الثقافة والفنون

اجتماعي و ثقافي

حوار مع رسام الكاريكاتير الفلسطيني الراحل ناجي العلي لم ينشر في صحف:

نشر تلفزيون الكويت وعبر قناته (يوتيوب) مقابلة حصرية لرسام الكاركاتير الفلسطيني الراحل ناجي سليم حسين العلي، وبتاريخ 7/11/2016م، حيث تم تسليط الضوء فى المقابلة التي أجريت ضمن شبكة التلفزيون على أبرز المراحل العملية والمهنية التي مر بها الرسام ناجي العلي, وانتقاله من بعض الدول التي أطلق عليها وصف(الخنادق) بسبب الضغوطات السياسية التي كانت تواجهه أثناء العمل, مما يضطره الى الانتقال من بلد الى آخر, او من خندق الى آخر. يذكر أن ناجي العلي استشهد فى عام 1987م فى لندن، حيث تم اغتياله على يد مجهول، وكان يعرف بنقده اللاذع للقضايا السياسية من خلال رسوماته.. ويعد العلي من ألمع رسامي الكاريكاتير فى العالم العربي. ورسم في مجلة (الطليعة) الكويتية وكذلك (السياسة)، وفي لبنان نشرت رسوماته فى جريدة (السفير) اللبنانية وجريدة (الوطن). ناجي العلي جعل الناس يبدأون قراءة الجريدة من الصفحة الأخيرة ومن الكاريكاتير ليروا ماذا يقول في هذا اليوم. يعتبر ناجي من أهم العناصر الذين عملوا على ريادة التغيير السياسي باستخدام الفن, ولديه ما يقارب (40) ألف عمل كاريكاتوري .* تكاد تكون متخصصاً فى الكاريكاتير السياسي.. هل هذا يعني أنك غير معني بالقضايا الأخرى؟ــ فى الواقع منذ أن بدأ يتشكل وعي كان استناداً لواقعي وما يحيط به، ومنذ خرجت من فلسطين وعشت فى المخيم كان بداية تشكيلي النفسي والفكري, وكانت عندي محاولات للتعبير عن الذات, ومن خلال معاناة جميع الفلسطينيين فى المخيم فكنت أرسم على الحيطان، وما كنت أرسم إلا القضايا التي لها نفس سياسي، ولم يكن عندي وقت او طريقة ليكون عندي مزاج آخر أتناول فيه قضايا الفكاهة أو أدغدغ فيه عواطف الناس. وكان محيط المخيم وكل المناخ لا يستدعي ان تقول نكتة! أو ان تكون بمزاج فكاهي، بالعكس كل رسومي كانت سوداوية وحادة وناشفة لدرجة أنها ممكن تصدم الواحد وهو يشرب فنجان قهوة الصباح.لأني أشعر أني بحاجة لأن أصرخ فى وجه الناس, بحاجة لأن أهز بدنهم وذهنهم لأنه فعلاً مصيرنا مرعب! ولذلك بالذات كان الكاريكاتير السياسي, والقضايا الأخرى لم أكن أهملها وإحساسي وافر بالاشياء, بالغلاء بالمعاناة وبتجاوزات المرور وبالمدى غير الأخلاقي وغير الصحي الذي تمر به منطقتنا, واخضع كل ذلك برؤيتي وتحليلي الصافي ونظرتي الواعية، فأنا احس بكل الظروف التي تعم المنطقة وتنعكس على الجماهير.•  لماذا الكاريكاتير بالذات؟ــ قد يستغرب البعض اني في مرحلة الشباب فى سن العشرين ومن خلال التوهان الثقافي والسياسي الذي يتعرض له من فى هذا العمر وانك لا تعرف ماذا تريد ان تعمل اذن مدرساً او ميكانيكياً, وكل النداءات الداخلية هذه, كان نفسي أكون مسرحياً.* ممثل؟ــ لا أقول ممثلاً فقط, كان (بدي) أصرخ فى الشارع في خشبة مسرح او غيرها، فقط انفعالاتي الجوه اريد ان اصرخ بها بأي شكل من الاشكال وأوصل للناس، وكانت عندي محاولات أن أؤلف أو ابرمج بعض القضايا، وأخيراً وجدت لغة أخرى وهى الرسم، لأني كنت أحب الرسم من صغري، وهي لغة ذاتية وذات فائدة. وأصبح عندي حضور دائم مع هذه الزاوية، ولدي جمهور، فهذه هي خشبة مسرحي, وأطرح أفكاري وأتواصل مع الناس بشكل يومي.* هل تذكر متى رسمت أول كاريكاتير سياسي؟ــ لقد مررت بظروف صعبة، وقبل مجيئي الى الكويت اشتغلت في أشياء كثيرة، ميكانيكي وبستاني وغيرها، ووقت فراغي أشغله بالرسم، أرسم بإحساسي، ارسم فلسطين من خلال احساس صادق وملح, وكما تعرفون المرحوم غسان كنفاني ووعيه وإدراكه وثقافته، وبحكم عمله الصحفي لفتت نظره بعض رسوماتي، فقام بنشرها بداية فى مجلة الحرية، الأمر الذي أعطاني دفعة جديدة، وأحسست بتقدير شخصي لمكانة غسان كفنان ومثقف واعٍ, غسان اعطاني شحنة جيدة للعمل، وهذا قبل مجيئي الكويت، وما لفت نظري الى اهمية الكاريكاتير لدي فأنا كنت اتشكل وقتها، وأحسست بأن موضوع الكاريكاتير هو القالب الصغير الذي سأنسجم معه. فقدمت للكويت للعمل فى الصحافة ومنها اشتغلت فى كل شيء، وكنت ارسم رسوماً تعبيرية ورسوماً مرافقة لقصص غسان كنفاني، وصرت أتعامل مع الرسم كلغة، واحسست بأني استطيع ان افرض رسومي الكاريكاتورية على الجميع، وشكلت حالي بحالي وبوعٍ وادراك، وبحكم عملي الصحفي أخيراً رسوت وعرفت مجري طريقي، وكنت صادقاً ومستقيماً وواصلت مع الرسم.* هل انت ترسم وهناك فكرة مسبقة تريد توصيلها؟ ام انك تبدع كفنان على الورق وتأتي بما تأتي به؟ــ انا اتصور اني منذ البداية ما كنت من الذين يقرأون الصحف، لكن لدي عين واتابع الاخبار، وبطبيعة الحال استشف منها كل ما يمكن رسمه كموضوع كاريكاتير، وذهني مشحون، واحس بأن الافكار مأرشفة بذهني، وعادة لا ارسم عن حالات فلان زار البلد, أرسم  حالات موضوعية راسخة فى البلد المنطقة. مشكلة فلسطين مثال, والواحد يرسم عن قضايا الحريات الاقتصادية والفقر, وكل القضايا التي تشكل غصة دائمة، ولا أرسم عن تصريح فلان أو زيارات أو أحداث, أرسم عن القضايا الكبيرة وهي تكون شاملة كل القضايا الصغيرة.* عملت فى عدد من المجلات.. كيف توفق بين الأفكار المختلفة التي تطرحها فى الكاريكاتير ورغبات رؤساء التحرير؟ــ رغبات رؤساء التحرير كبيرة، واشتغلت مع عدد منهم, لكن انا من البداية لم اعتمد على هيئة التحرير أو رئيس التحرير، فهناك تناقضات موجودة لكني فرضت نفسي، وأعتبر هذا الكادر المخصص لي بالجريدة لرسم الكاريكاتير(منطقة محررة صحفياً) أدافع عنها وملتزم فيها، وأقدر بطبيعة الحال الظروف السياسية ودور الرقابة حتى لو منعني رئيس التحرير من رسم صورة معينة، وإحساسي أرسمه حتى لو لم ينشر حتى لا يصير عندي كسل أو تقاعس او إحساس بأني مقيد, وارسم أي شيء أريده حتى لو كانت حياتي فى مقابله، لأني حينها أريح ضميري. وهذه مشكلات تحدث كثيراً، ويحدث نقاش وحوار، والواحد يحتكم للمنطق وللظروف فى المجمل وليس لي كرسام.وكنت أتذاكى على رؤساء التحرير وأصيغ وأشكل وأغير حتى أوصل فكرتي أو موقفي وهو الذي يحدد ما أرسم. وأحياناً يتورط معي البعض فى ذلك، وهناك من قضوا حياتهم فى سبيل أفكارهم ومبادئهم.* كيف توفق بين أفكار الكاريكاتير وتعايشك فى بلد أو وضع معين أو بلاد لا تتبنى أفكارك؟ــ من الأصل أفكاري الذاتية (عملياً) لا تستطيع تحمله، لذلك أدجن أفكاري حتى لا تكون حادة, لكن لي رموزي التي استخدمها، والمهم هو ان تصل أفكاري الى الناس, والوضع غير راضٍ عنه ولا بأي حال من الأحوال, مش لأني خسران فلسطين, فلسطين عندي قصة كبيرة. وقضية لكل شيء للتحرير والعدالة والديمقراطية, فلسطين جغرافيتها عندي لهما شمول إنساني, وأتعامل معه من خلال هذا الاحساس. وأحياناً أرسم ولو على الجدار، وأشتغل فى النور، وأحس بأن هذا حقي. ودوري أن أرى العيوب وأشتغل عليها، وهى كثيرة على مد البصر.وفى حالات كثيرة لما تتأزم معى الأمور أخرج من المكان، وأينما الاقي واحة استظل بها أو جريدة أنسجم معها أذهب اليها، لذلك لا أعمل عقوداً مع أية جريدة، وليس لدي التزام مع أحد حتى لو جلست من دون عمل, ولدي الاستعداد لأتحمل هذه النتائج، والتزامي هو تجاه قضيتي.* هل درست الفنون الجميلة؟ــ لم أدرس الفنون الجميلة، ومرة دفعني شباب وقالوا لي ان لدي فكراً وارسم لماذا لا أتوج ذلك وأصقله أكاديمياً، وبالفعل قضيت شهرين أكاديمياً وجئت الى الكويت, لأن وضعنا السياسي كان دقيقاً، وجئت على أمل ان اجمع كم دينار واعود لإكمال دراستي فى أي بلد، الى أن بدأت برسم الكاريكاتير، وأقتنعت بفكرة أن أواصل فيه، وصار هناك جسر بيني وبين القراء، واستقررت مع الكاريكاتير, ولا يعنيني ان اصبح تشكيلياً وأبيع لوحتي ولو بمليون ليرة.* والولد الصغير (حنظلة) ما قصته؟ــ اخترعت هذا الطفل الفلسطيني بالكويت، لأني عندما جئت الكويت كنت أراقب ذاتي، والآخرون يراقبونني ويقولون ان الكويت بلد ومجتمع رفاهية وكذا، وانني سأخرب بعد وقت لأنه بطبيعة المجتمع أن تتوفر لي سيارة وكذا وكذا, وانني وسط الرفاهية هذه سأتوه عن التزاماتي تجاه القضايا الكبيرة، وابتكرنا هذا الشخص لكي يظل بذهني وكل يوم أرسمه وأتواصل معه. وهذا الرسم هو لذاتي, وهناك رسامون يرسمون أشخاصهم، وأحس بأن هذا رسم لذاتي (طفل المخيم)، وبدأت بتشكيله بأن له هوية فلسطينية وانه ابن المخيم، واخيراً صرت اتعامل معه بهويته القومية، ومع تطور ادراكي فى السنوات الاخيرة صار فيتنامياً واحياناً من أمريكا اللاتينية او زنجياً، وأرسمه ضمن أي موقع إنساني، فصارت له هوية إنسانية وضمير واعٍ يقظ، وحتى لو كان ساكتاً فحضوره يسجل الموقف المعين.*الطفل حنظلة واقف وحاطط يدينه على ظهره ؟-عندما تشكل عندى ذهنياً كان يلعب كاراتيه وكان يقول زجل لبناني وكان يلعب بوكس ويحاور ويداور وفي النهاية صار شكله هكذا, وهذا موقف الكاتب , لأني شعرت أن هناك متقبلين الهزيمة وساكتين , شكله  أنو حاطط يدو وراء ظهرو  أن (لا حول ولا قوة له) وانه في حل سلمي ضارب المنطقة ويأكل الأخضر واليابس وهو لم ييأس ويشكل حضوراً يومياً في نفس المقاومة والروح النضالية والتحريض على الواقع الاستسلامي .* من سماه؟- أنا سميته. وكلمة حنظلة من الأسماء القديمة, والحنظل من المرارة ودائما الحقيقة مرة , ووجدنا أن الاسم مقبول ومنسجم مع شكله ويليق به .* تحب هذا الصغير ؟-هذا أنا وأعتقد أن الإنسان مهما كان أناني ويحب نفسه.* ما منطلقك السياسي؟ انتماؤك؟- كنت قبلي مثل اي قبيلة عربية موزعة وعندها علم ودولة , كنت فلسطينياً بصدق . حسيت اني قعدت عشرين سنة بالمخيم ولا أحد التفت الي,عانيت كثيراً وكنا نشوف هيئة الأمم تعاملنا بكل ذل بواسطة كرت الإعاشة وهو  صار هويتنا وأخيرا صارت في ولاءات سياسية وفكرية من خلال الواقع العربي ؛ أنا بصدق لا أصلح أن أكون منتمياً لجماعة وليس  ذلك بحكم مزاجيتي أو لأني فنان . أنا ملتزم ولكن ليس بجماعة بل بقضية . لما ترجع فلسطين يمكن أصير مزاجي شوي وأنحط بقالب (ما). وطالما فلسطين هكذا لن يكون ولائي لا لجماعة ولا لتنظيم ولا لحزب ولا لأية قوة ؛ كل القوى تضغط علي ولن أتقبلها واستسلم ولن أرضخ لاعتبارات معيشية أو سياسية او كذا, أني أمثل السواد الأعظم من الناس من خلال رسومي استشف معاناتهم بغض النظر عن تناقضي مع الأطراف الأخرى ,أحيانا يقولوا علي ماركسي , أحيانا بقولوا مسلم وكذا يعطوني هويات. لكن هناك واقعاً وهو أنا ضمير كل الناس الواعية مصالحها ومش قادرة تعبر عنه .

شاركنا برأيك

هل تتوقع أن يتجاوز الطاقم الاقتصادي الحالي الازمة؟

تواصل معنا

حالة الطقس بالخرطوم

Who's Online

436 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

Search