الثقافة والفنون

اجتماعي و ثقافي

دور الأدب في تأكيد الهُوية السودانية .. نظرة عن قرب 1-2

هادية قاسم المهدي
أقام كرسي الآثار بجامعة الخرطوم ورشة كبرى عن ( دور الأدب في تأكيد الهُوية السودانية )، بقاعة الشارقة بالخرطوم، حيث جمعت ألوان الطيف الإبداعي من روائيين وكتّاب قصة وشعراء بجانب لفيف من الإعلاميين. وقد تناولت الجلسة الأولى من الورشة أوراقاً عديدة قدمها أ. مصطفى الصاوي، محمد إسماعيل الرفاعي،أ.بثينة خضر مكي _ وأ. سارة الجاك ، حيث أدارت المنصة د.نهى عبدالحفيظ .
أكثر تأثيراً
بثينة خضر مكي قدمت ورقتها والتي جاءت تحت عنوان ( دور السرد الشفاهي والحكايات الشعبية في تأكيد الهُوية ) والتي قالت في بدايتها إن الناس جميعاً التفتوا الى أهمية الأدب وتأثيره في شتى المجالات، إضافة الى البيئة التي لها دور واضح في الأطوار الأولى من خلال شخصية الفرد والتي اعتمدت الحكمة والدوبيت وغيرها. وتناولت أيضاً تأثير الزمان والمكان في الشخصية السودانية خاصةً في مناطق نهر النيل ، موضحة أن التمسك بالصفات القبلية غير المحمود له أثر سلبي ، مقارنة بالقصص الشعبية والتي يسردها كبار السن للأطفال قبل النوم والتي لها أثر كبير جداً مثل قصة ( فاطمة السمحة ) وغيرها .وكشفت أ. بثينة في ذات الحديث عن أن التراث الشعبي يعتبر أكثر تأثيراً في الهُوية السودانية مثل الدوبيت وغناء الحكامات وشعر الحماسة .وأضافت أن الحكمة والموعظة تنتقل بصورة سلسة في حكايات ما قبل النوم ، كما أن التأثير بها ينتقل من جيل لآخر .وقد أوضحت أن الزي القومي بما فيه ( الجلابية والتوب ) يمثل أحد الفلكلور بجانب الغناء والرقص والحكم والأمثال وأقوال بعض (الرجال الصالحين ) مثل أقوال الشيخ فرح ود تكتوك . مقدمة بذلك نماذج لبعض الأمثال والتي ذكرت منها :( أخوك لو سمح في واحدة ما تعابيه ) ،( بلد ما فيها تمساح يقدل فيها الورل ) ،( الراجل برجالو والكريم بأم عيالو ) ، ( عينك في الفيل تطعن في ضلو ) .كما ختمت حديثها بأن السرد الشفاهي يبيّن الجانب المعرفي في الحكايات الشعبية ما يدل على أن الأسلاف قادرون على حماية تراثهم الذي يدل على هُويتهم .
مأزق الهُويّة
دكتور مصطفى الصاوي قدم ورقة ( الهُويات المتعددة في السرد ..نماذج مختارة ) ،موضحاً فيها أن الهجرة من دولة الى أخرى تؤدي الى تلاشي الهُوية ،وأن السرد هو وسيلة فنية ناجعة حيث تدمج فيه المرجعيات الثقافية .مشيراً الى أن أي جماعة تحاول البحث عن هُويتها ،تلك الهُوية التي لم يجدوا لها مخرجاً الى الآن .وقد تناول الكيفية التي عبّرت بها الرواية والسيرة الذاتية عن الهُوية ،ملمحاً الى إحدى روايات العلامة عبد الله الطيب والتي كتبها في العام 1947 إلا أنها لم تجد حظها في النشر إلا في العام 1976، موضحاً أنها تتحدث عن التهجير، بجانب نماذج عديدة .كما ذهب الى أن مأذق الهُوية والانتماء ظل واحداً من أكبر التحديات ،وان ليس هنالك شعب بدون هُوية . وألمح الى أن الهُوية ترتبط بمؤثرات داخلية وخارجية ، كما أنها ليست شأناً أحادياً وإنما تأتي متلبسة بالدين والعرق والتاريخ والجغرافيا أيضاً .كاشفاً عن أن التحول الذي ليس فيه ضرر بما فيه الانفتاح على الآخر يجنّب الوقوع في فخ الهُوية المتعددة والمتشظية .مشيراً في ذات الصدد الى أن مسألة الاندماج في المجتمع الذي يتقبل الشخص ليس بالأمر السهل .وأن اللغة تعتبر من أهم الأساسيات في مسألة الهُوية .وقد ختم بقوله :( المهاجر قدره أن تبقى صراعات الهُوية بداخله وأن الكاتب يحاول طرح رؤى مغايرة للآخر ).
البحث عن الجذور
فيما ذهبت الأستاذة سارة الجاك في ورقتها المعنونة ب ( أثر المهجر في كتابة الرواية ) الى أن الأدب يعمل على إبراز سمات الهُوية، وأن التكوّن يعتبر سمة مشتركة أكثر قوة .موضحة أن ما يستطيع أن يفعله الأدب الآن هو تأكيد الهُوية الوطنية . معرّفة أدب المهجر بأنه الأدب الذي كتب في بلاد المهجر .كما أكدت ان الهجرة ليست عملية بسيطة حيث إن لديها عدة مراحل متداخلة تبدأ باتخاذ القرار ومرحلة التنفيذ ومن ثم الاستقرار في بلاد المهجر .كما تبدأ في المرحلة الأولى التداخل والتعرف على ثقافة الآخر وهُويته الأصلية وسماتها .كما أن ذواكر الكتّاب تكون قد أصابها التمدد والاتساع لأجل استيعاب الصور الأخرى ،إذ يؤثر هذا التعبير على تناول الموضوعات التي يختارها الكاتب .وقد أكدت سارة الجاك أن هناك كتّاباً اتخذوا من الكتابة وسيلة للبحث عن الجذور ،وأن الصورة والمشاهد تكون ثابتة لدى الكاتب المقتدر إلا أنها تتغير لدى الكاتب المبتدئ .
الأستاذ الشاعر محمد إسماعيل الرفاعي قدم ورقته وقد جاء بعض منها كالآتي :
ظل العرب منذ جاهليتهم الأولى يحتفون بميلاد شاعر في القبيلة فيذبحون الذبائح ويقيمون الولائم ابتهاجاً بميلاد ( ناطق رسمي ) يدافع عنهم وينافح ويفاخر بهم ويباهي ، وكان للشعراء حقاً دورهم المحسوس والملموس في تنمية الحس الوطني ( إن جاز التعبير) وإعلاء روح الانتماء، وظل الأمر يسير على ذات المنوال وإن تضاءل شيئاً فشيئاً ليضمحل في العصر الحديث الذي لم يعد فيه الشاعر ناطقاً رسمياً ، وتراجع دوره حين تعاظم دور الإعلام واتسعت دوائر بث الأجهزة الإعلاميّة ، وسطعت شمس العولمة التي جعلت العالم بأجمعه قريّة صغيرة ومع ذلك بقي للشعراء دورهم في إلهاب الحماس من خلال الشعر على إطلاقه ، وسنحاول عبر هذه السانحة أن نغوص ونتعمّق في إنتاج الشباب الشعري في الفترة المحددة بنحو من الخمسة عشر عاماً الماضية .
مشكلات وعوائق
أغلب المنتوج الشعري للشباب في هذه الفترة غير موثق بصورة تجعله في متناول يد الباحثين على الرغم من انتشاره وسط الأسافير ومواقع التواصل الاجتماعي وهذه قد تصاحبها كثير من الأخطاء والمخاطر .
تداخل الفترة المحددة مع ظروف سياسية استثنائية أحدثت خلطاً في التمييز بين الوطن ( بتعريفه المحدد ) والنظام الحاكم ما أحدث ارتباكاً في كثير من المنتوج الشعري الحديث سيما وسط الشعراء والشواعر من الشباب .
ميز نسبية تفضيلية
كان جيل الألفيّة الثالثة محظوظاً إذ عاصر فترة تطور الاتصالات في زمن العولمة وظهور الإنترنت وما تبعه من منتديات إسفيريّة أتاحت له فرصة الاحتكاك بالتجارب الشعرية على مستوى السودان والعالم بأجمعه ثم تبعتها مواقع التواصل الاجتماعي بكل ألقها واتساعها وسرعتها وسهولة التعامل معها فكان ذلك بمثابة فتح جديد بدأ في السودان منذ العام 1998 (1) وما زال إلى يوم الناس هذا يشهد تطوراً إثر تطور يجعل من المعلومة أيّا كانت أمراً مشـاعاً ويجـعل من التثاقـف شــأناً متصلاً على مدار الساعة .كذلك أدّى التوسع الفضائي الذي حدث لانتشار القنوات الفضائية الخاصة وإذاعات الـ FM وما شهدته من برامج ثقافية ومسابقات وبرامج حوارية وغيرها كان لها الأثر الإيجابي على المشهد الشعري في السودان على الرغم من أن انتشار مثل هذه الفضائيات والإذاعات لا يخلو من سلبيات أهمها إتاحة الفرصة ليطفو الغث أحياناً على المشهد ويلوث الأفكار والأسماع والذائقة إلا أن الإيجابيات لا تحصى ولا تعد .
زد على ذلك انتشار الجماعات الثقافية في ظل سياسات ثورة التعليم العالي التي أدت لتضاعف عدد الجامعات السودانية مرات ومرات ، لذلك كانت لهذه الجمعيات والجماعات أثرها الواضح في صقل تجارب الشعراء الشباب باستضافة شعراء كبار لإحياء فعاليات داخل الجامعات ما مكن لتواصل الأجيال والدخول في شراكات ذكيّة و(توأمات ) مع المؤسسات الثقافية النظيرة كان لها أثرها في التواصل وظهور شعراء نوابغ .
انتشرت المنتديات الثقافية داخل مراكز الشباب وأندية الأحياء التي كانت الثقافة فيها نسياً منسياً (على الرغم من أنها قامت كأندية ثقافية اجتماعية رياضية ) فاحدث هذا الحراك نقلة نوعية على المستوى الثقافي عموماً وانعكست إيجابياته بالضرورة على المشهد الشعري . ثم تبع ذلك الحراك اهتمام شعبي بشأن الثقافة فقامت مؤسسة كمؤسسة أروقة للثقافة والعلوم في يناير من العام 2002 وكان من أبرز أهدافها ربط الفنون بقيم الخير والجمال فأقامت مسابقات ( سحر القوافي ) ومهرجانات ( ميلاد الأغنيات ) ومهرجان ( ميلاد الأغنية الوطنية ) فكان لكل هذا الحراك تأثيره الإيجابي كماً ونوعاً على الإطار الثقافي عموماً وعلى المشهد الشعري على وجه الخصوص .

شاركنا برأيك

هل تتوقع أن يتجاوز الطاقم الاقتصادي الحالي الازمة؟

تواصل معنا

حالة الطقس بالخرطوم

Search