mlogo

د. عارف الركابي

البروفيسور عارف الركابي

(قعدية اليمين) و(قعدية اليسار)!!

(قعدية) التيارات اليسارية شابهت (قعدية) دعاة الثورات بما يسمى بالحركات الإسلامية..!! وكلاهما يصعد على أرواح وأجساد الأبرياء ليصل إلى مبتغاه..
إن نفس المسلك القبيح الذي درج عليه كثير من دعاة الثورات من قادة بعض الحركات الإسلامية ودعاتها الذين يلهبون الحماس ويؤججون عواطف الثوار ويصرون عليهم للاستمرار في المظاهرات والاعتصامات ويمسكون بمكبرات الأصوات لمخاطبة الشباب المسكين المغرر به، ويحسنون الهندام للظهور أمام كاميرا القنوات وهواتف (اللايفات) لتعبئة المتظاهرين والمعتصمين ثم في لحظات المواجهات مع القوات الأمنية ولما يحمى الوطيس يبتعد أولئك الدعاة (القعدية)، بل ويبعدون في خسة وخبث مكشوف مفضوح أهلهم وقرابتهم لينجوا بأنفسهم فإن من أندر النادر أن يصاب هؤلاء أو أهلهم في المواجهات مع الجهات الأمنية ومواجهة الآلات العسكرية بصدور عارية، ولو عملت إحصائية لوجدت النسبة توشك أن تكون صفراً .. لأنهم يحرصون على أن يكون وقود الثورات وحطبها من الشباب المستغل دون أن يعلم أو أن ينتبه الشباب الذي ليس له صلة وطيدة من قرابة أو نحوه بهذه القيادات!!
ودونكم ثورات ما عُرف بالربيع العربي التي قامت قبل ثماني سنوات، ولكم أن تستعرضوا أسماء دعاتها ومن كانوا يفتون بها ومن كانوا ينفخون في نيرانها في تلك الدول، وأبحثوا عن أسماء أبنائهم هل كانوا في عداد ضحايا تلك الثورات؟!
نفس هذا السلوك تكرر في الحادث المفجع الذي خلف قتلى بالعشرات وجرحى كثيرين أمام القيادة العامة يوم ٢٩ رمضان، فقد انزوى قيادات الاعتصام من تجمع المهنيين وقوى الحرية والتغيير الذين كانوا حتى اللحظة الأخيرة يخاطبون عبر منصات الاعتصام ومواقع التواصل بضرورة المجيء إلى ساحة الاعتصام والبقاء فيه وحراسته وحراسة التروس بأنواع من الخطابات التي تخاطب عاطفة الشباب المضحوك عليه ولم نرَ بين القتلى أولئك القادة ولا قراباتهم!.. وجاء العيد على أهل الضحايا المقتولين بفجيعة وحسرة لا يعرفها إلا من ابتلي في فلذة كبده.. وبات هم كثير من دعاة الحشد في ساحة الاعتصام أن ترتفع أعداد القتلى حتى تقوى وسيلته التي يتوسل بها إلى ما يطالب به. فإن الغاية عند هؤلاء تبرر الوسيلة مهما كانت تلك الوسيلة!! وحسبنا الله ونعم الوكيل و"إنا لله وإنا إليه راجعون".
ورغم المسافة بين (دعاة القعدية) من الحركات الإسلامية و(دعاة القعدية) من التيارات اليسارية في كثير من الجوانب، لكن تشابهت أخلاقهم وأعمالهم في هذا الجانب وبئست الأخلاق التي تجعل من يدعو إلى شيء لا يكون قدوة فيه وهو يملك ذلك، بل يجعل من يدعوه ضحية يحسن مشاهدتها وهو على سريره تحت مكيف غرفته يحتسي الشاي والقهوة في أسعد حال، وقد تشابه الطرفان في أن كلاهما يتاجر بالدين، أحدهما برفع بعض شعاراته دون العمل بها، والآخر بمعاداته ومحاولة التكسب بالقدح فيه..
ومن منشوراتي السابقة التي نشرتها في هذا العمود مقالاً بعنوان: (الخوارج القعدية) متى يشاركون ومتى لا يشاركون في المظاهرات؟!!) قلتُ فيه :
من يزينون بفتاواهم المظاهرات ويحثون الناس على الخروج فيها، يقسمون بحسب مصالحهم الخاصة المظاهرات إلى قسمين :
# قسم يكونون في مقدمته ويتفاعلون فيه ويبرزون أنفسهم أثناء التظاهرات للكاميرات بعد أن لبسوا أجمل الثياب.. وقد يدفعون للمصورين حوافز خاصة لإعداد صور مميزة.. وهذا القسم هو تلك المظاهرات التي تخرج للتنديد ببعض أعمال دول الكفر مثلاً، فتحشد المظاهرات أمام بعض السفارات أو نحوها، فإنه في ظل هذا النوع من المظاهرات، يتطابق قول هؤلاء المفتون مع فعلهم، حيث يظهرون للناس أنهم رعاة الدين وأنهم من يغار عليه.
# وأما القسم الآخر فهي المظاهرات التي يكون فيها الاحتجاجات على الحكومة كحال المظاهرات التي شهدتها بلادنا، حيث الكر والفر والتدمير، وحيث تؤول إلى المواجهات مع القوات النظامية ويحصل فيها التعرض للغاز المسيل للدموع والضرب وبالجملة، حيث يحمى الوطيس ويشتد (الدواس)، فإن المفتين لعامة الناس بالخروج في هذه المظاهرات، لن تراهم أو أهلهم أو أبناءهم في هذه المظاهرات.. وإنما يكون شغلهم في التزيين للخروج في المظاهرات وإعداد المقاطع المرئية والصوتية لإشعال الفتن ثم متابعة الأحداث عبر الشاشات وأبواب بيوتهم مُغلقة عليهم وبطونهم ممتلئة شبعاً ورياً.. ومن رأى منكم أبناء أو أهل أو واحداً من أسرة الدكتور فلان أو الشيخ علان، من هؤلاء المفتين (قعدة الخوارج) .. من رآهم أو واحداً من أهلهم مشاركاً في هذا النوع من المظاهرات، أو مقتولاً فيها أو بين المقبوض عليهم، فليخبرنا!! انتهى الاقتباس.
ولعل القارئ الكريم يجد أن صنيع (قعدية اليسار) يتطابق مع صنيع (قعدية دعاة الثورات)، فالسلوك واحداً في النوعين من أنواع المظاهرات والاعتصامات، تشابهت أخلاقهم وتشابهت ضحياهم.. وليتهم يتعظون، فإن لم يتعظوا فليستحوا فإن الحياء لا يأتي إلا بخير وإذا فقد الحياء وقع البلاء ..

Who's Online

649 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

Search