mlogo

د. عارف الركابي

البروفيسور عارف الركابي

 (تهور) و (اندفاع) و (شائعات)

الحلم والأناة، صفتان محمودتان أثنى بهما أحسن الناس خلقاً وحلماً وحكمة وصبراً وأناة محمد صلى الـله عليه وسلم على الأشج الذي كان في وفد عبد القيس كما في الصحيح، فقد قال له النبي صلى الـله عليه وسلم : (إن فيك خصلتين يحبهما الـله الحلم والأناة)، وقصة الحديث أنه لما تسارع شُبَان الوفد القادم في عام الوفود لمبايعة النبي عليه الصلاة والسلام، لما تسارعوا إلى النبي صلى الـله عليه وسلّم وتركوا رَوَاحِلَهم غير معقولة، فإنه قد تخلف عنهم رئيسهم الأشَج واسمه المنذر بن عائذ، فعقل رِكابهم، واغتسل، ولبس ثوبيه، ثم حضرَ مجلس النبي صلى الـله عليه وسلّم، فبشَّرَه النبيُّ صلى الـله عليه وسلّم بالخصلتين: الحلم والأناة، والأناة هو الرفقُ والتثبُّت في الأمور وترك العجلة، والحلم العقل.
·  (التأني من الـله والعجلة من الشيطان) حديث حسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، وفي ذلك تأكيد لما ثبت في الصحيح مما ذكرته في الفقرة السابقة من أهمية التبيّن والتثبت والتأني، وأن الـله يحب (الأناة).
· أمر الـله الحكيم الخبير بالتثبت كما ورد في سورة الحجرات التي يسميها بعض أهل العلم بسورة الآداب (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ).
· من القواعد المقررة والمتفق عليها بين العقلاء أن المسائل التي ترفع للقضاء للوصول إلى الحكم فيها؛ فإنه لا ينبغي أن يتكلم في تفاصيلها التي لا يعلم عنها عامة الناس ولا يصلح أن يتحدث فيها بقيل وقال قبل صدور الأحكام.
· ما كان الرفق في شيء إلا زانه وما نزع من شيء إلا شانه!! هكذا يضع النبي صلى الـله عليه وسلم قاعدة من القواعد المهمة في ضبط سلوك المرء فيما بينه وبين نفسه، وفيما بينه وبين من حوله من الناس، وعجباً لأقوام ينبغي أن يكونوا هم القدوة في حث أنفسهم وغيرهم ومن يدعونهم على الرفق، ولكن في بعض المواقف يتبيّن أنهم ممن فقدوا ذلك وفاقد الشيء لا يعطيه!!
· من المؤسف جداً أن يظهر في مجتمعنا في الفترة الأخيرة على سلوك بعض الناس تحكّم وسيطرة (الطيش)، و(الاندفاع) و(عدم التوازن) ويفتقد لديهم (الأناة) و (الحكمة) و (الحلم).
· حق لنا أن نسمي ثورة (الاتصالات) بثورة (الشائعات)!! فقد وصلت رسائل (الواتساب) وغيره من وسائط التقنية في مجتمعنا أن ينشر فيها صورٌ لوثائق ثبوتية كالجوازات والبطاقات ويقال أسفل الوثيقة هذا فلان وهذه فلانة فعل وفعل وعمل في ذلك المكان أو قام بفعل كذا .. وتصل تلك الرسائل (مجهولة) المصدر، وغير معلوم لمن وصلت إليه هل المعلومة صحيحة أم لا !! وحتى على فرض إن بعضها صحيح فهل يجوز شرعاً هذا العمل؟! كيف بشخص يخاف من الـله تعالى ويشفق على نفسه من حقوق الآخرين وسؤال الـله عنها ومن مغبة تفريطه فيها، أن يرسل صوراً شخصية أو صوراً لوثائق ثبوتية لأشخاص معينين يساء إلى أصحابها بها؟! وقل مثل ذلك في التحذير من شركات بعينها أو مصانع بعينها ومنتجات معينة باسمها من غير صدور ذلك من جهات الاختصاص، وقل مثل ذلك في حديث أناس عن القضاء في دول معينة وتبرئتهم لمتهمين بأنهم أبرياء هكذا من على البعد، وقل مثل ذلك في نشر شائعات عن مجموعات أو مسؤولين أو دول بأنها فعلت وفعلت دون أن تكون هناك بينة على ذلك!! والقائمة تطول.
· تبّاً لتقنية تستخدم في مثل هذه المخازي، وتستخدم في أذية عباد الـله، ومؤلم رؤية ثورة تقليد أعمى بتبادل رسائل تضر ولا تنفع، حملات إعادة توجيه دون رعاية لأدنى حقوق الناس عموماً وحقوق المسلمين خصوصاً.. انتهاك للخصوصية ونشر صور للحوادث، وقد يترتب على ذلك من الضرر ما لا يتصوره المصور أو الناقل. · مؤسف جداً أن يساهم كثيرٌ من الناس في نشر كل ما يصل إليهم دون أن يكون لديهم من التروي والأناة ما أوجبه ديننا في مثل هذه الأمور، ومحزن أن كثيراً من الناس لم يستقيموا لتوجيهات الخالق سبحانه في قوله تعالى: «يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين».. فما هو عذر من يعيد إرسال رسائل كهذه ويساعد في نشرها دون أن يتأكد من صحتها ودون أن يبذل جهداً في التبيّن والتثبّت من صدقها؟!
· ولا تخفى على مسلم خطورة نشر الشائعات والأكاذيب، خاصة ونحن نعيش في زمان أنعم الـله تعالى علينا فيه بوسائل تقنية تساعد في سهولة التواصل وسرعة نشر المعلومات في لحظات قليلات، فهي «نعمة» استثمرها كثيرون في نشر الحق وكسب الحسنات والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والصلات الطيبة، فهي لهؤلاء «نعمة»، وإن أناساً آخرين سخّروها في نشر الباطل وكسب السيئات والأوزار والمساعدة ــ بتساهلهم وتفريطهم ــ في ترويج الأكاذيب والشائعات المفتريات، فكانت عليهم (نِقْمَة)
والموفق من وفّقه الـله.

Who's Online

457 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

Search