المسرحيات إن لم تكن كلها، تجوب اﻷقاليم بعد عرضها في المسرح القومي بأم درمان، ولكن كل هذا تهدم تماماً ما بين ليلة وضحاها منذ عام 1989م حيث توقف المسرح تماماً واستبدلت المواسم المسرحية منذ بدايات اﻷلفية الثانية بالمهرجانات المظهرية التظاهرية ﻷسباب ﻻ تخفى على أحد، ووجد ذلك قبولاً عند ضعاف النفوس الذين وجدوا فيها مصدراً سهلاً للرزق. وحتى المعهد العالي للموسيقى والمسرح الذي كان يرفد الحركة المسرحية والموسيقية بالمبدعين المتسلحين بالعلم كل عام، تم تحجيمه وتصغيره وتحويله إلى كلية ضمن كليات في مؤسسة تعليمية كانت تمنح طلابها دبلوم الثلاث السنوات، حين كان المعهد العالي للموسيقى والمسرح يمنح طلابه شهادة تعادل البكالريوس .
أي تجفيف للحركة المسرحية أكثر من هذا؟ كما أنه ﻻ توجد حياة مسرحية بالمعنى المفهوم للحياة المسرحية في السودان، بل ﻻ توجد حياة فنية أصلاً إذا استثنينا الغناء فقط.. كلها هياكل شكلية ..
= هل لدينا أزمة في ما يتعلق بالإنتاج الدرامي؟
ــ أزمة طاحنة.. لقد أصبح الفن صناعة منذ أن أدرك الفنانون أن اﻷمر ﻻ يتم بالموهبة فقط. فصارت السينما فناً وصناعة ــ والمسرح كذلك ــ ثم أضيفت إلى ذلك التجارة أخيراً كما قالت الراحلة نهاد صليحة .
ودخول التجارة مع الصناعة إلى الفن أحدث انقلاباً كبيراً في المفاهيم. فلم تعد المتعة الفنية فقط هي هدف الفنان . فقد صار الفن من ضمن المهن التي تدر عائداً ضخماً لممتهنيها . فاستلفت ذلك انتباهة التجار .إذن كان ﻻ بد من دخول التاجر الذي يحسب كل صغيرة وكبيرة بميزان الربح والخسارة .فالتاجر الذي يخلع على مغنى صغير ﻻ يصلح صوته للبكاء حتى، لقب الكروان، يدرك أن هذا اللقب هو الذي سيجتذب الجمهور للمسرح فتروج تجارته، فكثرت اﻷلقاب وسط المغنين .وهذا ما ﻻ يمكن حدوثه في المسرح ﻷن المسرح فن جماعي .وﻻ بد من دخول الدولة كمنتج أولاً، ثم وبعد اجتذاب الجمهور حتماً سيجد التجار طريقهم إلى مجال الفنون كما حدث في بداية السبعينيات عندما اجتذبت مسرحيات  مثل نبتة وخطوبة سهير والرفض جمهوراً للمسرح. فقد كانت تلك المسرحيات سبباً في ظهور المسرحيات التي تستهدف الربح، وﻻ أقول المسرح التجاري .
= ما هي أهم التحديات التي تواجه المسرح والمسرحيين؟
ــ أولاً البنية الفكرية للنظام .فالبنية التي تحكم السودان اليوم ليست الفنون من اهتماماتها على اﻹطلاق .
ثانياً :الجهل النشط الذي يحرم الحلال ويحلل الحرام وفقاً للمصلحة الخاصة .
ثالثاً :عدم وجود مهنة معترف بها يعتاش منها ممتهنوها وتخول لهم تكوين نقابة تدافع عن مصالحهم .
رابعاً :عدم قيام الدولة بواجبها تجاه الفنون والفنانين والمسرح من الضمن .
فمثلما هناك سقف ومعيار تحدده الدول لمجاﻻت الحياة فيها فتنشيء المستشفيات التعليمية بالمواصفات التي تريدها لخدمة مواطنيها، وكذا الجامعات والمدارس إلخ، كذلك من الضمن يجب أن يكون هنالك المسرح القومي بالمواصفات المعروفة عالمياً لتنتج فيه المسرحيات بالمعايير المعروفة عالمياً لتكون سقفاً ﻻ تقبل النزول عنه مع فتح المجال لتخطيه .
لهذا يقسم المسرح في كل بلاد العالم إلى ثلات مجموعات: المسرح الكلاسيكي, المسرح التجريبي أو مسرح الهامش والمسرح الشعبي .وعدم وجود هذا في السودان هو احدى العقبات الكؤود .
= مسألة التمويل المادي ومدى اهتمام الدولة بالانفاق على الثقافة بصورة عامة والدراما بصورة خاصة؟
ــ هذه تتعلق بالبنية الفكرية التي ذكرتها سابقاً . فالذي يدرك أن الدراما تبني الشعوب ويدرك أن المسرح ﻻ يكذب أهله ويدرك أن الدراما الوافدة هي انعكاس لحياة شعوب أخرى ليس بالضرورة أن تشبهنا، لن يقبل بغير أن يهتم بالمسرح السوداني والدراما السودانية والفنون السودانية عموماً مع الانفتاح نحو اﻵخر بوعي .
= المسارح الموجودة بالعاصمة المثلثة هل مؤهلة بشكل جيد؟ وهل توجد مسارح أصلاً؟
ــ ﻻ توجد في السودان مسارح تم بناؤها لتكون صالحة للعروض أو المسرحيات  وفق المواصفات العالمية للمسارح .ومسرح واحد من المسارح التي يتدرب عليها طلاب المعهد العالي للفنون المسرحية بمصر مثلاً يساوي جميع مسارح السودان بما فيها مسرح قاعة الصداقة الذي يأخذ من الدراميين نظير العروض ثلاثة أرباع دخل مسرحياتهم بتشجيع من الدولة .
= برحيل ابراهيم حجازي فقدت الدراما السودانية ركناً مهماً من أركانها، فهل نطمح في أن يكون هنالك حجازي آخر؟
ــ رحم الله ابراهيم حجازي رحمة واسعة، وجعل قبره روضة من رياض الجنة، واسكنه فسيح جناته مع الصديقين والشهداء . وفعلاً حجازي فقد كبير، ولكن أيضاً هذه اﻷرض حبلى بالمبدعين، والدراما ليست كالغناء .فالدراما فن المتفرد، ولهذا خلد الفاضل سعيد بالرغم من شخصياته النمطية، بينما غاب آخرون عن ذاكرة الجمهور وكانت لهم شخصياتهم النمطية أيضاً ﻷنهم ﻻ يملكون التفرد. إذن المسألة في التفرد .والراحل ابراهيم حجازي كان أول المتفردين .
= تهميش المسرحيين إحدى القضايا التي تهم الكثيرين.. ماذا تقول عنها؟
ــ التهميش ثقافة سودانية صرفة. وكل قضايا السودان ناتجة عن هذا التهميش. والتهميش ليس فقط في تجاهل الناس لشخص معين أو جماعة معينة، ولكنه أيضاً تجاهل المسؤولين لاحتياجات اﻷدوار الاجتماعية التي تمليها بعض الوظائف على ممتهنيها شخصاً كان أو جماعة .فالمدرس مثلاً يجب أن يعيش في وضع اجتماعي يغنيه عن السؤال ليتفرغ لبناء اﻷجيال. والمسرح مدرسة. والفنان المسرحي مدرس. فيجب أن ينال مقابل إبداعه في شبابه ما يكفل له العيش الكريم الذي يغنيه عن السؤال في شيخوخته، وما أكثر الصور التي نشاهدها هذه اﻷيام لفنانين كبار في الصحف وهم على فراش المرض ولكأنهم يتسولون بصورهم تلك.
والتهميش هو نتيجة لعدم فهم وعدم تقدير المسؤولين  للدور الاجتماعي الذي يقوم به الفنان المسرحي، وهذا نتيجة طبيعية لعدم التقدير لدور الفنون في المجتمعات عموماً .
= ماذا نحتاج حتى نصل الى ركب الأمم الأخرى في هذا المجال؟
ــ أولاً :الاهتمام ثم الاهتمام ثم الاهتمام .
ثانياً :إكمال البنية التحتية للفنون من تشييد للمسارح بالمواصفات العالمية وإعادة لدور السينما إلى سابق عهدها والاهتمام بالمتاحف وإقامة صاﻻت دائمة للفنون تستوعب لوحات الفنانين التشكيليين ومعارضهم وإنشاء أكاديمية للفنون بها معاهد للموسيقى والفنون المسرحية والسينما والبالية، وكل تلك المعاهد التي تشملها أكاديميات الفنون في العالم .
وثالثاً :إيجاد مسمى وظيفي معترف به في سلم الدولة الوظيفي لكل المهن الفنية .. ممثل، مخرج ، إلخ إلخ . بدلاً من وظيفة مساعد مفتش التي التصقت بالموظفين منذ زمان اﻹنجليز .
رابعاً :إعطاء الفنانين المسرحيين المقابل المجزي نظير عطائهم .
خامساً :إحياء الممارسة الاجتماعية للمسرح .
= تراجع الجمهور المسرحي ماذا يعني؟ هل بسبب ضعف الأعمال أم هنالك بديل آخر؟
ــ تراجع الجمهور ﻷسباب عديدة .وأول هذه اﻷسباب تغير التركيبة السكانية .
فمعظم جمهور المسرح من المثقفين والطبقة الوسطى، وهؤﻻء هاجر بعضهم واغترب بعضهم وهجر بعضهم المسرح ﻷسباب اقتصادية، وحل محل من هاجروا آخرون لم تألف أقدامهم المسارح بعد .
ثانياً :توقف المواسم المسرحية بل ومعظم الفنون منذ 1989 ثم عودتها على استحياء بعد اﻷلفية الثانية. ومن طبيعة الفنون أنها عندما ينقطع تواصلها  ﻷي سبب من اﻷسباب تبدأ حين تعاود من الصفر .وهذا عين الذي حدث، فعدنا إلى النكات بديلاً للمسرح .
ثالثاً :مسح السينما من ذاكرة إنسان السودان أثر في نظرة الناس للمسرح فأحجموا عن الذهاب .
رابعاً غياب المسرحيات ذاتها وتهالك أو انتفاء المسارح التي كانت تقام عليها المسرحيات .
= ما بين الشعر والدراما أين يجد هلالي نفسه؟
ــ أظنك تعنين الشعر الغنائي .وأجد نفسي في الاثنين، ولكن الظروف هي التي تساعد في تغلب احدهما على اﻵخر في وقت من اﻷوقات. ولكن وفي المحصلة النهائية أجد نفسي في اﻹثنين .
=المواعين الموجودة حالياً هل كافية لاستيعاب خريجي الموسيقى والدراما؟ وهل المواعين الموجودة لتخريج طلبة الموسيقى والدراما ذاتها حالياً مؤهلة لتأهيلهم؟
ــ إن تحويل المعهد العالي للموسيقى والمسرح إلى كلية من كليات جامعة
كارثة كبرى قضت على اﻷخضر واليابس. فالوضع الطبيعي والتطور الرأسي للمعهد العالي للموسيقى والمسرح هو ترفيعه إلى أكاديمية للفنون وليس تخفيضه إلى كلية في جامعة.
= عز الدين الدراما السودانية بالفضائيات ماذا ينقصها وكيف نجعلها تنافس نديداتها؟
ــ ينقصها الاهتمام بها وبالعاملين عليها من كل النواحي .فنحن تنقصنا المعينات الفنية من استديوهات مؤهلة وكوادر مؤهلة ومسؤولين مؤهلين .
= عز الدين هل صحيح أن موسمية الدراما هي واحدة من السلبيات التي كبلتها؟
ــ إن كنت تقصدين ثقافة المهرجانات التي راجت مع هذا العهد فهذا صحيح. وهذا نتيجة للفهم الخاطئ للمهرجانات، فالمهرجانات في مفهومها الصحيح هي زبدة ما تم تقديمه في مواسم مسرحية تعم كل أرجاء الوطن. فيتم الاختيار عبر مختصين، وتجمع المسرحيات التي تم اختيارها لتعرض في مكان واحد أمام جمهور ولجنة تحكيم لتتويج اﻷفضل .
ولكن الذي يحدث في السودان هو عين العجب .فالمسرحيون يتجمعون في شهرين أو ثلاثة على اﻷكثر لعمل مسرحيات خصيصاً لمهرجان يفوز منظموه بالرعايات المليارية ويرمون بالفتات تحت أرجل الدراميين الذين يتهافتون عليه كالمتسولين في موائد اللئام.
 

شاركنا برأيك

هل تتوقع أن يتجاوز الطاقم الاقتصادي الحالي الازمة؟

تواصل معنا

حالة الطقس بالخرطوم

Who's Online

627 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

Search