mlogo

د. عارف الركابي

البروفيسور عارف الركابي

(قناة الجزيرة) والخسائر المتتالية في السودان

منذ أن انطلقت ثورات ما سمي بــ (الربيع العربي) والذي تبيّن بعد حين لمن انخدع به أنه ليس ربيعاً عربياً وإنما صقيعاً وسموماً وريحاً عاتية وزلازل وبراكين مدويّة أهلكت الحرث والنسل ، منذ اندلاع تلك الثورات في مطلع هذا العِقد و(قناة الجزيرة) تتولى كِبر التأجيج والنفخ في نيران تلك الثورات ، فهي تقوم بدعم تلك الثورات وإثارة عواطف الثوار وتعبئتهم وتجيد المساعدة والدعم في حملات التهييج ولا تتوقف حتى – للأسف – تتم مواجهة العزّل للآلات العسكرية لحكام تلك الدول ، ثم بعد المواجهات تجتهد قناة الجزيرة فتجيد نشر الدمار والخراب والهلاك والموت والتشريد والتنكيل الذي كان مصير أهل تلك البلاد والذين باتوا يعضون أيديهم ندماً وحسرة على مآسي الخروج على حكامهم ، فإنهم لم يمتثلوا أوامر الشرع الحكيم الذي أوجب عليهم الصبر على ظلم الحكام وجورهم واستئثارهم ، ولم يأخذوا باشتراط الشرع للخروج على حكامهم شروطاً معينة من أهمها بعد شرط الكفر البواح توفر القدرة على تغيير الحاكم دون أن تكون مفسدة التغيير أعظم من مفسدة بقائه ، وهو ما لم يتوفر في تلك الثورات التي جعلت (قناة الجزيرة) تنفخ في نيرانها بأساليب مختلفة وطرق متنوعة.
في بلدنا السودان لم يكن دور (قناة الجزيرة) مختلفاً عن دورها في البلاد التي قامت فيها تلك الثورات ؛ فقد اتجهت في الفتنة الأخيرة لصب الوقود على النار في مجريات الأحداث في بلادنا عبر ما تنشره من مواد وتقارير وأخبار ، وبات ما تنشره يزيد في الشُقة ويبعّد ولا يقرب ويفرق ولا يجمع ، وشأن الحريص على مصالح الشعوب والمجتمعات أن يكون أداة جمع لا تقطيع ، وقد كان علماء السلف يوصون الناس في زمان الفتن أن يكونوا حبالاً تجمع وتهدي لا سيوفاً تقطع وترمي.
لقد اتخذ المجلس العسكري الانتقالي في السودان إجراءات أغلق بها مكتب قناة الجزيرة في السودان ، وقد وجد هذا القرار ترحيباً واسعاً لدى كثير من الناس في السودان وذلك لأنهم يدركون أن الطريق الذي تسير عليه قناة الجزيرة في تناول حال السودان وأخباره في هذه الفترة ليس في مصلحة بلادهم التي هي بحاجة إلى وسائل إعلام تنشر لتؤلف بينهم وتنشر ما يقرّب من وجهات النظر وما يحثهم على الاجتماع ونبذ الفرقة ، وهذا ما لم تكن تعمل عليه قناة الجزيرة بل كانت ولا تزال تعمل في نقيضه. ومن آخر خسائر (قناة الجزيرة) في السودان خسارتها لواحد من أكبر المنافحين والمدافعين عنها في السابق ، إنه الباشمهندس الطيب مصطفى رئيس حزب منبر السلام العادل ورئيس لجنة الإعلام في البرلمان المحلول ورئيس مجلس إدارة صحيفتي الصيحة والانتباهة سابقاً وهو المؤسس لهاتين الصحيفتين ، ومن ذا الذي كان يصدّق أن يقرأ كلمات للباشمهندس الطيب مصطفى ينتقد بها (قناة الجزيرة) ؟! بل من كان يصدّق أن يصف الطيب مصطفى (قناة الجزيرة) بأنها تقوم في دور يشبهه بــــ (حمّالة الحطب ونافخ الكير) ؟!
إذاً لقد بلغت خسائر (قناة الجزيرة) في بلدنا السودان مبلغاً كبيراً ، ولا يستغرب ذلك فإن ما تقوم به هذه القناة في بعض مواده يرفضه عامة الناس في السودان لأن مضاره واضحة أمام الجميع فضلاً عن أنها لا تمت إلى المهنية بصلة في كثير مما يتم تصويره للمشاهدين ، حيث إنه خلاف الواقع المشاهد ، وهو قدح في العمود الفقري للوسيلة الإعلامية حيث إن المصداقية هي أساس ورأس مال وسائل الإعلام ، وهو ما يحتاج أن تنتبه له (قناة الجزيرة) فإنها قد تعمى عن التركيز والتمحيص لما تسيطر عليها القاعدة القبيحة (الغاية تبرر الوسيلة) ، وبغضك للشيء يعمي ويصم فقد يكون بغض القناة للمجلس العسكري حملها على ما تعجّب له من كانوا يدافعون عنها فضلاً عن من عرفوا حقيقتها في وقت مبكر !! وربما من لم يطلعوا على ما كتبه الباشمهندس الطيب مصطفى بحاجة إلى الاطلاع عليه ، فأضعه بين أيديهم تبياناً لما وصلت إليه خسارة قناة الجزيرة في أرض النيلين :
في يوم الثلاثاء الماضي 11 يونيو كتب الباشمهندس الطيب مصطفى بهذه الصحيفة في عموده (زفرات حرى) مقالاً بعنوان : (قناة الجزيرة بين دور حمالة الحطب ونافخ الكير!) قال في خاتمته : (اما قناة الجزيرة (داعية الفتنة) فقد سقطت في اختبار المهنية وفقدت جراء ذلك اخلاقها ومصداقيتها ويا لها من خسارة فلطالما ناصرناها ايام كانت نصيراً للحق وها نحن نسقطها في نظرنا لتذهب غير مأسوف عليها ، فيا حسرتاه).
وأعقب ذلك بمقال نشر يوم الخميس 13 يونيو كان مضمونه عن الوساطة الإثيوبية قال فيه : (إذا كنت قد ركزت على خطر التدخل الخارجي في الخلافات السودانية الحالية فإنني اود ان اذكر مرة اخرى بالدور السالب للإعلام الخليجي خاصة دور موقدة الفتنة وحمالة الحطب (قناة الجزيرة) التي اشهد انها لعبت ولا تزال دورا ربما هو الأقذر في مسيرة الثورة السودانية ويحزنني انها سقطت سقوطا مدويا، بسلوكها الميكافيلي المنحط، في امتحان المهنية والاخلاق فلطالما آزرناها وكتبنا عنها ونافحنا ودافعنا منذ نشأتها خاصة في اجتماعات اتحاد اذاعات الدول العربية عندما كنت جزءا منه. والـله إنه ليحزنني أن أشاهد قناة الجزيرة وهي تفقد مصداقيتها وتكذب وتتحرى الكذب في كل تغطياتها تقريبا منذ اندلاع الثورة السودانية خاصة في شأن العصيان المدني الأخير الذي تصر على تصويره بالناجح رغم علم الشعب السوداني بفشله الذريع من أول يوم والذي اضطر منظموه الى رفعه اضطرارا تجنبا للحرج بالرغم من تهديدهم ووعيدهم أنه لن يرفع الا بعد سقوط النظام!).
انتهى المقتبس من كلام الباشمهندس الطيب مصطفى وأحسن الـله عزاءه في هذه القناة التي كان يحسن بها الظن كثيراً ، وأحسن الـله عزاء من تأخر معرفتهم بحقيقتها .. وعصم الـله الشعوب المسلمة من فتن هذه القناة وشبيهاتها ، وكفاهم شر كل ذي شر.

Who's Online

573 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

Search